رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساء الخميس الماضي 21 / 3 / 2013 نقلت وسائل الإعلام أخباراً وصُوَراً عن مقتل الشيخ "محمد سعيد رمضان البوطي" وآخرين في تفجير استهدف مسجد الإيمان بدمشق؛ وللتنويه فالشيخ البوطي كان من أكبر علماء الشام الأحياء، أما موقفه من النظام السوري والثورة الحالية فقد كان هو والمفتي أحمد بدر الدين حسّون من أكثر مشايخ سوريا حماسة لبشار الأسد ونظامه وإدانة للثورة حتى إنه قال قبل أسابيع من مقتله - " إنّ الأسد وجنوده وضباطه في جهادهم ضد الإرهاب والتآمر لا يقلُّون منزلةً وأجراً عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين تصدَّوا للردة! " ..
بعد مقتل الشيخ تكلم أناس من النخبة والكُتاب فضلا عن دهماء الناس وعامتهم في ذلك وخاضوا واختلفوا في قتله بين مجيز قتله بحد الحرابة باعتباره يؤيد قتلة شعبه ويخرب بفتاواه الإصلاح الثوري، أو مجيز قتله باعتبار الخلاف معه عقديا ودينيا وفقهيا كونه يؤيد نظاما طائفيا نصيريا محكوما عليه لدى جمهرة علماء الإسلام بالكفر والردة، ومنهم من لم يجز قتله معتبرا فتاواه اجتهادا من مؤهل إن أصاب وإن أخطأ .. الناس اختلفوا أيضا في نسبة المسؤولية عن القتل ؛ فمنهم من نسبها للثورة تماشيا مع دعوى النظام ومؤيديه، ومنهم من نسبها للنظام .. حتى اشتبك حق قليل بباطل كثير .. ما يقتضي وضع النقاط على الحروف في هذه المسألة التي قد تتجاوز ذات يوم الشيخ البوطي والثورة السورية بل وكل سوريا، وقد تشوه المفاهيم التي لا يجوز أن تختلط أو أن يُشتط في تأويلها ..
وقد رأيت أن أوضح جملة من الملاحظات هي في نظري حقائق ومحددات تصلح معيارا في هذه القضية وفي سواها مما قد يخبئه القدر .. وأقول:
ثمة حقيقة لا بد من توضيحها وتأكيدها تحوطا منذ البداية ؛ وهي أن هذه القضية التي نتناولها لها شق علمي دقيق مبني على فهم أصول الفقه وليست قضية انطباعية أو مجرد ثقافية، ثم إنها تتعلق بعالم من علماء الإسلام المعاصرين وأهل الرأي فيهم ما يعني أن الحكم عليه قد ينساب على غيره من علماء يحكمون في الخلافات ويقودون الرأي العام، وتتعلق بدم فالكلام فيه على غاية من الخطر والمسؤولية، ثم إن القضية في بعض أطرافها مختلطة وما يعلمه أحد ليس بالضرورة يعلمه كل أحد .. وعليه فلا بد من الموضوعية ومن البعد التخصصي في التناول ؛ كما لا بد من فرز الشبهات على الحقائق، وتشخيص الحالة والتوصيف لإنزال الأحكام منازلها ..
وأقول: إن الخلاف بين البوطي والثورة السورية خلاف على تقدير الموقف ثم جر وراءه خلافا حول الموقف ذاته.. بمعنى أن البوطي نظر للثورة وتقدير المصلحة من زاوية غير الزاوية التي ينظر منها العلماء الذين كان يختلف معهم "حولها .. وما سمعناه منه من موقف ومن تبريرات في تأييد النظام إنما كان يدور في محيط المصالح والمفاسد وليس حول حقائق العقيدة وأصول الأحكام .. أما الثورة فقد كانت في نظره عملا مدسسا بالخيانة واللاوطنية .. وبصرف النظر عن هذا التقدير – والله حسيبه – وبصرف النظر عن كونه مجرد استجابة لدعايات النظام في حربه على الثورة .. فإن الخلاف الذي بنى عليه موقفه السياسي هو خلاف في توصيف الحالة وفي تحقيق المناط - كما يقول الأصوليون – وخلاف في تنزيل النصوص على الوقائع وبالتالي فهو خلاف سياسي وليس مخالفة في أصل عقائدي أو فقهي..
جدير التنويه إلى أن البوطي في فهم السياسة ليس بالضرورة هو ذات البوطي الذي ألّف كتاب " ضوابط المصلحة في الفقه الإسلامي " وألف كتاب " المرأة بين طغيان النظام الغربيّ ولطائف التشريع الربانيّ " ولا هو البوطي الذي كتب في السيرة وفي الحضارة وفي الفكر.. ولكنه البوطي الذي رأى نظاما داعما للمقاومة ومعاندا للمشروع الصهيوني والأمريكي في المنطقة ورأى في مقابل ذلك ثورة تقاتله وتريد إسقاطه ودولا وأحزابا تدعمها كان بعضها إلى وقت قريب في المربع الصهيوني.. فانطلت عليه الحيلة وصدق أبواق النظام ولم ير المشهد العام بفروقه وتفاصيله ..
