رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لست في موضع الدفاع عن الإمام الأكبر الدكتور أحمد محمد الطيب شيخ الجامع الأزهر لكني في معرض الإِشارة إلى جملة من الحقائق سعيا لكشف عورات المشاركين في هذه الحملة الموجهة ضد فضيلته والتي يبدو في ظاهرها الحرص على مصلحة الأزهر بينما باطنها محمل بروائح خبيثة تنبئ عن كراهية لعالم جليل جاء إلى صدارة مشيخة الأزهر مستندا إلى رصيد من العلم والفكر والثقافة فضلا عن النزاهة والاستنارة والرؤية الثاقبة لدور المؤسسة الدينية وامتلاك القدرة من حجة وبراهين وأدلة على مواجهة أصحاب فكر أسهم في إغلاق نوافذ الضوء التي يتعين أن يطل منها الإسلام: الدين والشريعة ونمط الحياة وطبيعة العلاقة مع الآخر على الواقع.
أولى هذه الحقائق أن العالم الجليل لم يأت إلى مشيخة الأزهر ساعيا ومهرولا ومقدما قرابين الطاعة للسلطة أو رجالها، وإنما استند إلى تاريخ طويل في مؤسسة الأزهر سواء عبر معاهدها التعليمية أو جامعتها حتى وصل إلى موقع العميد لعدد من كلياتها مارا بمراحل التصعيد المختلفة ليصل إلى درجة الأستاذ، غير مكتف بحصوله على الأطروحات العادية من ماجستير ودكتوراه وإنما سعى للالتحاق بجامعة السربون الفرنسية والإجادة التامة لكل من اللغتين الإنجليزية والفرنسية، حتى يتمكن من امتلاك أدوات العصر وعبر كل هذه المراحل أثبت قدرة هائلة على التفاعل مع جوهر رسالة الإسلام بحسبانها رسالة تنهض على الاستنارة والوسطية والاعتدال، بعيدا عن الشطط سواء في الطقوس أو في فهم محددات الواقع وقدم بذلك الإسلام المنحاز للبسطاء وليس الإسلام المنحاز لأصحاب الياقات البيضاء أو بالتعبير الحديث النخب.
ثانيا: إن الذين يحاولون أن يطعنوا في الذمة المالية للإمام الجليل يقعون ضحية نفر وربما دوائر إقليمية لها ارتباطات محلية، تقوم على "بيزنس الدين" وهو لو تعلمون من أكثر أنواع الـ "بيزنس" انتشارا ومكاسب وربحية وقد لا يكونون على دراية بطبيعة أهداف هؤلاء النفر والدوائر والذين يتسمون بقدرة فائقة على طرح الأكاذيب في صورة حقائق مستخدمين آليات مستمد ة من الدين -للأسف - فضلا عن تقديم الإغراءات بأشكال مختلفة، ولو أن هؤلاء المشككين في ذمة الإمام الأكبر بذلوا قدرا ولوا ضئيلا للتيقن من معلوماتهم - وتلك واحدة من أهم شروط الكتابة الموضوعية - فضلا عن التوجه إلى مشيخة الأزهر، أو الجهات الرقابية المنوط بها متابعة الأداء المالي للمشيخة وللشيخ لتوصلوا إلى الحقيقة بأنفسهم قبل إطلاق قنابلهم الدخانية التي لن يكون لها أثر يذكر بإذن الله، لأنها تمس جدارا صلبا من الشفافية والزهد- فهو أي الإمام -ليس من هذا الصنف الذي يتطلع إلى ما لدى الآخر حتى لو تجسد ذلك الآخر