رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

زيارة الدولة الأولى لرئيس الولايات المتحدة إلى قطر

في مستهل جلسة المباحثات الرسمية التي عقدها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، حفظه الله، مع فخامة الرئيس دونالد ترامب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الصديقة، في الديوان الأميري، يوم الأربعاء الموافق 14 مايو 2025، وبعد الترحيب بالضيف والوفد المرافق له، وصف سموه الزيارة، بـ «الزيارة التاريخية لكونها زيارة الدولة الأولى لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية إلى قطر». ومعلوم في مجال الدبلوماسية أن زيارة الدولة هي أعلى أنواع الزِّيارات الرسميَّة الَّتي تتمُّ بَيْنَ قادة الدوَل، ولها مراسمها الخاصَّة وبرامجها المميَّزة، إذ تعد من أبرز أشكال العلاقات الدولية بين الدول، ومن أهم صنوف الاتصالات الدولية في مجال البروتوكول الدبلوماسي. وزيارة الدولة تختلف عن زيارة العمل، وعن الزيارة الخاصة، فالرئيس الضيف في زيارة الدولة يكون ضيفاً شخصياً على رئيس الدولة المضيفة، ويسكن في أحد مقرات إقامته الرسمية حتى نهاية الزيارة. وكقاعدة عامة لا تقام زيارة الدولة لأي رئيس من نفس الدولة، إلا مرة واحدة أثناء مدة حكمه. وهي تُعبر عن معنى سياسي كبير، وتسودها أجواء احتفالية وشرفية كبيرة في الاستقبال والوداع. ويكون هناك استقبال رسمي في المطار ويتضمن عادةً استعراضًا عسكريًا، مع التقيد التام بجميع إجراءات البروتوكول بعد التوافق عليها بين الطرفين قبل الزيارة. وتهدف زيارة الدولة بصورة عامة إلى تعزيز العلاقات الثنائية، سواء كانت سياسية، اقتصادية، تجارية، أو ثقافية. ودعم التعاون العسكري أو الاقتصادي: مثل توقيع اتفاقيات تخص التجارة أو الصفقات العسكرية، وتقوية التحالفات أو تهدئة التوترات بين الدول، فضلاً عن بحث القضايا الإقليمية والدولية. وتكمن أهمية الزيارة في تدعيم الشراكات الإستراتيجية، وفتح آفاق جديدة في التعاون التجاري: من خلال توقيع اتفاقيات تجارية أو استثمارية ضخمة، إلى جانب تقوية التعاون الثقافي والإنساني: عن طريق التبادل الثقافي، الذي يعزز الفهم المشترك بين الشعوب. * جاءت زيارة فخامة الرئيس ترامب إلى دولة قطر في إطار جولته الخليجية التي شملت السعودية والإمارات. وتُعد هذه الزيارة الأولى من نوعها في ولايته الثانية التي بدأت في يناير الماضي، وتأتي في وقت حساس على الصعيدين الإقليمي والدولي. عكست الزيارة التزام الولايات المتحدة بتعميق شراكتها مع دول الخليج، وتُعد مؤشرًا على تحولات محتملة في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة. كما تُعتبر الزيارة خطوة مهمة في إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية. لقد حملت زيارة فخامة الرئيس ترامب إلى دولة قطر عدة دلالات إستراتيجية مهمة تُؤثر في مستقبل العلاقات القطرية– الأمريكية، وفي شكل النظام الإقليمي والدولي. لقد عززت الزيارة التحالف الإستراتيجي بين الولايات المتحدة ودولة قطر، من خلال التعاطي مع دولة قطر كشريك اقتصادي وتجاري مهم للولايات المتحدة. الأمر الذي يدل على أن واشنطن ترى في قطر شريكًا طويل الأمد، وليس مجرد حليف مؤقت في أزمات معينة. عبرت الزيارة عن إمكانية تحول واشنطن من سياسة «التحالف الحصري» إلى سياسة «التحالفات المتعددة». كما أن دعوة ترامب خلال زيارته لدولة قطر إلى تحسين العلاقات مع إيران، توحي بأن واشنطن قد تتجه نحو إعادة فتح قنوات تفاوض مع طهران. * وربطاً بقول فخامة الرئيس ترامب «إيران محظوظة جدا لوجود الأمير (الشيخ تميم بن حمد) لأنه في الحقيقة يقاتل من أجلهم، لا يريدنا أن نقوم بضربة وحشية ضد إيران، ويقول إنه يمكن التوصل لعقد صفقة». وأضاف ترامب، قائلاً: أعتقد أن على إيران تقديم شكر كبير للأمير لأنه يقاتل كثيرا. هنا يبرز دور دولة قطر وحرصها على بناء السلام الإقليمي والعالمي، وعملها المستمر عبر دبلوماسية الوساطة. وبهذا يمكن أن تصبح دولة قطر محورًا دبلوماسيًا جديدًا في قضايا إقليمية معقدة مثل الملف النووي الإيراني، خاصة مع طلب الرئيس ترامب لتدخل دولة قطر. ولا ينفصل هذا عما أعرب عنه فخامة الرئيس ترامب في كلمته في المباحثات الرسمية، حيث أكد فخامته على عمق العلاقات الودية الطويلة التي تجمعه مع سمو الأمير المفدى منذ أول لقاء جمعهما، متطلعاً إلى العمل مع سموه وبأعلى القدرات لإحلال السلام في المنطقة وعبر العالم. وكان سموه قد شدد في كلمته على أهمية إحلال السلام في المنطقة، مشيداً بمعرفته الطويلة بفخامة الرئيس، وبما يبذله فخامته من جهود لإحلال السلام في المنطقة، واصفاً إياه «برجل السلام»، ومعرباً عن أمله في أن تتحقق هذه التطلعات المشتركة. * في تقديري أن زيارة فخامة الرئيس ترامب إلى دولة قطر عبرت عن تحوّل في السياسة الأمريكية نحو علاقات أكثر تنوعًا وتوازنًا في المنطقة. وحملت مؤشرات قوية على إعادة تموضع إستراتيجي، وعبرت عن أن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط باتت أكثر واقعية وبراغماتية، وهي تسعى للتوازن لا للتحالفات المطلقة. كما أكدت على أن الدوحة أصبحت فاعلاً إقليميًا ودوليًا لا يمكن تجاهله، خاصة في ظل التوترات الدولية وتغير ملامح التحالفات العالمية.