مشكلة البوطي وبوطينيين غيره أنهم لا يحدّثون معلوماتهم ولا يراجعون قناعاتهم، وأنهم يأخذون من رصيد النظام الفاجر في ملف المقاومة إلى ملف الاستبداد فيغسلون الثاني بالأول .. مشكلته أن قناعاته ظلت واقفة عند مشهد تحالفه مع مصر في 1973، ومشهد دعمه لحماس وحزب الله بالأخص في حربي 2006، 2008 ولم يتنبه إلى أن من الدول التي كانت تدعمه وكانت وإياه في خندق المقاومة انصرفت عنه بعد أن صار يقتل شعبه ويهلك الحرث والنسل، ولم يلحظ ابتعاد حماس عنه، كما لم يتنبه إلى أنه استعاض عن كل هؤلاء بالنظام الطائفي البغيض المركب أمريكيا في العراق، السؤال: هل البوطي وحده من وقع في هذا المستنقع؛ أم أن قيادات فكرية ومقاومية ومتخصصة لا يشك في إخلاصها وقعت مثله أو ترى ضرورة الصبر عليه كما الصبر على نظم أخرى قد تكون أكثر استبدادية فوق أنها متهرئة وطنيا وقيميا وأخلاقيا ودينيا.. وإذن فالبوطي عالم متأول والخلاف معه فقط في زاوية النظر .
ذلك يعني ألا نسمح بأن يُنصِّب عامي من الناس وممن لا يحسنون النظر الشرعي مهما كانت ثقافاتهم الأخرى – أنفسهم قضاة بين العلماء يحكمون على آرائهم واجتهاداتهم ويفرحون بمقتلهم .. فمن يتكلم اليوم في البوطي لا يبعد أن يتكلم غدا فيمن هم أطهر وأشرف وأحسن منه وعندها لن يستطيع أحد تعليمهم أو الاعتراض عليهم أو ردهم.. فالعامة لا يجوز أن يصلوا حدود الحلال والحرام ومواطن المشتبهات (وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله) ...
أما عن المسؤولية عن قتله ومن تنسب له هذه الجريمة فالله تعالى وحده يعلم من الذي سيتحمل دمه وخصومته يوم القيامة ؛ ولكن الخبراء في هذا المجال عادة ما يطرحون أسئلة تقرب الاشتباه والاتهام ؛ فيسألون عن المستفيد من الجريمة؟ ويسألون عن دلالات التوقيت والمكان والطريقة، وإن كانت الجريمة لها علاقة بالرأي العام فيسألون عن أثرها على هذا الرأي العام حسب تصور الجاني..
وبنظر ذلك يمكن القطع الثورة السورية ليست المستفيد من قتله بقدر ما إنها لم تكن متضررة من حياته.. فالرجل لم يتسبب في انهيارات فكرية وثقافية في صف الثورة لتقرر قتله درءا للفتنة ولم يقدم غراما واحدا من الشرعية للنظام؛ ليس منذ الثورة الحالية بل قبل ذلك منذ مجزرة الإخوان على يد الهالك حافظ وأخيه رفعت أسد مطالع ثمانينيات القرن الماضي.. البوطي أيد الهالك إذ ذاك ومن يومها لم يعد له تأثير إلا على شريحة الكسالى والمترخصين والمغفلين من الناس الذين يبحثون عن الذرائع للتخلف والمبررات للركون إلى الخوف.. وعليه فلا يتوفر لدى الثورة السورية الداعي لقتله!! حتى القاعدة ومع بسر فهمها وعسر منطقها فهي لم تعلن مسؤوليتها عن قتله وقد اعتادت أن تفاخر بعملياتها لا أن تنكرها!!
في المقابل فإن نظام بشار أسد هو المستفيد من هذه الجريمة بل هو المستفيد الوحيد .. إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنه بات يلعب بآخر أوراقه (الكيماوي والإرهاب والأكراد..) قتل البوطي يأتي في سياق اتهام الثورة بالتطرف والإرهاب وأنها لا منطق ثقافيا لديها؛ ذلك في نظر النظام ومن يسمعون خطابه يشوه صورتها ويخيف الناس مما ستأتي به من ثارات ودماء وأنها لا ترعى مسجدا ولا عِلما ولا عالما ولا حرية رأي ولا اجتهادا ممكنا.. ثم إن الشيخ البوطي " كردي العرق " ولبعض الأكراد اعتراض بل اشتباك مع الثورة ومصلحة النظام في إثارتهم وتمكينهم من حجة لدى بني جلدتهم بادية جوهرية ..
من دخل مدخلا خاطئا يخرج منه
نلتقي أحيانا ببقية ممن لا يزالون يعيشون الخيال الذي رسمه لهم السيسي ، ويؤيدونه على غير وعي بما... اقرأ المزيد
667
| 12 يناير 2017
صديقي أقال أحسن موظفيه !
صديقي أقال أحد الموظفين لديه من العمل .. فجاءني الموظف يستشفع بي لدى صديقي كي يعيده للعمل فالموظف... اقرأ المزيد
970
| 05 يناير 2017
سحب الانقلاب المصري مشروع القرار .. خزي يستحقه !
بعد أن سحبت مصر – الانقلاب - مشروع قرار قدمته إلى مجلس الأمن الدولي لإدانة الاستيطان الصهيوني في... اقرأ المزيد
609
| 29 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3423
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3156
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1218
| 01 أكتوبر 2026