في الدولة، ولعل حقيقة مرتبه الذي يحصل عليه من وجوده على رأس هذه المؤسسة العريقة -2600 جنيه شهريا – تؤكد هذه الخاصية في الشيخ الجليل وهي خاصية متجذرة في شخصيته، وهو ما يتجلى في إعلانه مؤخرا أنه بصدد رد ما حصل عليه إلى خزينة الأزهر من هذا المرتب الضئيل فضلا عن رفضه الحصول على مخصصاته التي تعادل مخصصات رئيس الوزراء ومكافآت شهرية "شرعية "تصل إلى 70 ألف جنيه، وهي أرقام مغرية جدا لضعاف النفوس وطلاب مباهج الدنيا وهو لا ينتمي إلى هذا النوع من البشر أو العلماء وهم كثر في واقعنا وذلك يعكس ما تربى عليه من محددات أٍساسية في بيت صوفي، يمزج بين الدين والدنيا دون جشع تصدرتها القناعة في ظل أجواء مقبولة من الثراء غير الفاحش الذي وفر إمكانية الإنفاق على ضيوف الساحة من مريدي وزوار والده شيخ الطريقة الخلوتية، شيخنا الراحل محمد أحمد الطيب وهي ساحة ما زالت ممتدة حتى يومنا هذا في مركز القرنة وهو ما جعله يؤثر دوما أن يكون بمنأى عن الشبهات حتى ولو كانت مشروعة - إن جاز لي القول - وثمة حقيقة أعلمها عنه، وهي أن مرتبه في مشيخة الأزهر يقل بقيمة الربع عن مرتبه الذي كان يحصل عليه عندما كان رئيسا لجامعة الأزهر قبل ما يقترب من العام.
ثالثا: في تقديري أن ثمة نفرا من داخل مؤسسة الأزهر يلعبون دورا خفيا في تأجيج الحملة ضد فضيلة الإمام الأكبر، وذلك لأنه بصراحة ووضوح رفض أن تستمر أوضاع مقلوبة وغير عادلة في هذه المؤسسة ذات الطابع الديني، والتي يتعين أن تقوم على قواعد شرع الله ويتسم أداء العاملين بها - خاصة كبار العلماء - بالحد الأدنى من النزاهة ووفقا لمعلوماتي، والتي أقسم أنه ليس هو مصدرها. إنه فوجئ عندما تولى موقعه الجليل بوجود تفاوت شديد الاتساع بين مرتبات ومكافآت نفر من المحيطين بالإمام الراحل فضيلة الدكتور محمد سيد طنطاوي الذين استغل البعض منهم طيبته وسماحته وعدم تدقيقه في الأمور المالية بحكم مقدار الثقة التي منحها لهم فأعاد الحقوق إلى نصابها، وأوقف مسلسل النهب المنظم لأموال الأزهر التي كان يحصل عليها البعض من دون وجه حق، وبالطبع فإن الذين أضيروا من هذه الإجراءات التي سدت عيونا كانت تفيض عليهم في كل الأوقات بالغالي والنفيس، لابد أن يطرقوا كل باب لمحاولة تشويه سمعة الرجل واستغلوا في ذلك كل وسيلة بما فيها الاحتجاجات الفئوية التي أعقبت ثورة الخامس والعشرين من يناير واللقاءات التي يحضرها فضيلة الإمام، وكان آخرها لقاء مع أئمة وزارة الأوقاف بيد أن الأغلبية ثارت وأوقفت هؤلاء الذين أرادوا دفع الشيخ إلى الاستقالة حتى تعود الأوضاع السابقة إلى سيرتها الأولى، ويستعيدوا الهيمنة على كعكة الأزهر التي وجدت لها أخيرا صاحبا يحاول أن يقسمها بالعدل والقسطاس.
