رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
موزاييك..الرجوع إلى المربع الأول.. عودة الصورة النمطية و"الإسلاموفوبيا"! الأبشع من ارتكاب الجريمة الإرهابية هو التباهي بها! هل ينتكس مسار الانتقال الديمقراطي في العالم العربي؟ ما مستقبل أوضاع المرأة العربية بوصول التيارات المتشددة للسلطة؟
لم تدم الغبطة طويلاً بعد دخولنا في زمن التغيرات العربية، وأحداث تعديل على الصورة النمطية السلبية التي صبغت العرب والمسلمين في العديد من وسائل الإعلام الغربية، وتحولها إلى صورة مغايرة مرتبطة بالحرية والديمقراطية، ويطلق عليها "الربيع العربي". لتعود مرة أخرى إلى حالتها الأولى مع انطلاقة الخطابات المتطرفة من التيارات الدينية المتشددة التي وصلت إلى الحكم في الدول العربية، بعد رحيل نظام الاستبداد، إلى استهداف الأبرياء وعودة الجرائم الإرهابية باسم الإسلام في الدول الغربية.
(1)
الأبشع من ارتكاب الجريمة الإرهابية هو الافتخار والتباهي بعملها أو تقديم التبريرات المختلفة لتسويقها وتمريرها، من خلال ربطها بحوادث إنسانية أخرى في أفغانستان وفلسطين أو الصومال أو أي منطقة تعاني من اضطرابات ونزاعات سياسية، وكان أحد الأسلحة الفتاكة لتنظيم القاعدة لتسويق بضاعته، التي استقبلت من بعض الشباب المسلم في الغرب المضطرب الشخصية، والفاقد البوصلة الحضارية، والباحث عن هوية دينية. جريمة فظيعة أرجعت (الإسلاموفوبيا) إلى الساحة الإعلامية الدولية، وجددت المخاوف من العرب والمسلمين، وقد تؤدي إلى استهدافهم شخصياً والاعتداء والتضييق عليهم مادياً ومعنوياً، تمثلت في إقدام الشاب الفرنسي من أصل جزائري على اغتيال سبعة فرنسيين منهم جنديان مسلمان، وثلاثة أطفال وأستاذ في مدرسة يهودية في مدينتي تولوز ومونتوبان بجنوبي غربي فرنسا. والأفظع منها ما أعرب به شقيق القاتل، عن "اعتزازه" بأعمال شقيقه الأصغر ذي السوابق، والذي تحول إلى مجاهد زار أفغانستان وباكستان ويدعي الانتماء إلى تنظيم القاعدة!!.. رئيس الائتلاف المناهض لكراهية الإسلام في فرنسا أشار إلى أنه لا يستبعد أن تعمد عناصر من اليمين الفرنسي إلى ارتكاب أفعال معادية للمسلمين، تستهدف الأشخاص والمعالم كالمساجد والمقابر. معتبراً أن اتهام مسلم بارتكاب هجمات تولوز زاد الطين بلة، لافتاً إلى أن منظمته رصدت 298 فعلاً معادياً للمسلمين في فرنسا خلال عام 2011، مقابل 188 عام 2010. وتمثلت أغلب تلك الأفعال في اعتداءات بدنية ولفظية، إضافة إلى ممارسات تمييزية في حق مسلمين. الخوف مما هو قادم جعل إمام المسجد الكبير في باريس يدعو إلى عدم صبغ مسلمي فرنسا بالإرهاب على خلفية أحداث تولوز، وربط منفذها بتنظيم القاعدة، والإسلام المتطرف. وأضاف: إن ضحايا هجومي تولوز هم مسلمون ومسيحيون ويهود، مؤكداً أن "هذه الجريمة تمس المسلمين كغيرهم، إذ قُتل في منطقة مونتوبان جنديان مسلمان وثالث مسيحي". وقال: إن "الإسلام دين السلم والحوار، ولا يمكن اختصاره وتشخيصه في عناصر بمعزل عن غيرها، مشدداً على أن " 99.9 في المائة من المسلمين في فرنسا، يحترمون القانون ويلتزمون به، وإن قتل الجنود والأطفال ورجل الدين اليهودي عمل متطرف معزول". وتأتي أهمية التصريح لكونه صدر من المسجد الكبير في فرنسا الذي أسسته الحكومة الفرنسية عام 1926 تخليداً لذكرى الجنود المسلمين الذين قتلوا في الحرب العالمية الأولى، ضمن صفوف الجيش الفرنسي، وبهدف تعزيز العلاقة بين الدولة وبين المهاجرين العرب الذين عاشوا في فرنسا.
