رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أمدت المجتمع بما يقارب ألف أسرة جديدة وتحقق المقاصد العامة للدين
*أقترح تأسيس معهد للتثقيف الأسري يحمل اسم (معهد راف الأسري)
*تأهيل الشباب المقبلين على الزواج يحافظ على سياج المجتمع ويحميه من التفكك
*تزويج ألف من الشباب رقم طيب ونحتاج إلى المزيد من هذا الخير الوفير
*ما أنعم الله به علينا من النعم يدفعنا لتكون أسرنا نموذجاً متميزاً في الاستقرار
*مطلوب إعادة النظر في مشاريعنا الوطنية لنحافظ على كيان أسرنا القطرية ونسيجها الاجتماعي
الحمدلله رب العالمين على نعمة الزواج، سنة الله في أرضه لتكثيرعباده، وصدق حين قال: "ومن كل جعلنا زوجين"، وجعلها آية من آياته العظام في قوله: "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون".. الروم آية (22).
وصلى الله على نبيه الكريم الذي حث على الزواج بسنته القولية والفعلية والتقريرية والوصفية، القائل "عفوا تعف نساؤكم"، فقد تزوج عليه الصلاة والسلام وزوَّج بناتِه وتزوج أصحابه واقتدوا بهديه (رضي الله عنهم)، فكان المجتمع المدني أفضل مجتمع على الإطلاق، وكانت مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم (طيبة) هي المدينة الفاضلة التي حلم بها الفلاسفة والمفكرون منذ القدم وحتى قيام الساعة،
وحتى نحذو حذو الرسول الكريم وصحابته في تكوين المجتمع الفاضل في قطر، ارتأت مؤسسة الشيخ ثاني بن عبدالله للخدمات الإنسانية (راف) المساهمة في وضع لبنة من لبنات هذا المجتمع بإطلاق مشروع "راف" لتزويج الشباب منذ سبع سنوات سِمَانٍ أمدت المجتمع بأسر جديدة شبابية ما قارب الألف أسرة ووضعت لها من الخبرات الشرعية والاجتماعية والعلمية والاقتصادية والنفسية على أيدي متخصصين في الشأن الأسري والمجتمعي، ما نأمل أن يحقق الهدف المرجو من رفد المجتمع القطري بأسر جديدة سعيدة ومستقرة وناجحة، وما ساهمت فيه ماديا، للتخفيف من أعبائه ومسؤولياته المالية، وأرى أن هذه المساهمة تعمل على تحقيق المقاصد العامه للدين وتحقيق حاجيات الإنسان الضرورية من المحافظة على الدين والمال والنسل والعرض والعقل، كما اتفق عليها علماء المقاصد الشرعية، وهذه الحاجيات الضرورية للإنسان تغطيها محاور الدورات التأهيلية، والتي دأبت "راف" على تقديمها لمؤسسي الأسر الجديدة من الشباب والشابات المقبلين على الزواج لبناء أسر قيادية تقود المجتمع القطري، وبالتالي تقود الأمة إن شاء الله، فإن مجتمعات هذه الأمة لا يصلح آخرها إلا بما صلح به أولها من التمسك بالدين والتربية على مبادئه وقيمه، ولذا كان تركيز "راف" على هذه المحاور الجديرة بالتوعية الدورية والتثقيف، فكلنا يعرف أن الأسرة هي نواة المجتمع، وهي الحصن الحصين للأمة، فإن صلحت واستقرت واستقامت صلح المجتمع وإن فسدت وتفككت فسد المجتمع وتفكك، وهذا هو الملموس والمشاهد في مجتمعاتنا، وما ضعفت الأمة إلا بضعف مجتمعاتها، وما ضعفت المجتمعات إلا بضعف أسرها، وما ضعفت الأسر إلا بضعف أفرادها.
وأطمع من أهل الخبرة والمعرفة أثناء الدورة توعية المقبلين على الزواج أن ما يقومون به من سلوكيات وأخلاقيات في حياتهم الأسرية هو تعبد لله عز وجل وبغية رضاه سبحانه بتعاونهم وتراحمهم وتعاطفهم واحترام خصوصيات كل طرف للآخر وما يزرع الثقة بينهما ويزيد من المودة التي تؤدي إلى السكن والتقدير، فإن ربط الإنسان حياته وسلوكياته برضا الله حاز التوفيق والسداد وكان ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه في الدنيا والآخرة إن شاء الله تعالى.