606

| 19 مايو 2025

الأسرة نواة البناء الجماعي للمستقبل

«... نؤمن أن نهوض الأسرة بدورها في تربية الأطفال وتعليمهم ورعايتهم ودعمهم مادياً على أكمل وجه يسهم في تحقيق التنمية على المستويين الوطني والدولي». صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر رئيس مجلس إدارة مؤسسة قطر سبق وأن كتبت مقالاً بعنوان: «الأسرة لبنة المجتمع ومهد الهوية الإنسانية»، بمناسبة الاحتفال بيوم الأسرة في دولة قطر الذي يوافق الخامس عشر من شهر أبريل من كل عام. وذكرت في ختام المقال بأن لي عودة لموضوع الأسرة في مقالات قادمة. واليوم عدت. يشهد عالمنا مع مرور كل يوم، تعقيداً وتطوراً سريعاً ومدهشاً، في مختلف المجالات، غير أن هذا التطور المتسارع، يكشف في الوقت نفسه، عن مدى أهمية الأسرة وقيمتها، باعتبارها مؤسسةً جوهريةً في بناء الأجيال، وهي المصدر للقوة والأمن والطمأنينة والإلهـام لأعضـائها. ففي أحضان الأسرة، وهي المجتمع الأول، وهي المدرسة الأولى، يتعلّم فيها الطفل أولى دروس الحياة: النظام، والنظافة، والتعاطف، والتسامح، والمحبة، والاحترام، والأدب، والعطف، والمسؤولية، والانتماء، وتوقير السلطة. ويتلقى فيها الإنسان كذلك القيم الدينية، والأخلاقية، والاجتماعية، ويستقي منها المعتقدات والمسلمات الثقافية والفكرية. ومن خلال جميع أولئك، تتكوّن ملامح شخصية الإنسان واتجاهاتها، وقدرته على التعاطي والتفاعل مع الآخرين، ومن ثم الإسهام في نهضة المجتمع وتطوره. والحق أن دور الأسرة لا يقف في حدود التنشئة والتربية، وإنما هي منبع الدعم النفسي والعاطفي والاجتماعي، الذي ينهل منه الإنسان ليمتلك القدرة على مواجهة تحديات الحياة وصعوباتها. ولهذا، فعندما تكون الأسرة صحيحة ومتماسكة، وذات مناخ واع ومستنير، فإنها تهيئ بيئة آمنة وصحية تسمح لأفرادها بالنمو السليم، والقدرة على الابتكار، والمشاركة الفاعلة في بناء الوطن، بل وفي البناء الجماعي لمستقبل الإنسانية جمعاء. ولهذا فإن للأسرة دورا مركزيا في تحقيق التنمية البشرية والتماسك الاجتماعي، ليس على مستوى الوطن فحسب، وإنما على مستوى الإنسانية. ولهذا فإن نهوض الأسرة بدورها، كما جاء في قول صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، أعلاه، في تربية الأطفال وتعليمهم ورعايتهم ودعمهم مادياً على أكمل وجه يسهم في تحقيق التنمية على المستويين الوطني والدولي. وقد نص دستور دولة قطر الدائم، في مادته (21) على أن «الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق وحب الوطن، وينظم القانون الوسائل الكفيلة بحمايتها، وتدعيم كيانها، وتقوية أواصرها، والحفاظ على الأمومة والطفولة والشيخوخة في ظلها». وتُعدّ الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، كونها الإطار الذي يتكوّن فيه الإنسان، ويتبلور فيه وجدانه، وتصاغ فيه تصوراته تجاه الحياة ومختلف الأشياء، وتُغرس فيه القيم والمبادئ التي تشكل شخصيته وقناعاته وسلوكه. وعندما نقول إن «الأسرة نواة البناء الجماعي للمستقبل»، فإننا نؤكد على دورها المحوري في بناء الأجيال وتشكيلهم، وصناعة مستقبل المجتمعات من خلال التربية والرعاية والاحتواء والبناء العاطفي. كما أنها تُقدّم الدعم العاطفي الذي يُشكّل هوية الفرد ونظرته تجاه العالم. وقد نص الإعـلان العـالمي لحقـوق الإنسـان في مادته رقم (16)، على دور الأسرة الأساسي والحيوي في المجتمع، وأحقية تمتعها بالحماية من المجتمع والدولة، قائلاً: «الأسرةُ هي الخليةُ الطبيعيةُ والأساسيةُ في المجتمع، ولها حقُّ التمتُّع بحماية المجتمع والدولة». لا جدال في أن البناء الجماعي للمستقبل مسؤوليتنا جميعا. ويبدأ الإعداد لذلك من المجتمع الأول، الأسرة، وهي المدرسة الأولى. فالأسرة هي ثروة عامة، وبوتقة ميدان صناعة المستقبل. وبصفتها نواة البناء الجماعي، فهي تُشكل توجه ومصير مجتمعات وأمم بأكملها. وبتنشئة أسرنا والاستثمار فيها، فإننا، في نبني عالمًا أفضل، مع كل جيل جديد. كما أنه ولضمان استمرار الأسرة كعنصر فاعل في البناء الجماعي للمستقبل، يجب على المجتمعات والدولة منحها الأولوية في الإعداد والبناء والحماية. كما أنه ينبغي علينا جميعاً، في مختلف المواقع والتخصصات، أن نجعل هدفنا الرئيسي هـو تكامـل اهتمامـات الأسـرة مـع الجهود المبذولة من قبل الدولة في سبيل التنمية الوطنية، وفي سبيل البناء الجماعي للمستقبل كذلك، كون تعمير كوكبنا وحمايته، مسؤوليتنا جميعاً.

558

| 13 مايو 2025

حراك المدن الحية: الاستشراق الجديد (2 - 2)

تناولت في الحلقة الماضية سمات المدن الحية، وقلت هي المدن التي تنبض بالروح، وتضج بالحوار في شؤون الفكر والثقافة. وخلصت إلى أن مدينتنا الحبيبة الدوحة، وبكل فخر مدينة حية ونابضة بحق. يكشف عن ذلك سجلها في حراك القضايا الكوكبية، وكونها ميداناً لحوار العلماء والمفكرين في شؤون الإنسانية، واستشراف المستقبل. وتحكي آخر صفحات ذلك السجل عن «المؤتمر الدولي للاستشراق»، الذي عُقد الأسبوع الماضي (26- 27 أبريل 2025)، تحت شعار «نحو تواصل حضاري متوازن»، برئاسة سعادة لولوة بنت راشد الخاطر، وزير التربية والتعليم والتعليم العالي، وهو ينظر في مستجدات الاستشراق لبلورة مفهوم الاستشراق الجديد، متجاوزاً لفكرة أن يكون الشرق موضوعاً والغرب باحثاً، ومستذكراً لضرورة وعي الشرق تجاه ذاته، في سبيل تكامل معادلة التفاهم والتواصل الحضاري المتوازن. لقد شعرت بالفخر بحضوري لفعاليات المؤتمر، كوني أصبحت جزءاً من هذا الحدث الثقافي الفكري المهم، الذي أتاح لي أن أستمع إلى مفكرين كبار وباحثين متمكنين، يطرحون رؤى جديدة تعيد تشكيل السائد تجاه الاستشراق. حملت الأوراق والأفكار التي طُرحت دعوة للتمعن وإعادة النظر في قراءة التاريخ والراهن، فضلاً عن الاستشراف للمستقبل. مثلت كل لحظة قضيتها في قاعات المؤتمر، إضافة معرفية وتوسيع للمدارك، وإيقاظ للدواخل مع تجديد الحماسة للقراءة والبحث. استمعنا لسعادة الوزيرة رئيسة المؤتمر في كلمتها، فكانت رائعة كما هي دوماً، ومشرفة لقطر وللعرب والشرق، كونها نموذجا إرشاديا إنسانيا. لقد أكدت سعادتها في كلمتها على أن المؤتمر يوفر مساحة آمنة للنقاشات الفكرية العميقة والجادة بعيداً عن الحساسيات. كما عبَّرت عن ضرورة الانفتاح، والنظر للإسهامات التراكمية من أمم وثقافات عديدة، والانعتاق من السجال العدمي بين الشرق والغرب، وتفكيك ثنائية الشرق والغرب، وتناول التجربة البشرية بأبعادها الحضارية المتعدد، حيث تحدثت قائلة: إن الشرق والاستشراق يجب ألا يُختزَل في الإسلام والعرب ومنطقة الشرق الأوسط. وهو الأمر الذي تفاقم بسبب هيمنة كتابات إدوارد سعيد على أدب الاستشراق، ومن هذا المنطلق حرصنا على وجود مشاركات معتبرة من آسيا وأوراسيا وروسيا وغيرها من المناطق. ويجيء هذا المؤتمر كواحد من سلسلة المؤتمرات الدولية والإقليمية والمحلية، التي شهدتها الدوحة، في إطار دبلوماسية المؤتمرات. لقد أرست الدوحة من خلال تبنيها لدبلوماسية المؤتمرات ثقافة الحوار الكوكبي، فأتاحت الفرصة للقاء بين العقول، والتعارف بين الثقافات، والحوار بين الحضارات. وتُعد دبلوماسية المؤتمرات وسيلة لإجراء المفاوضات الدبلوماسية والحوارات لمعالجة القضايا الإقليمية والعالمية على كافة الأصعدة السياسية، والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية والبيئية والعسكرية، وكذلك قضايا السلام والأمن.. إلخ. ويتم استخدام المؤتمرات حيث يجتمع المؤتمرون وهم من المتخصصين والمهتمين والمسؤولين من دول مختلفة لمناقشة قضايا متنوعة والتفاوض بشأنها. وتتخذ دبلوماسية المؤتمرات أشكالاً متنوعة، حيث القمم الدولية، مثل الجمعية العامة للأمم المتحدة أو مجموعة العشرين، وكذلك المؤتمرات المتخصصة حول مواضيع محددة، مثل شؤون الفكر والثقافة أو قضايا البيئة أو تغير المناخ، وغيرها. وتتيح هذه المؤتمرات الفرصة للقاء والتشاور والتداول من أجل الشراكة في وجهات النظر وتبادل الأفكار والخبرات والمعارف والتحاور في سبيل الوصول إلى توافق في الآراء ومن ثم الاتفاق على وضع الحلول للتحديات المعقدة، أو القضايا المطروحة للتداول. وفي ظل التطور الذي يشهده عالم اليوم، ومع الحاجة الماسة المتجددة والمتوسعة للحوار، أصبح تنظيم المؤتمرات علماً وفناً يقوم على أسس علمية، إلى جانب أنه يتطلب الاستعداد والاستيفاء لضوابط تنظيمية، فضلاً عن بناء القدرات/ التدريب والتأهيل للعاملين في مجال تنظيم المؤتمرات. الأمر يتطلب مأسسة تنظيم المؤتمرات، إذ لابد من جهاز متكامل للإشراف على عقد المؤتمر. ولمَّا كانت دولة قطر قد اعتمدت مبدأ الإيمان بالحوار لمعالجة العديد من القضايا، وكذلك دبلوماسية الوساطة في حل المنازعات، قامت بإنشاء اللجنة الدائمة لتنظيم المؤتمرات بناء على قرار معالي رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية رقم (22) لعام 2004م بتشكيل اللجنة الدائمة. واستقطبت دولة قطر عشرات المؤتمرات والاجتماعات والقمم واللقاءات العربية والإقليمية والدولية، منها ما يتعلق بالسياسة وبقضايا التحول الديمقراطي، والتعاون الاقتصادي والتجاري والعلمي، وقضايا الفكر والثقافية، وقضايا البيئة، ومنها ما يتصل بالحوار بين الأديان والحضارات دعماً لخطى السلام العالمي. وقد شهدت الدوحة تنظيم عدد كبير من المؤتمرات، ولا تزال المؤتمرات مستمرة ومتوسعة. لقد أسهمت دولة قطر عبر هذه المؤتمرات في حل الكثير من النزاعات، وحقنت الدماء، فأسهمت في بناء السلام العالمي، وأسهمت كذلك في خروج توصيات كثيرة، اشتملت على مفاهيم وتعاريف جديدة في مجالات مختلفة، آخرها مفهوم الاستشراق الجديد. وبهذا يمكن القول إن مدينة الدوحة، مدنية جاذبة، وهي مدينة حية ونابضة. حفظ الله قطر، وقادة قطر، وأهل قطر، وضيوف قطر من المقيمين والزوار.

