رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أ. عائشة محمد الرميحي

ماجستير القانون الدستوري، جامعة لورين، فرنسا
 

 

مساحة إعلانية

مقالات

486

أ. عائشة محمد الرميحي

حراك المدن الحية: الاستشراق الجديد (1 - 2)

28 أبريل 2025 , 07:00ص

المدن الحية ليست هي المدن التي تسهر حتى الفجر، أو تلك التي تضج بالحركة والزحام والصخب والضوضاء، وإنما هي المدن التي تنبض بالحوار والروح، وبالتفاكر في شؤون الفكر والثقافة والفن وخدمة التنوير. كما أنها مدن تسهم وبقوة في قضايا التعايش والسلام وبناء الشراكات في سبيل الإنسانية، إلى جانب القدرة على تلبية حاجة الإنسان واحتضانه، فضلاً عن كونها مدنا تشبه الإنسان في النمو والتطور، وفي سعيه نحو الخير والجمال وتعمير الحياة. والمدينة الحية، ليست عمرانا وبنية تحتية، وإنما هي كائن حيّ، يتنفس، ويحس، ويتكلم إلينا بطرق عديدة. لهذا فإن المدنية الحية تجذب الناس، بالجوهر لا بالمظهر، وتتطور دون أن تهجر ذاكرتها، وتنطلق نحو المستقبل دون أن تنسى ماضيها. كما أنها تحتفي بالحوار وتبادل الآراء والأفكار بين العلماء والمفكرين على تنوع بلدانهم، واختلاف مرجعياتهم الفكرية والثقافية، وفوق ذلك تكون ملهمتهم. أقول وبكل فخر إن مدينتنا الرائعة الحبيبة الدوحة، مدينة حية نابضة وبحق. يكشف عن ذلك سجلها وأرشيفها، فيخبرنا عن حجم الحراك الثقافي والفكري، وعن المستوى العالي من حوار العلماء والمفكرين في شؤون الإنسانية والمستقبل.

استهلت الدوحة هذا الأسبوع، بانطلاق «المؤتمر الدولي للاستشراق»، في نسخته الأولى، تحت شعار «نحو تواصل حضاري متوازن»، وذلك على مدار يومين: السبت 26- الأحد 27 أبريل 2025، بفندق الوادي- مشيرب (قلب الدوحة). ويجيء المؤتمر برئاسة سعادة لولوة بنت راشد الخاطر، وزير التربية والتعليم والتعليم العالي، ويهدف، كما جاء في أدبياته، إلى تمكين الباحثين من تبادل الخبرات مع كبار العلماء في مجالات الاستشراق والدراسات العربية والإسلامية، وتعزيز سبل التعاون المستقبلي بينهم، بالإضافة إلى إعادة قراءة مفهوم الاستشراق وتحليله من منظور معاصر، مع التركيز على تعزيز الحوار بين الحضارات، وتفكيك الصور النمطية السائدة، وخلق توازن بين المقاربات الفكرية المختلفة، من خلال لقاءات علمية مفتوحة، تسهم في نقل الاستشراق من دائرة التوترات الأيديولوجية إلى فضاء البحث العلمي الرصين، بما يعزز التواصل بين المجتمعات الإنسانية. كم كانت سعادتي غامرة بحضوري لهذا الحدث الثقافي والفكري المميز، والذي يُعد منصة فكرية وأكاديمية لدراسة الاستشراق الجديد وتجلياته المختلفة، حيث جمع نخبة من الباحثين والمفكرين من مختلف أنحاء العالم، نحو 300 باحث وباحثة من 50 دولة. اجتمعوا لبحث واقع الدراسات الاستشراقية وتطورها، واستعراض مواقفها التاريخية والمعاصرة من قضايا العصر، فضلاً عن تفاعل الشرق والغرب عبر التاريخ. كانت فرصة نادرة وثرة وثرية للحوار والانفتاح على رؤى متعددة تعيد قراءة الاستشراق من منظور نقدي حديث، وتُعزز من قيم التفاهم والتواصل الحضاري. ولم يكن حضوري، مجرد حضور متلقٍ، وإنما كان تجربة علمية وفكرية وروحية فتحت أمامي آفاقاً جديدة لفهم العالم وتأمله من زوايا غير مألوفة. ومثلت كل لحظة قضيتها في قاعات المؤتمر إضافة معرفية وتوسيع للمدارك، كما أنها أيقظت في داخلي حماسة متجددة للقراءة والاطلاع والبحث. كانت المحاور حية، والأجواء كانت مفعمة بالحيوية، والنقاشات ثرية وعميقة، امتزج فيها الماضي بالحاضر مع الاستشراف للمستقبل، والتقى فيها الفكر الغربي بالروح الشرقية مع المعانقة للنظر الجديد في حوار راق وواع وعميق وجديد. وكم أدهشتني سعادة الوزيرة لولوة بنت راشد الخاطر، بحيويتها وجهودها وحرصها على المتابعة الدقيقة واللصيقة لسير أعمال المؤتمر. فلقد كانت تتابع جلسات المؤتمر في مختلف القاعات، بحركة دؤوبة وباحتفاء كبير بالحضور والحوار، وتكاد تكون حاضرة في كل قاعات المؤتمر.

عبَّر المؤتمر عن شراكة محلية ودولية واسعة، وهذا هو المطلوب في عالم اليوم، حيث نظمت المؤتمر وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، دولة قطر، ومركز مناظرات قطر، عضو مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، بالشراكة مع اللجنة الدائمة لتنظيم المؤتمرات بوزارة الخارجية، بدولة قطر، وبالتعاون مع جامعة قطر، وجامعة حمد بن خليفة، ومعهد الدوحة للدراسات العليا، بدولة قطر، إلى جانب عدد من المؤسسات الدولية، ومنها جامعة لايدن الهولندية، ومعهد الدراسات المتقدمة في سراييفو، وجامعة داغستان الحكومية.

ويصب المؤتمر من خلال البحث العلمي في مفهوم الاستشراق الجديد، حيث جاءت فكرة تأسيس مؤتمر سنوي ينظر في مستجدات الاستشراق، سواء على المستوى المنهجي أو المعرفي أو الموضوعي، ويسعى للتقريب والموازنة بين مختلف المقاربات والاتجاهات من خلال اللقاءات العلمية المباشرة والمفتوحة. والاستشراق الجديد يتجاوز فكرة أن يكون الشرق موضوعاً والغرب باحثاً، حيث ظل الاستشراق دوماً يتمركز حول دراسة الغرب للشرق، إلى وعي الشرق تجاه ذاته، وتجاه الاستشراق وانعكاسه على فهم الشرق للغرب، في سبيل تكامل معادلة التفاهم والتواصل الحضاري المتوازن. وهنيئاً لمدينة الدوحة، أن شهدت هذا المؤتمر في نسخته الأولى، لتكون ميداناً لفهم جديد يحتاجه العالم. ففي جلسة كان عنوانها: «الاستشراق الجديد بين الإسلاموفوبيا ونقد التمثيل»، تحدث أحد الحضور من الصين بلسان عربي مبين، قائلاً: «دائما ما يقال إن الشرق والغرب لا يلتقيان، ولكن اليوم استطاعت الدوحة أن تجمع بينهما». نقف هنا ونلتقي في الحلقة القادمة.

مساحة إعلانية