إن مشروع "راف" لتأهيل الشباب المقبلين على الزواج إنما هو للمحافظة على سياج المجتمع بعد تصدعه، وتماسك نسيجه بعد تفككه، وترابط أفراده بعد تفرقهم، ولذا كانت هذه المحاور: الشرعية والصحية والنفسية والاقتصادية والاجتماعية تحقق المقاصد السامية لديننا الحنيف، ولنا في رسولنا "صلى الله عليه وسلم" وزوجاته وبناته القدوة الحسنة في بناء البيوت وإقامة السدود أمام العواصف والزلازل الأسرية، فالله عز وجل أكد في كتابه الكريم على الوفاق الأسري في كثير من الآيات الكريمة، بل رفع من شأن المنزل الأسري بسورة الحجرات وغيرها، بل يأمر الزوجين بالمعاشرة بينهما بالمعروف في قوله سبحانه "وعاشروهن بالمعروف" والمعاشرة بالمعروف تتطلب كل خلق حسن تجاه الآخر، حتى اللقمة يضعها في فِيِّ امرأته، والمرأة تضعها في فِيِّ زوجها، وهذا خلق إسلامي وإرشاد نبوي عظيم، وهو ليس خلقا أجنبيا أتانا من الغرب كما يظن الكثير، بل هو خلق إسلامي أصيل انتفع به الآخرون وغفلنا عنه، إن كل ما ترونه من تهذيب سلوك الرجل الغربي تجاه المرأة، إنما هي بضاعتنا، ويجب أن نستردها بالرجوع إلى مصدرها المستقاة منه، وهما القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والأعراف العربية الصحيحة، ولنا في رسول الله "صلى الله عليه وسلم" أسوة حسنة، وهذا ما نراه في كثير من أقواله وأفعاله في المجتمع المدني.
فالرسول "صلى الله عليه وسلم" يحض الزوج على رفع اللقمة إلى فم الزوجة (عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "...وإنك مهما أنفقت من نفقه فإنها صدقة، حتى اللقمة ترفعها إلى فِيِّ امرأتك)، ولا يكون ذلك إلا عند الملاعبة والملاطفة والممازحة، وهذا من المعاشرة المعروف.
والرسول صلى الله عليه وسلم عندما يأمر الأزواج بالتمهل في الدخول على الزوجات، بعد العودة من الخارج، حتى تتهيأ الزوجات لاستقبالهم في قوله (أمهلوا حتى تدخلوا ليلا أي عشاء لكي تتمشط الشعِثة وتستحد المغيبة)، حفظا للبيت المسلم، فلا تقع عين الزوج على منظر يكرهه في زوجته فينفر منها.
ويأمر (صلى الله عليه وسلم) الحجاج بعد أداء الفريضة بتعجيل الرجوع إلى أهليهم، فإنه أعظم لأجرهم "إذا قضى أحدكم حجه فليعجل الرجوع إلى أهله، فإنه أعظم لأجره"، للحفاظ على تلاحم الأسرة وتواصلها بعد الغياب، وعن أنس (رضي الله عنه) قال: كان النبي " صلى الله عليه وسلم" لا يطرق أهله، كان لا يدخل إلا غدوة أو عشية " والطروق المجيء بالليل من سفر أو غيره على غفلة، وكان يطوف عليهن كل صباح فيسلم عليهن ويدعوا لهن، عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: وكان رسول الله "صلى الله عليه وسلم" إذا صلى الصبح جلس في مصلاه، وجلس الناس من حوله حتى تطلع الشمس، ثم يدخل على نسائه امرأة امرأة يسلم عليهن، ويدعو لهن، فإذا كان يوم إحداهن كان عندها"، وغير ذلك كثير من حسن معاشرته لنسائه، حيث يوجه طموحهن إلى ما هو أفضل لهن ويصحبهن في أسفاره ويوصي بالترفق بهن ويتقبلهن ويودعهن ويحتمل رفع أصواتهن على صوته ويصبر على مغاضبتهن له ويوافق أهواءهن ويتلطف بهن عند مرضهن، وغير ذلك كثير، كان في حياته الأسرية والاجتماعية "صلى الله عليه وسلم" قرآنا يمشى على الأرض، كما وصفته زوجته الحبيبة السيدة عائشة أم المؤمنين (رضى الله عنها)، حري بنا أن نعلمها ونتعلمها ونعلمها بناتنا وأولادنا منذ نعومة أظفارهن في المدارس وعلى مقاعد العلم، حتى ننشئ أسرا مستقرة وأجيالا صالحة ومجتمعا متماسكا وأمة قوية يهابها أعداؤها بقوة حصونها الداخلية بقوة أسرها وتماسكها.