585

| 05 مايو 2025

حراك المدن الحية: الاستشراق الجديد (1 - 2)

المدن الحية ليست هي المدن التي تسهر حتى الفجر، أو تلك التي تضج بالحركة والزحام والصخب والضوضاء، وإنما هي المدن التي تنبض بالحوار والروح، وبالتفاكر في شؤون الفكر والثقافة والفن وخدمة التنوير. كما أنها مدن تسهم وبقوة في قضايا التعايش والسلام وبناء الشراكات في سبيل الإنسانية، إلى جانب القدرة على تلبية حاجة الإنسان واحتضانه، فضلاً عن كونها مدنا تشبه الإنسان في النمو والتطور، وفي سعيه نحو الخير والجمال وتعمير الحياة. والمدينة الحية، ليست عمرانا وبنية تحتية، وإنما هي كائن حيّ، يتنفس، ويحس، ويتكلم إلينا بطرق عديدة. لهذا فإن المدنية الحية تجذب الناس، بالجوهر لا بالمظهر، وتتطور دون أن تهجر ذاكرتها، وتنطلق نحو المستقبل دون أن تنسى ماضيها. كما أنها تحتفي بالحوار وتبادل الآراء والأفكار بين العلماء والمفكرين على تنوع بلدانهم، واختلاف مرجعياتهم الفكرية والثقافية، وفوق ذلك تكون ملهمتهم. أقول وبكل فخر إن مدينتنا الرائعة الحبيبة الدوحة، مدينة حية نابضة وبحق. يكشف عن ذلك سجلها وأرشيفها، فيخبرنا عن حجم الحراك الثقافي والفكري، وعن المستوى العالي من حوار العلماء والمفكرين في شؤون الإنسانية والمستقبل. استهلت الدوحة هذا الأسبوع، بانطلاق «المؤتمر الدولي للاستشراق»، في نسخته الأولى، تحت شعار «نحو تواصل حضاري متوازن»، وذلك على مدار يومين: السبت 26- الأحد 27 أبريل 2025، بفندق الوادي- مشيرب (قلب الدوحة). ويجيء المؤتمر برئاسة سعادة لولوة بنت راشد الخاطر، وزير التربية والتعليم والتعليم العالي، ويهدف، كما جاء في أدبياته، إلى تمكين الباحثين من تبادل الخبرات مع كبار العلماء في مجالات الاستشراق والدراسات العربية والإسلامية، وتعزيز سبل التعاون المستقبلي بينهم، بالإضافة إلى إعادة قراءة مفهوم الاستشراق وتحليله من منظور معاصر، مع التركيز على تعزيز الحوار بين الحضارات، وتفكيك الصور النمطية السائدة، وخلق توازن بين المقاربات الفكرية المختلفة، من خلال لقاءات علمية مفتوحة، تسهم في نقل الاستشراق من دائرة التوترات الأيديولوجية إلى فضاء البحث العلمي الرصين، بما يعزز التواصل بين المجتمعات الإنسانية. كم كانت سعادتي غامرة بحضوري لهذا الحدث الثقافي والفكري المميز، والذي يُعد منصة فكرية وأكاديمية لدراسة الاستشراق الجديد وتجلياته المختلفة، حيث جمع نخبة من الباحثين والمفكرين من مختلف أنحاء العالم، نحو 300 باحث وباحثة من 50 دولة. اجتمعوا لبحث واقع الدراسات الاستشراقية وتطورها، واستعراض مواقفها التاريخية والمعاصرة من قضايا العصر، فضلاً عن تفاعل الشرق والغرب عبر التاريخ. كانت فرصة نادرة وثرة وثرية للحوار والانفتاح على رؤى متعددة تعيد قراءة الاستشراق من منظور نقدي حديث، وتُعزز من قيم التفاهم والتواصل الحضاري. ولم يكن حضوري، مجرد حضور متلقٍ، وإنما كان تجربة علمية وفكرية وروحية فتحت أمامي آفاقاً جديدة لفهم العالم وتأمله من زوايا غير مألوفة. ومثلت كل لحظة قضيتها في قاعات المؤتمر إضافة معرفية وتوسيع للمدارك، كما أنها أيقظت في داخلي حماسة متجددة للقراءة والاطلاع والبحث. كانت المحاور حية، والأجواء كانت مفعمة بالحيوية، والنقاشات ثرية وعميقة، امتزج فيها الماضي بالحاضر مع الاستشراف للمستقبل، والتقى فيها الفكر الغربي بالروح الشرقية مع المعانقة للنظر الجديد في حوار راق وواع وعميق وجديد. وكم أدهشتني سعادة الوزيرة لولوة بنت راشد الخاطر، بحيويتها وجهودها وحرصها على المتابعة الدقيقة واللصيقة لسير أعمال المؤتمر. فلقد كانت تتابع جلسات المؤتمر في مختلف القاعات، بحركة دؤوبة وباحتفاء كبير بالحضور والحوار، وتكاد تكون حاضرة في كل قاعات المؤتمر. عبَّر المؤتمر عن شراكة محلية ودولية واسعة، وهذا هو المطلوب في عالم اليوم، حيث نظمت المؤتمر وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، دولة قطر، ومركز مناظرات قطر، عضو مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، بالشراكة مع اللجنة الدائمة لتنظيم المؤتمرات بوزارة الخارجية، بدولة قطر، وبالتعاون مع جامعة قطر، وجامعة حمد بن خليفة، ومعهد الدوحة للدراسات العليا، بدولة قطر، إلى جانب عدد من المؤسسات الدولية، ومنها جامعة لايدن الهولندية، ومعهد الدراسات المتقدمة في سراييفو، وجامعة داغستان الحكومية. ويصب المؤتمر من خلال البحث العلمي في مفهوم الاستشراق الجديد، حيث جاءت فكرة تأسيس مؤتمر سنوي ينظر في مستجدات الاستشراق، سواء على المستوى المنهجي أو المعرفي أو الموضوعي، ويسعى للتقريب والموازنة بين مختلف المقاربات والاتجاهات من خلال اللقاءات العلمية المباشرة والمفتوحة. والاستشراق الجديد يتجاوز فكرة أن يكون الشرق موضوعاً والغرب باحثاً، حيث ظل الاستشراق دوماً يتمركز حول دراسة الغرب للشرق، إلى وعي الشرق تجاه ذاته، وتجاه الاستشراق وانعكاسه على فهم الشرق للغرب، في سبيل تكامل معادلة التفاهم والتواصل الحضاري المتوازن. وهنيئاً لمدينة الدوحة، أن شهدت هذا المؤتمر في نسخته الأولى، لتكون ميداناً لفهم جديد يحتاجه العالم. ففي جلسة كان عنوانها: «الاستشراق الجديد بين الإسلاموفوبيا ونقد التمثيل»، تحدث أحد الحضور من الصين بلسان عربي مبين، قائلاً: «دائما ما يقال إن الشرق والغرب لا يلتقيان، ولكن اليوم استطاعت الدوحة أن تجمع بينهما». نقف هنا ونلتقي في الحلقة القادمة.