رابعا: الفساد في المؤسسة العريقة لم يتوقف عند هذا الحد وإنما طال خلال العقود الماضية مجالات عدة بما في ذلك مجال الإعارة إلى الخارج والتي بات معروفا أنه لم يكن بمقدور أحد الحصول عليها -قبل مجيء فضيلة الدكتور الطيب – إلا بعد أن يدفع المعلوم لبعض القائمين على اللجان المناط بها اختيار المعارين، فقد غير الشيخ الأسلوب والمنهج واللجان التي باتت متعددة ولا تقتصر على نمط اختباري واحد وإنما تأخذ أشكالا متنوعة مما أتاح العام الماضي لكثيرين طالت أشواقهم فرصة السفر للإعارة فحصلوا عليها دون عناء إلا حفظهم للقرآن الكريم وأداء ثلاثة اختبارات، وقد خاض شقيق لي هذه التجربة ولم ينقذه إلا مجيء الشيخ الطيب إلى رأس مشيخة الأزهر، وأقسم بالله العظيم أنه لا يعلم حتى كتابة هذه السطور بحالة شقيقي، والذي ظل لسنوات تزيد على العشر يتقدم لامتحان الإعارة لكنه لم يتمكن أبدا من اختراق القواعد الموضوعة، والمتمثلة في دفع المعلوم لأعضاء اللجنة والذي كان يتجاوز قدراته المالية رغم مهارته المرتفعة في حفظ القرآن الكريم وعندما تغير الحال في زمن الطيب استطاع أن يعبر ثلاثا من الاختبارات بسهولة مع المئات من أمثاله الذين انتظروا طويلا فرصة الإعارة.
خامسا: من أثاروا الغبار حول رحلته العلاجية إلى فرنسا خلال شهر نوفمبر الماضي طرحوا جملة من الأكاذيب، أولها يتعلق بالفترة التي أمضاها في باريس فذكروا أنها ثلاثة أسابيع في حين أنه أمضى أسبوعا واحدا منها وكانت السفارة المصرية هي التي تتولى متابعة تكاليف العلاج والإقامة. وثانيها أنه اصطحب معه نجله المهندس محمود على نفقة صندوق الزكاة والتبرعات بالأزهر وهو ما لم يحدث مطلقا فمحمود بالأساس يعمل بقطاع المقاولات بالأقصر وليس في حاجة إلى أموال زكاة الأزهر، وهو مقتدر ماليا من جهده الخاص والشيخ نفسه لا يقبل مثل هذا السلوك.
سادسا: إن الإمام الجليل يتبنى موقفا شديد الاستنارة من مسألة الفتنة الطائفية داخل مصر، وبالتالي هو ليس من المؤمنين بنظرية تبويس اللحى التي هاجمه البعض بتطبيقها لدى زيارة لم يقم بها مطلقا لقرية صول التي شهدت مؤخرا واحدة من تجليات هذه الفتنة وذلك هو المدهش، ويؤكد أن هؤلاء يمتلكون قدرة فائقة على التجني على شيخ الأزهر الذي لم يرفض زيارة القرية لكنه ينتظر اكتمال بناء الكنيسة التي تعرضت للهدم، ولعل البعض يتذكر حملته الناجحة في أعقاب الاعتداء على كنيسة القديسين بالإسكندرية في الأول يناير الماضي وما قدمه من طروحات ورؤى تصب في منحى يكرس حالة التوافق الوطني مستندا إلى أحكام الشريعة ووقائع التاريخ والتي حظيت بالتقدير من الأغلبية دون أن يؤثر في موقفه بعض من الشطط مارسه شباب الكنيسة، عندما قام بزيارة البابا شنودة برفقة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية ووزير الأوقاف السابق الدكتور محمود زقزوق في أعقاب هذه الواقعة.
ما يود المرء الوصول إليه من هذه الحقائق وغيرها الكثير الذي لا يتسع المقام لسرده هو أن ثمة محاولة لتشويه ليس الدكتور محمد أحمد الطيب وإنما المنهجية التي يطبقها، وهو على رأس المؤسسة الدينية التي يقودها منذ عام تقريبا وأحدث فيها تغييرات نوعية باتجاه استعادة دورها التنويري، القائم على وسطية الإسلام وعقلانية الفكر والخطاب الديني بمنأى عن الاستغراق في مستنقع الماضي بلا حساب أو تفكير ومخاصمة معطيات الحاضر، وتجنب تحديات الزمن الآتي، فضلا عن إعلانه حربا لا هوادة فيها ضد قوى وعناصر تحاول أن توظف الإسلام لخدمة مصالح فئوية ومذهبية ضيقة وهو ما يفقدها الكثير مما تربحه من ذلك.
السطر الأخير: أشواقي إليك غير قابلة للسكوت والغياب.
elazab1@gmail.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8901
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4821
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3549
| 23 سبتمبر 2026