وقد سعت "راف" بفضل الله تعالى وجدّ العاملين فيها بتبني هذا المشروع الوطني لتيسير سبل الزواج على الشباب القطري بنوعيه وتأهيلهم بهذه الدورات التثقيفية لتاسيس حياة أسرية مستقرة سليمة جديدة وفق الكليات الخمس التي من أجلها نزلت الشريعة، وهي المحافظة على مصالح العباد، وبالتالي مصالح المجتمعات، وقد ثبت نجاح مشروع "إعفاف" من خلال النتائج الطيبة للأعوام السابقة من تزويج ألف من الشباب، وهو رقم طيب، ولكنا نحتاج إلى المزيد من هذا الخير الوفير، ولذا أرى الانتقال من مرحلة المشروع إلى مرحلة تأسيس معهد أو كلية للتثقيف الأسري يحمل اسم (معهد / كلية راف الأسري) يمنح دبلوم الدراسات الأسرية وينتقل االتثقيف من أسبوع إلى عدة أشهر يعلم فيها المقبل على الزواج أسس الحياة الزوجية بالتفصيل، يكون نبراسها المثل الأعلى نبينا محمد "صلى الله عليه وسلم" في حياته الأسرية.
وما دمنا حققنا الهدف الأول، فالأجدر بنا أن ننطلق لتحقيق الأهداف الأخرى، كان من المفروض وقد أنعم الله علينا بكل أسباب الاستقرار والتماسك الأسري والاجتماعي والاقتصادي والصحي والعلمي والأمني والسياسي أن تكون أسرنا نموذجا متميزا في الاستقرار وعدم التفكك للمجتمعات الأخرى، لكن للأسف نجد العكس، وهذا يثبت لنا أن هناك خللا في المنظومة العلمية والتعليمية والاجتماعية في الواقع، مما يؤكد لنا أننا بحاجة إلى إعادة النظر في مناهجنا وبرامجنا وخططنا ومشاريعنا الوطنية، لنحافظ على كيان أسرنا القطرية ونسيجها الاجتماعي الوطني، الذي بدأ في الانحراف عن هوية ودين وأصالة وقيم ومبادئ مجتمعنا، ومؤسسة راف أهل لأن تبادر بتوسيع مشروعها الأسري إلى معهد علمي للعلوم الأسرية بتوفيق من الله وفضله، ونحن إذ نبارك لهذه المؤسسة الجديرة بالتقدير والاحترام وتهنئتها بانتهاء مشروع إعفاف (7) بنجاح، نثمن لها مبادراتها وإسهاماتها الكبيرة في خدمة أمتها في الداخل والخارج، لنتقدم لها بالتهنئة القلبية على بلوغ بناء الألف أسرة، تنضم إلى ركب الأسر القطرية المباركة في وطننا العزيز، وفقكم الله وسدد خطاكم (ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير) والحمد لله رب العالمين.
QBC إعلام متخصص يواكب التحولات الاقتصادية
جاء إطلاق المؤسسة القطرية للإعلام، أمس، قناة قطر الاقتصادية QBC، باكورة للقنوات التخصصية في دولة قطر، التي تواكب... اقرأ المزيد
78
| 06 مايو 2026
رحلة بين ما فقدته.. وما أصبحته
في مثل هذا اليوم… لا أعدّ السنوات بقدر ما أستعيد الطريق. أقف بهدوء بين ما كان وما أصبح،... اقرأ المزيد
63
| 06 مايو 2026
البحث عن السكينة.. «العقيدة» الملاذ لمواجهة الألم النفسي؟
في عصر يتسم بالسيولة الرقمية والتسارع المذهل، وجد الإنسان المعاصر نفسه في مواجهة مباشرة مع ضغوط نفسية لم... اقرأ المزيد
87
| 06 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3858
| 29 أبريل 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1482
| 30 أبريل 2026