483

| 28 أبريل 2025

الأسرة لبنة المجتمع ومهد الهوية الإنسانية

يوافق الخامس عشر من شهر أبريل من كل عام، الاحتفال بيوم الأسرة في دولة قطر. وترجع فكرة تخصيص يوم خاص بالأسرة في دولة قطر، إلى مؤتمر الأسرة العالمي الذي استضافته البلاد عام 2004، بمناسبة الذكرى العاشرة للسنة الدولية للأسرة. وفي العام 2011 وافق مجلس الوزراء على اعتماد الخامس عشر من أبريل من كل عام يوماً للأسرة في دولة قطر. وظل يوم الأسرة يشهد تفاعلاً واسعاً من قبل مؤسسات دولة قطر والجهات المختلفة، مع تجاوب كبير من الأسر. ففي هذا العام احتفت مؤسسات وجهات عديدة في الدولة، منها على سبيل المثال، لا الحصر: مجلس الشورى، ووزارة التنمية الاجتماعية والأسرة التي رعت الكثير من الاحتفالات ونظمت الفعاليات والأنشطة بمشاركة عدد من الجهات الحكومية. كما نظّمت وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي عددًا من الفعاليات والأنشطة بمشاركة عدد من الجهات الحكومية، وحضور قيادات الوزارة والتربويين، تأكيداً على دور الأسرة المحوري في دعم العملية التعليمية، وبناء الأجيال الجديدة. وكانت مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع حاضرة، وكذلك كتارا، ومركز الشفلح، ومدى، ومشيرب قلب الدوحة، ومركز الدانة للفتيات، ومركز أجيال، ومريال سلوى، النادي العلمي، ورابطة علم النفس التابعة لجامعة قطر... إلخ حيث كان هناك عدد كبير من الجهات الداعمة للعمل الاجتماعي والأسري. وجاءت الاحتفالات عبر تنظيم العديد من الفعاليات والأنشطة والمهرجات، فضلاً عن الندوات والحلقات النقاشية. * تابعت هذا النشاط الكبير والمتنوع بسعادة وطمأنينة. تعود سعادتي إلى إيماني العميق بالأسرة ودورها، كونها هي لبنة المجتمع، بل هي المجتمع الأول، حيث يتربى الفرد ويتعلم التفاعل مع الآخرين والاحترام لهم، والانضباط، والالتزام، والاحترام للنظام والقانون، والسلطة. كما أن الأسرة تُعد هي المنبع الأول المغذي لقيم التسامح، والتعاطف، والتراحم، والمحبة، بما يخدم التعايش مع المجتمع الصغير والمجتمع الكبير، بل المجتمع الإنساني. ولهذا فإن كل هذه القيم ينبغي أن تصب في تعزيز الهوية الإنسانية. ومن المهم هنا أن نستدعي راعية الأسرة بالعلم وبالقيم الإنسانية، والنموذج الإرشادي الذي يجب أن يحتذى صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، حينما تحدثت في افتتاح مؤتمر الدوحة الدولي حول الأسرة، 2014، قائلة: «الأسرة هي نواة المجتمع ووحدته المصغرة وهي الحاضنة التربوية للأجيال، إذا صلحت صلح المجتمع، وإذا تفكّكت تفكّك».. * كذلك منحتني هذه الاحتفالات وذلك الحراك الكبير، الطمأنينة في الرؤى المرسومة للدولة، كون هذه الاحتفالات تأتي في إطار الجهود الوطنية المشتركة والعمل الجماعي من أجل تعزيز تنمية الوعي بأهمية التماسك الأسري، وتعزيز التعاون بين الجهات في الدولة لنشر ثقافة تكامل الأدوار. وتزداد سعادتي وطمأنينتي بأن هذا النشاط الخلاق والمتجدد يجيء مترجماً لأهداف رؤية قطر الوطنية 2030، ومتسقاً مع دستور دولة قطر الدائم، حيث نص الدستور في مادته (21) على أن «الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق وحب الوطن، وينظم القانون الوسائل الكفيلة بحمايتها، وتدعيم كيانها، وتقوية أواصرها، والحفاظ على الأمومة والطفولة والشيخوخة في ظلها». وجاء في المذكرة التفسيرية للدستور الدائم ضمن محور: الأسس التي يقوم عليها الدستور، ما نصه: أبرز الدستور دور الأسرة باعتبارها أساس المجتمع قوامها الدين والأخلاق وحب الوطن وحدَّد واجب الدولة نحوها، كما اهتم بالنشء وأوجب صيانته من أسباب الفساد وحمايته من الاستغلال ووقايته من شر الإهمال البدني والعقلي والروحي وتوفير الظروف المناسبة لتنمية ملكاته على هدي من التربية الإسلامية السليمة». * ولمَّا كانت الأسرة هي اللبنة الأساسية في بناء المجتمع، حيث تلعب دورًا محوريًا في تشكيل الهوية الإنسانية وتطوير القيم والمبادئ لدى الأفراد، فإن تأثيرها يمتد إلى كافة جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. فالأسرة هي الوحدة الأساسية التي تنقل القيم والموروثات الثقافية من جيل إلى جيل، وتُساعد الأفراد على تشكيل هويتهم الشخصية والاجتماعية. علاوة على ذلك، فإن التماسك الأسري يسوق إلى الاستقرار الاجتماعي والنفسي للأفراد، الأمر الذي يُسهم في بناء مجتمع سليم وصحي ومتوازن ومعافى. وغني عن القول إن بناء الأسرة ونهضة المجتمعات، يتطلب إدخال العلم والمعرفة في الرؤى والتخطيط والحوار. وهذا ما ظللنا نلمسه في رؤية الدولة تجاه الأسرة، ونستشعره في إستراتيجيات وأداء وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة، وكذلك المؤسسات المعنية بالأسرة. * وحري بنا أن نستدعي معهد الدوحة الدولي للأسرة Doha International Family Institute (DIFI) عضو مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، وهو «معهد عالمي معني بإثراء القاعدة المعرفية حول الأسرة العربية ومناصرة قضايا الأسرة عن طريق تعزيز ودعم السياسات الأسرية القائمة على الأدلة على الأصعدة الوطنية والإقليمية والدولية». تلخصت رسالته في «تعزيز تماسك الأسرة العربية من خلال البحوث والسياسات والتواصل والمناصرة على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية». هو منصة للمعرفة وإثراء البحوث حول التوجهات والخطط الرامية إلى النهوض بالأسر العربية على المستوى الدولي». * ويتجلى كذلك الاتساق في الجهود الوطنية المشتركة تجاه الأسرة، في السياسة الخارجية لدولة قطر. فقد قدمت دبلوماسية الوساطة التي انتهجتها دولة قطر، سبق وأن تناولت دبلوماسية الوساطة في سلسلة مقالات، خدمة جليلة للأسر حول العالم. تبنت لمّ الشمل، ويسرت اللقاء بين الأسر، وجمعت بين الأطفال والأمهات في مناطق النزاعات والحروب. ويمكن القول بأن الأسرة كانت واحدة من الميادين التي أولتها دبلوماسية الوساطة القطرية العناية الخاصة والاهتمام الكبير في العديد من مناطق النزاع. وفي تقديري أن هذا لم يأتِ من فراغ، ذلك ثقافة الإيمان الأسرة في دولة قطر، تستند على الدستور، والرؤية الوطنية، وعلى النماذج القيادية، فضلاً عن دور مؤسسات الدولة وإسهاماتها في الاهتمام بالأسرة. حقاً «الأسرة ثروة وطن» لتعزيز التماسك الأسري، كما جاء في حملة وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة، التي أطلقتها مع إعلان استضافة دولة قطر للسنة الدولية للأسرة والتي أقيمت في الفترة من 29 إلى 31 أكتوبر 2024. وقد استضافت دولة قطر مؤتمراً دولياً لإحياء الذكرى الثلاثين للسنة الدولية للأسرة. أقف هنا ولكن لي عودة لموضوع الأسرة في مقالات قادمة.

