رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
المساجلات الكلامية والمناكفات الإعلامية ومعوقات المصالحة عادت لتكون هي عنوان المرحلة بين فتح وحماس، وما أكتبه اليوم ليس من قبيل المشاركة في هذه المواجهات ولا لزيادة طينتها بلة ونارها تأججا ؛ ولكن لأن الكثير مما يقع الآن من التناقض ومحاولات ومن إعادة التذكير بالثارات القديمة قد وقع مثله في كل المرات التي انطلقت فيها حوارات المصالحة الوطنية منذ أربع سنوات وفي كل مرة كاد يتحقق اختراق حقيقي في المواقف المتشنجة.. هذا يعني أن بث الأمل وحده والتبشير بإمكانية المصالحة وحده أو التغطية على الحقائق بحجة عدم تسميم الأجواء لم يعد يجدي ؛ وعلى العكس من ذلك فإن علينا - نحن الكتّاب – أن نكون أكثر صراحة وصرامة ووضوحا من السياسيين المجاملين في تحميل المسؤولية وتشخيص الحالة التي بدأت تتحول إلى حالة دائمة وبدأت تحول الانقسام إلى انفكاك تاريخي مع طول زمانه وترسخ وقائعه وكثرة المستثمرين فيه ومع كل فشل في تجاوزه وإنهائه..
وإذن فلنكن صرحاء ولنكن مباشرين ولنترك دعوى الحياد الذي لا يجوز ولا يصح أن نتدارى به عندما تكون المراجحة – كما هي اليوم - بين طرفين أحدهما المصالحة والوحدة الوطنية والمقاومة والآخر الانقسام والتزييف وإغراق القضية في الحسابات الشخصية والفصائلية.. نعم ؛ يجب أن نحدد ماهية أزمة المشروع الوطني التحرري الفلسطيني ابتداء، ثم نقرر ما إن كانت طروحات صندوق الانتخابات بعد هذه الأزمة وما ترتب وانبنى عليها تصلح مدخلا للحل كما تصر عليه فتح والسلطة أم أن هذه الانتخابات هي مجرد دعاية للانصراف عن الأزمة الحقيقية ولمزيد من الإيغال في الانقسام والإصرار على بقائه.. ثم لنقرر نهاية مسؤولية أي من الفصيلين عن هذه الأزمة، وصولا للدور المطلوب منه لإنهائها.. وأقول:
أما أزمة المشروع الوطني التحرري الفلسطيني فأرى أن لها أوجها عدة أهمها ؛ 1- تشتت البعدين العربي والإسلامي عن القضية ونقصان أو انعدام الدعم الحقيقي لها، 2- خلو يد الفلسطينيين – في الضفة - من أية مناورات أو إمكانات لتصعيب الاحتلال على العدو وتكليفه ثمنا غاليا عنه وجعل العدو لا يحس بجدوى المراوحة أو المزاوجة بين عملية التسوية وضرب المقاومة، 3- تنكر العدو الصهيوني للتسوية وإصراره مع ذلك على بقاء التنسيق الأمني الاستخباري مع السلطة لمنع المقاومة وعلى إلحاق الاقتصاد الفلسطيني باقتصاده عبر اتفاقات مقررة وموقعة سابقا، 4- استمرار الاستيطان والتهويد والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية والاعتداءات المتكررة على المساجد والمزارع والآمنين الفلسطينيين التي قلبت حياة أهل الضفة حتى من هم تحت سلطة السلطة إلى جحيم حقيقي وإلى احتلال مباشر، 5- الحصار المفروض على غزة، 6- الانقسام بين غزة والضفة وما تسبب فيه من تشتت الجهد الفلسطيني عن مواجهة الاحتلال وعن مشروع التحرير وتوفير فرص للعدو للتداخل على المعادلات الفلسطينية الداخلية.. وبنظرة ماسحة وتذكرية وترتيبية لعلاقة الانقسام بما سبقه وما لحقه يمكن الخلوص للحقيقتين الآتيتين ؛
الحقيقة الأولى: أن الانقسام وقع متأخرا زمانا ومكانا وأثرا عن كل أوجه الأزمة الخمسة ؛ بالتالي فهو نتيجة لها ولا يمكن إنهاؤه ما لم يتم الاتفاق على برنامج سياسي " الحد الأدنى " لا يسمح بعودته لمواجهة الأزمة، وأذكّر هنا بالمؤتمر الصحفي الذي عقده السيد عباس في ستراسبورغ بعد لقائه مع أعضاء البرلمان الأوروبي في بدايات حوارات المصالحة وأجاب يومها على سؤال: كيف ستتصرفون لو أن حماس قبلت بالانتخابات وفازت بالتشريعي والرئاسة ثم قررت أن تقصف " إسرائيل بالصواريخ " من جديد؟ فقال: (سنمنعهم ولو عاد الانقسام من جديد) وإذن.. فما قيمة مصالحة تتبعها انتخابات ويتبع الانتخابات فوز أو خسارة.. ما دام منع الصواريخ هو الأصل؟ ولنا أن نسأل هنا: هل ستستطيع المقاومة قصف تل أبيب بعد المصالحة؟ وأليس من حق حماس والمقاومة حينئذ أن تتخوف من هكذا مصالحة؟ وإن تخوفت وتهربت منها ومن مترتباتها وتعثرت بذلك مساعيها فمن المسؤول عن هذا التعثر؟ وهذا كله بالطبع مع افتراض أن حماس ستثق بشفافية ونزاهة وجدوى هذه الانتخابات..