في بيئات العمل، لا تبدأ الإشكالات الكبيرة بقرارات معلنة، بل بتفاصيل صغيرة تتكرر حتى تتحول إلى واقع، مواقف تمر في ظاهرها عادية، لكنها تترك أثرًا غير عادي: انسحاب مفاجئ، قرار بلا توضيح، أو تصرف يُدار بصمت وكأنه لا يستحق التفسير، وهنا نقف في تلك المساحة الدقيقة: هل نبتسم ونتجاوز؟ أم نتوقف ونقرأ ما يحدث كما هو؟ أولًا: حين تختصر الإدارة في (ردة فعل) الإدارة ليست قرارًا سريعًا، ولا موقفًا لحظيًا يُتخذ تحت تأثير الانفعال، حين تتحول أدوات التواصل المهنية إلى حظر أو انسحاب مفاجئ من مساحات العمل، فإننا لا نتحدث عن إدارة موقف، بل عن ردة فعل شخصية تم تغليفها بشكل مهني، وهنا تبدأ المشكلة، عندما تُدار المؤسسات بذهنية الأفراد لا بأنظمة العمل. ثانيًا: السلطة بين التنظيم والاستحواذ السلطة في جوهرها أداة تنظيم، لكنها قد تنزلق بهدوء إلى مساحة أخرى: الاستحواذ، إزالة لوحة، تغيير محتوى، طلب تغييب اسم أو هوية، أو إعادة تقديم عمل بوجه مختلف، كلها ممارسات لا تكشف فقط عن قرار، بل عن تصور داخلي بأن الصلاحية تعني القدرة على إعادة تشكيل كل شيء، وهنا لا تكون المشكلة في الفعل، بل في توسع مفهوم السلطة خارج حدوده. ثالثًا: نقل الأفكار حين يصبح (الإلهام) انتقائيًا في بيئات العمل الناضجة، تُبنى الأفكار وتُوثق، ويُشار إلى مصادرها بوضوح، لكن في بيئات أخرى، تتحول الأفكار إلى مواد قابلة لإعادة التقديم: برنامج يُتابع، مشروع يُلاحظ، ثم يظهر لاحقًا بصيغة مختلفة وفي سياق آخر دون تاريخ أو مرجعية، هذه ليست عملية تطوير، بل إعادة إنتاج بلا اعتراف. رابعًا: التفاصيل التي تكشف مستوى الوعي لا تحتاج بيئة العمل إلى اختبارات معقدة لتُقاس، يكفي أن ننظر إلى التفاصيل: إعلان يفتقر للدقة، صياغة ضعيفة، أخطاء لغوية واضحة، وهوية غير متماسكة، هذه ليست هفوات، بل مؤشرات على مستوى التعامل مع العمل نفسه، فمن لا يُحسن التفاصيل لن يُحسن الصورة الكبرى. خامسًا: فوضى الاستعراض حين يطغى الشكل على الجوهر في بعض البيئات، يتحول العمل من بناء حقيقي إلى فوضى استعراض: كثرة إعلان، قلة إتقان، حضور شكلي، وغياب للعمق، وهنا لا يُقاس النجاح بما يُنجز، بل بما يُعرض. وهذا أخطر التحولات حين يصبح الظهور أهم من القيمة. سادسًا: التجاهل بين الذكاء والخسارة ليس كل موقف يستحق الوقوف عنده، لكن ليس كل موقف يُسمح بتجاوزه، التجاهل يكون ذكاءً حين لا يترك أثرًا، لكنه يصبح خسارة حين يُفسر على أنه قبول أو يُستخدم كمساحة لتكرار نفس السلوك، وهنا يتحول السكوت من قرار إلى سماح غير معلن. سابعًا: التقييم.. حين يفقد حياده! ومن أكثر الممارسات إرباكًا، حين يُستخدم (التقييم الدوري) كمدخل مفتوح لكل تفاصيل العمل، يُطلب الاطلاع الكامل، وتُفحص المستندات، وتُراجع الآليات بدقة، تحت عنوان مهني منضبط، لكن الإشكال لا يبدأ هنا، بل فيما بعده، حين يظهر ما كُشف عنه بحسن نية، في سياقات أخرى، ولدى جهات كنت تعمل معها أصلًا، بصياغة مختلفة، وغياب واضح للمصدر، هنا، يفقد التقييم حياده، ويتحول من أداة ضبط إلى أداة عبور، تتجاوز حدودها المهنية، وتطرح سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام تقييم فعلي أم إعادة تموضع على حساب الآخرين؟ ثامنًا: إدارة الموقف لا التفاعل معه القوة المهنية لا تُقاس بحدة الرد، بل بقدرة الشخص على إدارة المشهد كاملًا، أن تعرف متى توثق، متى تتحدث، متى تتجاوز، ومتى تضع حدًا، هذا هو الفرق بين حضور عابر وحضور يُفرض احترامه. في العمل، ليست كل ضحكة تعني الرضا، ولا كل سكوت يعني الحكمة، بعض المواقف إن تجاوزتها تتكرر وكأنها حق مكتسب، وبعض التصرفات إن لم تُقرأ كما هي تُعاد بصيغة أقوى، لذلك، السؤال لم يعد هل أضحك أم أسكت، بل: هل أُدير الموقف أم أتركه يُدار ضدي؟
1032
| 29 أبريل 2026