795

| 21 أبريل 2025

السودان في القلب.. عن زيارة سعادة الوزيرة مريم المسند

تابعت باهتمام زائد واحتفاء خاص زيارة سعادة السيدة مريم بنت علي بن ناصر المسند، وزيرة الدولة للتعاون الدولي، بوزارة الخارجية، إلى بورتسودان العاصمة الإدارية المؤقتة، للسودان الشقيق، يوم الخميس 10 أبريل 2025. ويعود اهتمامي واحتفائي إلى أمرين: الأمر الأول أن زيارة سعادة الوزيرة عبرت عما نكنه للشعب السوداني من تقدير واحترام، تراكما عبر عقود من الزمان، وفقاً لمبادئ الأخوة والتضامن، التي تعكس عمق العلاقات التاريخية بين البلدين. وتشهد على ذلك محطات إنسانية متعددة ومتنوعة ظل ديدنها التبادل والتآزر، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، وكذلك على المستوى الشخصي. ولهذا كانت متابعتي لزيارة سعادة الوزيرة بمثابة بعث لشريط ذكريات راسخة وجميلة، تعود لأيام الطفولة والدراسة في مختلف المراحل الدراسية منذ الابتدائية، وأنا بين صديقاتي السودانيات في الدوحة، فتجلت أمام ناظري مواقف أصيلة ونبيلة ومشرقة، ظلت تميز أهل السودان. * لذلك عشت مع زيارة سعادة الوزيرة كأني أجدد عهد المحبة والاحترام للشعب السوداني. والأمر الثاني يتصل بشخص سعادة الوزيرة وبطبيعة زيارتها، حيث كان المعنى الإنساني هو القاسم المشترك، وكرامة الإنسان هو شاغل الوزيرة وعنوان زيارتها. حيث نقلت سعادتها رسالة تضامن وشراكة مع الأشقاء في السودان. وأكدت في تصريح للصحفيين بأن الزيارة تجيء للوقوف على الأوضاع الإنسانية التي يعيشها الشعب السوداني، والعمل على تلبية الاحتياجات الضرورية له في ظل تداعيات الصراع الذي أدى إلى انهيار المنظومة الصحية والتعليمية وتدمير البنيات التحتية. ودعت سعادتها أطراف النزاع إلى تغليب المصلحة الوطنية ووقف إطلاق النار، وتيسير وصول المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين والمرافق المدنية، والانخراط الجاد في جهود المصالحة، بما يضمن تحقيق السلام والحفاظ على وحدة السودان وتوجيه الموارد نحو الاستقرار والتنمية. وخلال مقابلتها لفخامة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي لجمهورية السودان الشقيقة، أكدت سعادة الوزيرة على موقف دولة قطر الثابت والراسخ في دعم وحدة واستقلال وسيادة وسلامة أراضي جمهورية السودان. وأعرب فخامة الرئيس البرهان من جانبه، عن تقدير السودان لمواقف دولة قطر الداعمة والمساندة له في كافة المحافل الدولية والإقليمية وحرصها على سيادة ووحدة واستقرار البلاد، ودعمها المستمر لتقديم العون الإنساني للمتأثرين من الحرب. كما التقت سعادتها وزيري التعليم والصحة السودانيين. * وفي تقديري، أن لا شيء يضاهي المواقف الإنسانية في زمن الأزمات، كون المواقف الإنسانية هي الميزان الحقيقي لعمق العلاقات وصدقها بين الدول والشعوب. لقد ظلت دولة قطر من خلال تاريخ ومسيرة علاقتها الثنائية مع السودان، تؤكد بأن الشراكة الحقيقية لا تقتصر على المصالح السياسية فحسب، بل تُبنى أيضًا على مبادئ الإخوة التضامن والوقوف مع الشعوب في محنها. وبينما يستمر السودان في سعيه نحو الاستقرار والسلام، والحفاظ على استقلاله وسيادته ووحدة أراضيه، يبرز البُعد الإنساني في علاقته مع دولة قطر كأحد أبرز مظاهر الأمل والدعم المستمر حتى تجاوز الأزمة. * كانت سعادة الوزيرة تلامس القلب، وهي تزور دار نوّل للأيتام، ودار أمان للنساء الناجيات من العنف في بورتسودان، وهي تقف خلال زيارتها للدارين، على أوضاع الأيتام، وقصص صمود بعض النساء الناجيات ومعاناتهن من ويلات الحرب والعنف. وأوضحت سعادتها بأن دولة قطر ستعمل من خلال مبادرتها لدعم النساء والفتيات في مناطق النزاعات، ومنها جمهورية السودان، على تعزيز جهود دار أمان التي توفر الحماية والدعم بمختلف أشكاله للنساء الناجيات من العنف. كما أكدت على التزام دولة قطر الراسخ بمواصلة دعم الشعب السوداني الشقيق في هذه الظروف العصيبة والأوقات الصعبة، معربة عن بالغ القلق إزاء تدهور الأوضاع الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية في السودان. وفي بادرة تجسد القيم الإنسانية، أعلنت عن تخصيص دولة قطر لمبلغ (10) ملايين دولار لدعم النساء والفتيات المتضررات من النزاع وتمكينهن اجتماعياً ونفسياً، فضلاً عن دعم القطاع الصحي بالدفعة الثانية من سيارات الإسعاف بالإضافة إلى توفير أجهزة غسيل الكلى. كما أشارت سعادتها إلى التزام دولة قطر الثابت بتقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية والإنمائية، وشددت على أهمية تعزيز التعاون والتنسيق المشترك مع جميع الشركاء الدوليين والإقليميين والمحليين بما يسهم في تخفيف معاناة الشعب السوداني وتحقيق الأمن والاستقرار والسلام في السودان. * حقاً لقد كانت زيارة سعادة السيدة مريم بنت علي بن ناصر المسند، إلى السودان، زيارة مشرفة، ومعبرة عن المعاني والقيم الإنسانية، وتعكس عمق العلاقات بين دولة قطر وجمهورية السودان، ومدى فيض المحبة في وجدان الشعبين القطري والسودان، تجاه بعضهما البعض. وأكدت زيارة سعادتها كذلك على التزام دولة قطر بتقديم الدعم الإنساني والتنموي للشعب السوداني في ظل التحديات الراهنة، فهو شعب يستحق وبحق.

990

| 14 أبريل 2025

تطور الواقع.. هل الدستور الأمريكي قادر على الصمود؟ (3-3)

تمحور حديثي في الحلقة السابقة حول الدعوات لتغيير الدستور الأمريكي، سواء تلك التي نلمسها من تجليات المواجهة بين الواقع الأمريكي والدستور الأمريكي، حيث تشهد الساحة الأمريكية ولأول مرة، صراعاً حاداً، بين السلطة التنفيذية، الرئيس دونالد ترامب، والسلطة القضائية، أو من حيث الدعوات المعلنة والمنشورة والمستمرة في السياسة الأمريكية، وتظهر من وقت لآخر مجددة الدعوة لتغيير الدستور الأمريكي. وقد أشرنا لدعوة الرئيس جو بايدن في خطاب وداع الأمة يوم الأربعاء 15 يناير 2025 إلى تعديل الدستور لمنع أي رئيس من الحصول على حصانة عن الجرائم التي قد يرتكبها أثناء وجوده في المنصب. وأشرنا لغيرها من الدعوات لتغيير أقدم الدساتير المكتوبة في العالم، وقد فصلنا، وسنواصل اليوم، في رؤية البروفيسور إروين شيميرينسكي Erwin Chemerinsky، واقتراحه بإعادة كتابة الدستور الأمريكي بالكامل، والذي جاء في كتابه: لا ديمقراطية تدوم إلى الأبد: كيف يهدد الدستور الولايات المتحدة. وخلص شيميرينسكي إلى قول: "إن وثيقتنا التأسيسية التي يبلغ عمرها قرابة 250 عامًا لم تعد صالحةً للصمود". “…our nearly 250-year-old founding document can no longer hold” يرى شيميرينسكي، أبرز علماء القانون الأمريكيين، بأن الدستور الأمريكي لم يعد صالحاً للصمود، كونه أصبح، كما يقول، تهديدًا للديمقراطية الأمريكية، بسبب عيوبه المتأصلة، ومعالجته للعنصرية، واعتماده على هيئة انتخابية مشوهة، ومجلس شيوخ غير تمثيلي بشكلٍ صارخ، والنفوذ الهائل للمحكمة العليا. ويرى شيميرينسكي أنه "إذا لم تُعالج مشاكل الدستور، فإننا نتجه حتمًا نحو أزمةٍ يكون فيها الانفصال ممكنًا بالفعل، وحيث سيكون من الضروري التفكير مليًا في كيفية الحفاظ على الولايات المتحدة كقوة عالمية في ظل نظام حكمٍ مختلف تمامًا". ولهذا اقتراح شيميرينسكي إعادة كتابة الدستور الأمريكي بالكامل حتى تتم معالجة العيوب التي تهدد مستقبل الديمقراطية الأمريكية، بل إن السبيل الوحيد للولايات المتحدة لتجنب الانفصال هو صياغة دستور جديد. ويستدعي شيميرينسكي في تعليله لضرورة تغيير الدستور الأمريكي بدستور جديد، قائلاً: إن خمسة عشر تعديلًا فقط من أصل (11848) تعديلًا مقترحًا منذ عام 1789 قد أُقرّت. وفي تقديري أن اقتراح هذا الكم الهائل من التعديلات، يؤكد ما ذهبنا إليه في الحلقة الأولى بأنه لا جدال في أن تطور الواقع يحتم التغيير، كما أن عدم الاستجابة لمتطلبات التغيير، يوجد التناقض، الذي يقود للصراع، وربما الانفصال كما يشير لذلك شيميرينسكي. وحتى تتجنب الولايات المتحدة، لما يسميه تشيميرينسكي بالكارثة، فإنه يرى ضرورة تفويض مؤتمر دستوري جديد ليحل محل دستور عام 1787. ويذكر قائلاً: كما استبدل الآباء المؤسسون مواد الاتحاد الكونفيدرالي المعيبة في العام نفسه، يجب علينا، إعادة كتابة الدستور بأكمله من البداية إلى النهاية، ويجادل بأنه "لا ديمقراطية تدوم إلى الأبد". وعلى الرغم من كل ذلك فإن تشيميرينسكي لم يكن متشائماً من مستقبل الولايات المتحدة، وإنما كان متفائلاً في رؤيته، مستدعياً الماضي وكاشفاً عنه، باعتبار أن الماضي يُبشّر بإمكانية حدوث التغيير. وأوضح أن الولايات المتحدة مرت بأوقاتٍ صعبةٍ وانقسامات هائلةٍ من قبل، مع الحرب الأهلية والكساد الكبير، ويقول في النهاية، إنه لا يزال من الممكن معالجة العيوب وإنقاذ الديمقراطية الأمريكية في آنٍ واحد، وأن هناك دوماً فرصة للتغيير والإصلاح. ويزيد من تعقيد الصراع الدستوري، سعي الرئيس ترامب إلى الترشح لفترة رئاسية ثالثة، على الرغم من أن الدستور الأمريكي يحظر ذلك، إذ لا يجوز للرئيس تولي المنصب إلا لفترتين فقط. ويرى معظم خبراء القانون الدستوري في الولايات المتحدة أن الدستور يفرض قيودًا صارمة تمنع أي رئيس من تولي المنصب لأكثر من فترتين. لكن ترامب قال إنه لا يمزح، ولكن من السابق لأوانه التفكير في الأمر. وأضاف أن هناك طرقا يمكن من خلالها القيام بذلك، دون أن يخوض في التفاصيل (الجزيرة نت، 31 مارس 2025). وهناك بعض الخبراء القانونيين من يرى بإمكانية ذلك عبر ثغرات دستورية، منها على سبيل المثال، الترشح لمنصب نائب الرئيس، ومن ثم استقالة الرئيس، ليتولي ترامب الرئاسة. الشاهد أن الساحة الأمريكية تشهد مواجهة مستمرة ومتجددة بين معطيات تطورات الواقع، وراهن نصوص الدستور الأمريكي الذي يبلغ عمره قرابة الـ 250 عاماً، وسيكشف المستقبل عن مصير أقدم دستور مكتوب في العالم. ماجستير القانون الدستوري، جامعة لورين، فرنسا aalrumaihi24@hotmail.com منصة إكس: aalrumaihi24