(2)
هل ينتكس مسار الانتقال الديمقراطي الذي كان ثمرة الثورات الشبابية في العالم العربي؟ الخطاب الديني المغالي والمتشدد في تونس ومصر وليبيا واليمن، وحتى في الخليج وخصوصاً في البحرين هو الأعلى صوتاً والأشد وقعاً والإجراء في الساحة، ويبدو أنه من الصعب الدخول في مواجهة مفتوحة معه، كما أن مداهنته ومسايرته تزيده إصراراً وتطرفاً وعنفاً.. المراقبون للشأن التونسي يرون ان تونس تتجه نحو دكتاتورية دينية، وأن عملية الانتقال الديمقراطي تخطو نحو المجهول في غياب برامج سياسية وتنموية واضحة. الجهاد الأكبر هناك هو الاشتباك ما بين التيارات الدينية وغيرهم من التيارات غير الدينية، وتصنيفهم إلى كفار ومسلمين. وقد أدت الصراعات إلى اشتباك أجهزة الأمن مؤخراً مع مجموعة سلفية جهادية واقتحام السلفيين للجامعة، وتنكيس العلم الوطني التونسي، ورفع الراية السوداء بدله، وكذلك ما شهدته ولاية جندوبة، من عنف سلفي متطرف، وصل إلى حد محاولة قتل شاب في العشرين من عمره، وجريمة قتل الداعية لطفي قلال.. وزير الداخلية التونسي أشار إلى أن تونس يهددها الإرهاب المتطرف، وأن الأحداث الأخيرة أكدت تواجد مجموعة سلفية مسلحة تسعى إلى تكوين إمارة إسلامية، وهي مدعمة من مجموعات خارجية في الجزائر وليبيا لها علاقة بتنظيم القاعدة. كل هذه الأحداث المترابطة والمتصاعدة تزيد من حدة التطرف، وتفسح المجال للدخول في إمكانيات استخدام الاعتداءات والعنف، وقد لا تختلف كثيرا عما يحصل في الدول الغربية من استهداف أشخاص معينين وتصفيتهم، كما فعل الشاب الفرنسي من أصل جزائري في تولوز. الصراع بين الليبراليين والإسلاميين في ليبيا يدور على ثروات وودائعها الهائلة في البنوك الغربية وتقدر (160 مليار دولار). الصراع أيضا يدور بين الحركات والتيارات الدينية نفسها، مثل الإخوان المسلمين، والجماعة الإسلامية للتغيير، والتجمع الإسلامي، وإصرار عدد كبير من الثوار الإسلاميين على الاحتفاظ بسلاحهم، رغم انتهاء الحرب، وإصرارهم على عدم تسليم السلاح إلا بعد انتهاء المرحلة الانتقالية، والشروع في عملية سياسية ديمقراطية. في مصر انتشر شريط مسجل نسب لأحد الدعاة المشهورين المصريين (وهو يعيش متنقلاً في دول الخليج) علق فيه على وفاة البابا شنودة الثالث وبطريرك الكرازة المرقسية بالإسكندرية ووصفه " برأس الكفر والعبد الفاجر والهالك والمجرم الملعون وعدو الإسلام".
(3)
الصورة النمطية التي ارتبطت بأوضاع المرأة في الدول العربية، تعود من جديد أيضا بعد الأمل في بروز مستقبل أفضل للمرأة، وخصوصاً أنها كانت حاضرة ومشاركة وفاعلة في انطلاق الثورات العربية، وكانت تشارك في الصفوف الأولى في المظاهرات والتجمعات والاحتجاجات، وضحت بنفسها في مواجهة عساكر وجنود النظام العسكري في مصر وتونس وليبيا، وما زالت تفعل ضد شبيحة البعث في سوريا، وحصلت حتى على جائزة نوبل للسلام كما فعلت الناشطة اليمنية توكل كارمان.. جاء في تقرير للفدرالية الدولية لحقوق الإنسان، أن "النساء يواجهن مخاطر متنامية من ان تتم مصادرة ثورة كن جزءاً منها". وأضاف التقرير: إن النساء العربيات "يواجهن اليوم محاولات لاستبعادهن من الحياة السياسية من قِبَل بعض أطراف العملية الانتقالية، إضافة إلى تمييز وعنف، من قبل مجموعات متطرفة". في تونس تم تخويف معلمات لأنهن لا يرتدين الحجاب. وفي مصر، انخفض تمثيل المرأة في مجلس الشعب من 12 بالمائة إلى 2 بالمائة، وألغيت الحصة التي كانت مخصصة للمرأة في ظل النظام السابق، وهي 64 مقعداً. كما تعرضت ناشطات لـ "كشوف عذرية" من قبل عسكريين، وهي ممارسة تستهدف "إهانة النساء". وفي تونس تزداد الدعوات المطالبة بعودة نظام الجواري وسوق النخاسة، وتنكِر على غير المنقبات الالتحاق بالصفوف الجامعية، والاختلاط في العمل، بالإضافة الى حظرالحفلات الفنية والموسيقية وعروض الأزياء. حتى المرأة في الكويت ـ التجربة الأكثر انفتاحاً في الخليج ـ خرجت المرأة من حصيلة الانتخابات الأخيرة ولم تحصل على أي مقعد، لكن الأمر الأهم أنها لم تـُمنح حتى حقيبة واحدة في الحكومة الجديدة، وكأنها لا تمثل نصف المجتمع، وليس لها قضايا، ولا يجوز لها المشاركة في صناعة قرار الوطن في الحاضر والمستقبل.
(4)
الأمل بالتغير الإيجابي لا يزال يُمَنّي النفس في العالم العربي وخارجه رغم المشاهد الإرهابية العتمة والنزاعات الدامية والاشتباكات المتصاعدة والتوتر المستمر والمستقبل غير الواضح. كل ما نحتاجه هو أن نغير ما في نفوسنا حتى يتغير حالنا وتتغير نظرة العالم لنا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5811
| 23 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3105
| 24 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
2988
| 29 سبتمبر 2026