الحقيقة الثانية: وبالنظر لأوجه الأزمة الخمسة السابقة على الانقسام يمكن القطع وبكل ثقة أن منظمة التحرير الفلسطينية وفي الرأس منها حركة فتح التي كانت تقودها ثم السلطة من بعد هي المسؤولة عن كل ذلك، ليس لأنها ليس لها تاريخ نضالي ولكن لأنها ضيعت هذا الرصيد في المناورات والتنازلات، ولأنها لم تستثمر وجودها في سدة القيادة وكونها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وأن باستطاعتها وفق هذا الاعتبار وبهذه الصفة وبشبكة العلاقات والمصالح حول العالم وفي مؤسساته الدبلوماسية والقانونية والوجاهية ما لم يستطعه غيرها..
صحيح أن منظمة التحرير أولا ومنظمة فتح ثانيا والسلطة ثالثتهما لا تستطيع كل شيء ولا يجوز عدلا ولا أخلاقا تحميلها كل المسؤولية ففي القضية ملفات وإشكالات أكبر منها ومن حماس ومن كل الشعب الفلسطيني.. ولكن لا شك أنها تلام من ناحية ما كانت تستطيعه ولم تفعله "وهو كثير وعلى صعد كثيرة "، وتلام من ناحية أنها أعطت المبرر في كثير من الحالات لمن يكيدون للشعب الفلسطيني ومن يتآمرون عليه.. ولنتذكر هنا تجربة المنظمة وسلوكها في الأردن ولبنان وفي المشكلة بين العراق والكويت وفي المفاوضات مع العدو وتوقيع الاتفاقات التي حشرت الشعب والقضية تحت سقوف الاحتلال.. كل ذلك إنما تلام فيه المنظمة وليس حماس.
وإذا كنا بصدد تحميل المسؤولية بوضوح وصراحة – كما قلنا – فإن حماس والمقاومة وعلى العكس من المنظمة وفتح والسلطة يشاد بها وقد كسرت التابوات المغلقة وأبدعت الجمع بين السلطة والمقاومة وضربت تل أبيب ومستوطنات الضفة وحققت انتصارات كبيرة وصمودا أكبر في وجه هذا العدو..
آخر القول: بالنظر لملفات الأزمة الفلسطينية وعدم حصر المعالجة في الانقسام المترتب عليها، لا يمكن التسوية في تحميل المسؤولية عن فشل المصالحة بين المنظمة وفتح والسلطة ومن صنع الخلاف ولا يزال يسبح في بحره ويصر على أسبابه واتجاهاته ومترتباته من جهة وبين حماس والمقاومة الذين قدرهم أن يفرض عليهم الانقسام وأن يدفعوا وحدهم ثمنه.
من دخل مدخلا خاطئا يخرج منه
نلتقي أحيانا ببقية ممن لا يزالون يعيشون الخيال الذي رسمه لهم السيسي ، ويؤيدونه على غير وعي بما... اقرأ المزيد
667
| 12 يناير 2017
صديقي أقال أحسن موظفيه !
صديقي أقال أحد الموظفين لديه من العمل .. فجاءني الموظف يستشفع بي لدى صديقي كي يعيده للعمل فالموظف... اقرأ المزيد
967
| 05 يناير 2017
سحب الانقلاب المصري مشروع القرار .. خزي يستحقه !
بعد أن سحبت مصر – الانقلاب - مشروع قرار قدمته إلى مجلس الأمن الدولي لإدانة الاستيطان الصهيوني في... اقرأ المزيد
609
| 29 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4245
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3165
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1110
| 28 سبتمبر 2026