390

| 07 أبريل 2025

أمام تطور الواقع.. هل الدستور الأمريكي قادر على الصمود؟ (2-3)

نزف التهاني القلبية الخالصة بمناسبة حلول عيد الفطر المبارك إلى قيادتنا الحكيمة، وإلى الشعب القطري، والأمة المسلمة، وإلى أسرة صحيفة الشرق الغراء، ولقرائها الكرام. وتقبل الله الصيام والطاعات والأعمال، وأعاده الله على الأمة المسلمة، وعلى الإنسانية جمعاء بالتعايش والأمن والسلام. * وقفنا في الحلقة الماضية عند الصراع الدستوري الحاد الذي تشهده الساحة الأمريكية ولأول مرة، بين السلطة التنفيذية، الرئيس دونالد ترامب، والسلطة القضائية. كان الصراع نتيجة لمعارضة القضاة الفيدراليين والقضاة الجزئيين، لمئات الأوامر التنفيذية التي أصدرها ترامب، باعتبارها مخالفة للقانون والدستور الأمريكي. ومن المتوقع أن تبت المحكمة العليا بشأن هذا الصراع في الفترة القادمة. إذا ما تأملنا هذا الصراع، مقروناً بالدعوات لتغيير الدستور في الولايات المتحدة، وفي ظل تطور الواقع، وأمام تجليات الصرعات الدستورية، هل سيقود هذا الصراع إلى تغيير الدستور الأمريكي؟ وهل الدستوري الأمريكي قادر على الصمود؟ وتضح الصورة أكثر إذا ما استدعينا تساؤلات وآراء البروفيسور إروين شيميرينسكي Erwin Chemerinsky، عميد كلية الحقوق بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، وأحد أبرز علماء القانون الأمريكيين، ومؤلف كتاب: لا ديمقراطية تدوم إلى الأبد: كيف يهدد الدستور الولايات المتحدة No Democracy Lasts Forever: How the Constitution Threatens the United States الذي تساءل، قائلاً: هل يمكن أن يكون الدستور الأمريكي، الذي طالما شكل العمود الفقري للديمقراطية، سببًا في زعزعتها وتآكلها من الداخل؟ وكان شيميرينسكي قد خلص إلى القول: «إن وثيقتنا التأسيسية التي يبلغ عمرها قرابة 250 عامًا لم تعد صالحةً للصمود». “…our nearly 250-year-old founding document can no longer hold”. ولهذا فإن شيميرينسكي اقترح إعادة كتابة الدستور الأمريكي بالكامل. ولعل الدعوات لتغيير الدستور الأمريكي لم تتوقف، وظل الحوار حولها قائماً من وقت لآخر. ففي خطاب وداع الأمة للرئيس جو بايدن يوم الأربعاء 15 يناير 2025، وهو عادة ما يكون آخر ما يقوله الرئيس للشعب الأمريكي، وللعالم قبل مغادرته منصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، دعا بايدن إلى تعديل الدستور لمنع أي رئيس من الحصول على حصانة عن الجرائم التي قد يرتكبها أثناء وجوده في المنصب. ولعل الدعوات لتغيير الدستور تختلف في مراميها ورؤيتها وأهدافها، ففي 23 يناير 2025 قدم آندي أوجلز عضو جمهوري في مجلس النواب، مقترحًا لتعديل دستور الولايات المتحدة من أجل السماح للرئيس «دونالد ترامب»، وأي رئيس مستقبلي آخر، بالترشح لولاية ثالثة في البيت الأبيض حتى تتمكن البلاد، كما قال في مشروع القرار: «من الحفاظ على القيادة الجريئة التي تحتاجها أمتنا بشدة». (الجزيرة نت، 24 يناير 2025). ومن المعروف أن الرئيس فرانكلين روزفلت (1882- 1945) هو الرئيس الوحيد في تاريخ الولايات المتحدة، الذي انتُخب لأكثر من فترتين (1933- 1945)، لكنه توفي في عام 1945، قبل تنصيبه للولاية الرابعة. ثم تم التعديل الثاني والعشرون للدستور الأمريكي، والذي ينص على أنه «لا يجوز انتخاب أي شخص لمنصب الرئيس أكثر من مرتين». أما اقتراح البروفيسور شيميرينسكي في كتابه آنف الذكر، جاء قاطعاً بإعادة كتابة الدستور الأمريكي بالكامل، وعلل ذلك، قائلاً: حتى تتم معالجة العيوب التي تهدد مستقبل الديمقراطية الأمريكية. وهو يؤكد على أن السبيل الوحيد للولايات المتحدة المستقطبة لتجنب الانفصال هو صياغة دستور جديد. نلتقي في الحلقة القادمة مع المزيد من تسلط الضوء على رؤية البروفيسور شيميرينسك، ودعوته لتغيير الدستور الأمريكي بالكامل،حتى يكون قادراً على الصمود أمام تطور الواقع، وتساؤلات الراهن، ومهددات المستقبل.

351

| 31 مارس 2025

أمام تطور الواقع.. هل الدستوري الأمريكي قادر على الصمود؟ (1-3)

لا جدال في أن تطور الواقع يحتم التغيير، كما أن عدم الاستجابة لمتطلبات التغيير، يوجد التناقض، الذي يقود للصراع. تشهد الساحة الأمريكية ولأول مرة، صراعاً حاداً، ولأول مرة أيضاً بين السلطة التنفيذية، الرئيس دونالد ترامب، والسلطة القضائية. بدأ ترامب فترة رئاسته الثانية، ليكون هو الرئيس السابع والأربعون للولايات المتحدة. عن الحزب الجمهوري، في 20 يناير 2025، بعد الرئيس جو بايدن. وكانت فترة الرئاسة الأولى لترامب قد امتدت من 2017 حتى 2021، وكان خلفاً للرئيس باراك أوباما. لم تمض المائة يوم الأولى من رئاسة ترامب الثانية، إلا ونشب صراع بينه وبين القضاء. كان ترامب قد أصدر مئات الأوامر التنفيذية، واحتد الصراع وأخذ مساراً مختلفاً عندما أعلن ترامب في 15 مارس 2025 عن أمر تنفيذي يستند إلى "قانون الأعداء الأجانب" لعام 1798، بهدف ترحيل أكثر من 250 فردا يُشتبه في انتمائهم لعصابة "ترين دي أراجوا" الفنزويلية إلى السلفادور، باعتبار ذلك خطوة ضرورية، كما يرى ترامب، لمواجهة ما أطلق عليه "التهديد الخارجي". ويعود "قانون الأعداء الأجانب" إلى حقبة فترات الحروب الكبرى، مما يجعل تطبيقه اليوم متناقضاً مع الواقع، ومثيراً للجدل الدستوري. عارض القضاة الفيدراليون والقضاة الجزئيون، الأوامر التي أصدرها ترامب، لا سيما في قضايا الهجرة والتمويل الفيدرالي، وغيرها، كونها أوامر معارضة للقانون والدستور الأمريكي. الأمر الذي دفع البيت الأبيض إلى اتهام القضاة بتقويض سلطة الرئيس، واتهم بعضهم بالتدخل في سلطة الرئيس. كما غضب الرئيس ترامب من القضاة، وقاد مواجهة وهجوماً عليهم، وطالب بعزلهم، ووصف أحد القضاة بأنه يساري راديكالي. وفي خطوة واجهت توبيخاً نادرا من رئيس المحكمة العليا جون روبرت الذي أكد أن العزل ليس حلاً للخلافات القانونية. ومن المتوقع أن يكون هناك صراع دستوري بين وزارة العدل والفريق القانوي للرئيس من جهة، والقضاة الفدراليين والمحكمة العليا من الجهة الأخرى. وبالطبع فإن هناك قرارات حاسمة ستصدر من المحكمة العليا بشأن هذا الصراع في الفترة القادمة (قناة العربية، 20 مارس 2025). السؤال الذي يطرح نفسه، هل سيقود هذا الصراع الدستوري إلى تغيير الدستور الأمريكي؟ والسؤال الذي طرحه البروفيسور إروين شيميرينسكي Erwin Chemerinsky، عميد كلية الحقوق بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، وأحد أبرز علماء القانون الأمريكيين، في كتابه: لا ديمقراطية تدوم إلى الأبد: كيف يهدد الدستور الولايات المتحدة، No Democracy Lasts Forever: How the Constitution Threatens the United States فقد طرح شيميرينسكي سؤاله، قائلاً: هل يمكن أن يكون الدستور الأمريكي، الذي طالما شكل العمود الفقري للديمقراطية، سببًا في زعزعتها وتآكلها من الداخل؟ من المعروف أن دستور الولايات المتحدة، يُعد "أقدم ميثاق حكومي مكتوب لا يزال قائماً في العالم". جاء وضع هذا الدستور بعد انعقاد مؤتمر دستوري عام 1787 في أعقاب اندلاع "حرب الاستقلال" عام 1775 بقيادة جورج واشنطن ضد المملكة المتحدة، وانتهت الحرب في العام 1783 بإعلان استقلال البلاد. وقد وُقع الدستور في 17 سبتمبر 1787، ودخل حيز التنفيذ في مارس 1789. وكان ذلك بفضل كبير لجيمس مادسن (1751- 1836) المعروف بـ "أبو الدستور"، وهو رئيس الولايات المتحدة الرابع. تعرضت بنود الدستور للتعديل 27 مرة على مر التاريخ. أولها 10 تعديلات عُرفت بـ "وثيقة الحقوق" (15 ديسمبر 1791). وعُدل الدستور 17 مرة أخرى، منذ 7 فبراير 1795 في قضايا مختلفة من بينها آلية التصويت للرئيس، وإلغاء العبودية، والحماية المتساوية للمولودين والمجنسين، وحق المواطنين الأمريكيين الذين تزيد أعمارهم على 18 عاما في التصويت. وقد كان آخر تعديل ينص على أن أي تغييرات في رواتب أعضاء الكونغرس لا ينبغي أن تدخل حيز التنفيذ حتى الانتخابات التالية للنواب، وقد تم التصديق عليه في 7 مايو 1992. (الجزيرة نت، 23 يناير 2025). غير أن الدعوات لتغيير الدستور الأمريكي لم تتوقف، وظل الحوار حولها قائماً من وقت لآخر. نلتقي في الحلقة القادمة والتي تتمحور حول الدعوات لتغيير الدستور الأمريكي، كما سنفصل بعض الشيء في رؤية البروفيسور إروين شيميرينسكي Erwin Chemerinsky، واقتراحه بإعادة كتابة الدستور الأمريكي بالكامل، والذي جاء في كتابه: لا ديمقراطية تدوم إلى الأبد: كيف يهدد الدستور الولايات المتحدة. وخلص شيميرينسكي إلى قول: "إن وثيقتنا التأسيسية التي يبلغ عمرها قرابة 250 عامًا لم تعد صالحةً للصمود". “…our nearly 250-year-old founding document can no longer hold”

390

| 24 مارس 2025

سوريا الجديدة.. «ونحن في الجرح والآلام إخوان»

ظلت دمشق عبر تاريخها الطويل، والذي يمتد إلى ما قبل الميلاد، محط الأنظار، كونها لم تكن مدينة عادية، أو مدينة هامشية، وإنما مركز فاعل، وميدان للأحداث الكبرى، ومنبع للإسهامات الحضارية العظيمة. وقد كتبت عنها الكثير من المجلدات والكتب القديم والحديثة، التي تناولت تاريخها الثر ومكانتها المرموقة، منها: تاريخ مدينة دمشق، (8 مجلدات) لابن عساكر (499 هـ - 571 هـ)، وغيره. كما تناولها قديماً كبار الشعراء العرب في أشعارهم، منهم البحتري وغيره، وفي العصر الحديث تناولها أمير الشعراء أحمد شوقي، ونزار قباني، وغيرهما. هذه العراقة جعلت الشعوب العربية تتعلق بدمشق، عاصمة سوريا اليوم، باعتبارها جزءاً من الحضارة العربية الإسلامية، كما تمثل مكوناً من مكونات الهوية العربية. ولهذا ليس غريباً الانشغال بسوريا اليوم، والتفاعل مع أحداثها ومع الثورة السورية، منذ اندلاع المظاهرات في 17 فبراير 2011 ضد نظام بشار الأسد. ثم توسعت المظاهرات الداعمة للثورة السورية، وعمت المدن في 18 مارس 2011 تحت اسم «جمعة الكرامة». وحتى سقوط النظام السوري في 8 ديسمبر 2024، وتولى القيادة الرئيس أحمد الشرع. * منذ بداية الأزمة السورية، اتخذت دولة قطر موقفًا حاسمًا في دعم المعارضة السورية ضد نظام بشار الأسد. وقد كانت قطر من أوائل الدول التي طالبت برحيل الأسد ودعمت الثورة السورية، مما جعلها واحدة من أبرز الداعمين للمعارضة السياسية والعسكرية. كما لعبت دولة قطر دورًا بارزًا في الأحداث السياسية والإنسانية المتعلقة بالأزمة السورية. كما لعبت قطر دورًا مهمًا في تقديم الدعم الإنساني والمساعدات للاجئين السوريين، بالإضافة إلى دورها الدبلوماسي في محاولات إيجاد تسوية سياسية، من خلال التواصل مع القوى الدولية والإقليمية الفاعلة. * وتواجه اليوم سوريا تحديات كبرى، حيث إعادة إعمار البنية التحتية التي تعرضت لدمار واسع النطاق خلال سنوات الحرب. الأمر الذي يتطلب استثمارات ضخمة من أجل إعادة بناء المنشآت العامة والخدمات الأساسية مثل الماء والكهرباء والصحة والتعليم. كما أن الحرب خلفت آثاراً إنسانية مأساوية، خاصة وأن الاقتصاد السوري تعرض لصدمات عنيفة جراء الحرب والعقوبات الاقتصادية. ولعل الاستقرار السياسي والاقتصادي من أولى خطوات بناء سوريا الجديدة. وفي خطوة تشريعية تصب في وجهة الاستقرار السياسي، وبناء هياكل الدولة، جاء توقيع الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، الخميس الماضي، على مُسودة الإعلان الدستوري الذي حدَّد المرحلةَ الانتقاليةَ في البلاد بـ 5 سنوات، وقد تحدث، قائلاً: «هذا تاريخ جديد لسوريا، نستبدل فيه العدل بالظلم... ونستبدل فيه أيضاً الرحمة بالعذاب»، وأضاف، قائلاً: آملاً في أن يكون «فاتحة خير للأمة السورية على طريق البناء والتطور». ونص الإعلان الدستوري على إقامة حكومة انتقالية، وأن مجلس الشعب يمارس السلطةَ التشريعية، ويتولى السلطة التنفيذية في المرحلةِ الانتقالية رئيسُ الجمهورية يساعدُه في مهامِّه وزراء. كما تقرَّر حل المحكمة الدستورية، ومنح رئيس الجمهورية حق تعيين محكمة دستورية جديدة تمارس مهامها وفق القانون السابق ريثما يصدر قانون جديد. ومن بين البنود التي تضمَّنها الإعلان الدستوري، «ضرورة تشكيل لجنة لكتابة دستور دائم». * أمام هذه الجهود من أبناء سوريا من أجل تحقيق الاستقرار والمصالحة الوطنية بين مختلف الأطياف السياسية والمجتمعية، وصدور الإعلان الدستوري، فإن على أشقاء سوريا وأصدقائها من دول العالم، دعم استقرار سوريا والعمل على دعم جهود بنائها، لأن استقرارها ينعكس إيجاباً على استقرار المنطقة، وعلى السلام والأمن العالميين. وهنا كانت دولة قطر، كما هو العهد بها، لم تتأخر عن التزامها تجاه سوريا وتجاه الشعب السوري الشقيق، ومثلما كان دعمها مستمراً انطلاقاً من القيم الإنسانية والأخلاقية، وتجسيداً لمعاني الأخوة، وكما قال أمير الشعراء أحمد شوقي: ونحن في الشرق والفصحى بنو رحم ونحن في الجرح والآلام إخوان * جاءت توجيهات حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، «حفظه الله»، بالدعم السخي للشعب السوري، فأعلنت المؤسسات القطرية المعنية بأنه وتنفيذًا لتوجيهات سموه تُقدّم دولة قطر إمدادات معتمدة من الكهرباء إلى الجمهورية العربية السورية عبر أراضي المملكة الأردنية الهاشمية الشقيقة، في خطوة تهدف إلى معالجة النقص الحاد في الكهرباء وتحسين أداء البنية التحتية في البلاد. وتبدأ دولة قطر بتزويد سوريا بـ 2 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي يوميًا، وتتيح هذه الإمدادات القطرية توليد ما يصل إلى 400 ميغاواط من الكهرباء يوميًا في المرحلة الأولى، بهدف معالجة النقص الحاد في إنتاج الكهرباء وتحسين أداء البنية التحتية في سوريا الشقيقة. إن هذه المبادرة تُجسد التزام دولة قطر الراسخ بدعم الشعب السوري في مختلف المجالات الإنسانية والإغاثية، والمساهمة في جهود التعافي وإعادة الإعمار، بما يضمن وصول الخدمات الأساسية وتحقيق مستقبل أكثر أمانًا واستدامة للجميع.

675

| 17 مارس 2025

يوم المرأة وحوار الأديان وتعزيز القيم الإنسانية

يوافق 8 مارس من كل عام اليوم العالمي للمرأة، حيث تحتفي شعوب العالم بطرق متنوعة للتعبير عن الاحترام والتكريم للمرأة، والتقدير لعطائها وإنجازاتها في مختلف المجالات، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ...إلخ. ويُعبر هذا اليوم عن الشراكة العالمية في الاحتفاء بالمرأة والاعتراف بتضحياتها وبدورها في إثراء الحياة، إلى جانب تعزيز الوعي حول قضاياها وحقوقها. وقد دعت الأمم المتحدة للاحتفال بيوم المرأة لهذا العام 2025 تحت شعار "الحقوق والمساواة والتمكين لكافة النساء والفتيات". المرأة ورسم ملامح المستقبل تمثل المرأة حجر الزاوية في تكوين الأسرة، وفي بناء المجتمعات وتنميتها. فهي الأم والمربية للأجيال، وما أشرفها من وظيفة، كما أنها ظلت فاعلة في المجالات الاجتماعية، الاقتصادية، والسياسية، تقود التغيير وتساهم في تقدم الأمم. وإذا كانت الأجيال تُبنى من خلال التعليم والرعاية، فإن المرأة هي التي تزرع القيم والمبادئ التي تعزز استمرارية النجاح، وتؤكد بناء المستقبل ورسم ملامحه. وقد عبرت عن هذا المعنى بعمق وشمول صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، النموذج الإرشادي الذي يجب أن يُحتذى، رئيس مجلس إدارة مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، في تغريدتها بمناسبة اليوم العالمي للمرأة لهذا العام 2025، قائلة: "في يومكِ، تذكري دائماً أنكِ القوة التي تبني الأجيال، وتحرك عجلة التقدم، وترسم ملامح المستقبل بثبات وإلهام". إن تذكير سموها للمرأة بأنها هي قوة بناء الأجيال، ومحرك عجلة التقدم، وراسمة ملامح المستقبل، يؤكد أن يوم المرأة 8 مارس ليس هو مجرد مناسبة للاحتفال، بل هو دعوة لتمكين المرأة عبر العمل والعطاء، وتفعيل الطاقات "بثبات وإلهام" في سبيل بناء الأجيال ورسم ملامح المستقبل على أسس السلام والقيم الإنسانية. وتؤكد الوقائع وكذلك راهن المرأة القطرية أن دولة قطر عملت على تمكين المرأة بإصدار التشريعات، وعبر توفير التعليم المتميز والمواكب عالمياً، فضلاً عن تهيئة المناخ لانطلاقها من خلال المؤسسات، واتاحة الفرص في مجالات عديدة. وكانت المرأة حاضرة، على سبيل المثال، لا الحصر، في دبلوماسية الوساطة، وفي حوار الأديان، وغيرها من المجالات التي تصب في بناء السلام وبعض القيم الإنسانية. فمن خلال الحوار، يمكن الوصول إلى تعزيز حقوق المرأة على مستوى عالمي، والعمل على بناء عالم أكثر عدلاً ومساواة. مساهمات المرأة في حوار الأديان: احتفاء عملي بيوم المرأة بدعوة كريمة من مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان شاركت في طاولة مستديرة عن "مساهمات المرأة في حوار الأديان"، ضمن: مبادرة الحوار في الجامعات، التي نظمها مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان بالتعاون مع جامعة لوسيل، وذلك بقاعة المسرح بمبنى البنات، بجامعة لوسيل، بتاريخ الأربعاء 27 فبراير 2025. كانت مبادرة الحوار في الجامعات، مبادرة رائعة، وذات قيمة عالية، وفائدة كبيرة. كما أن طرح فكرة مساهمات المرأة في حوار الأديان، للتداول والحوار والدراسة، تؤكد على أن مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان وفقاً للأسس العلمية، والرؤية الكوكبية، سواء في دراسة أداء المرأة القطرية، أو في اتاحة الفرصة لها للمشاركة والإسهام في البناء. كما عبر المركز عن إيمانه بأن مساهمات المرأة في حوار الأديان تمثل ركيزة أساسية من ركائز التفاهم والتعايش السلمي بين الثقافات والأديان المختلفة. فالمرأة، بما تحمله من قيم الرحمة والعدالة، تساهم بشكل كبير في تعزيز القيم الإنسانية المشتركة بين الأديان المختلفة، وتقريب وجهات النظر بين المجتمعات المتنوعة، فضلاً عن تحقيق السلام الاجتماعي. شرف الجلسة الحوارية سعادة الأستاذ الدكتور إبراهيم بن صالح النعيمي رئيس مجلس إدارة مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان، وسعادة الدكتور دكتور نظام هندي، مدير جامعة لوسيل، وعدد من أساتذة وأستاذات الجامعة، ولفيف من الطلاب والطالبات. أدارت الجلسة الأستاذة الدكتورة عائشة المناعي، نائب رئيس مجلس إدارة مركز الدوحة لحوار الأديان، ومدير مركز إسهامات المسلمين في الحضارة، بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة حمد بن خليفة. وشاركت بتقديم المداخلات، كل من: الدكتورة هند الحمادي، عضو هيئة التدريس بكلية المجتمع، الأستاذة شيرين عبدالحميد سالم، باحثة أكاديمية وصحفية، والأستاذة شيخة غانم الكبيسي، الممثل الرسمي للمركز العربي الأوروبي لحقوق الإنسان في دلوة قطر، وكاتبة في مجال التوعية المجتمعية، إلى جانب شخصي. وقد كانت ورقتي بعناون: "الوساطة كأداة لتعزيز حوار الأديان وبناء السلام: عن فعالية المرأة". لقد تم تفاعل كبير من الحضور، ودار حوار ثري ومفيد، وطرحت أسئلة في غاية الأهمية، كما كشف التفاعل عن الاهتمام والرغبة في الحوار. الوساطة كأداة لتعزيز حوار الأديان وبناء السلام: عن فعالية المرأة استهللت ورقتي وهي بالعنوان أعلاه، وقد جاء في نحو (600) كلمة، بالإشارة إلى أن المرأة، وأنا اليوم أحيي المرأة حيثما كانت، هي القوة الناعمة التي تُحدث التغيير بأسلوبها الذي يجمع بين الحكمة والمرون، وهي التي تبني الجسور بدلًا من الجدران، كما أنها تنسج خيوط الحوار والتفاهم بين الثقافات والشعوب. وأوضحت بأن المرأة هي القوة التي لا ترى مباشرة ولكنها تُشعر في كل خطوة نحو السلام والتنمية. هي من تلهم وتوجه وتحرك الأجيال نحو مستقبل أكثر عدالة وإنسانية. ثم أوضحت بأن ورقتي تنظر إلى الوساطة باعتبارها إحدى الأدوات الحيوية والفعَّالة في تعزيز حوار الأديان، وبناء السلام، وتعميق القيم الإنسانية، خاصة في السياقات التي تتسم بالتوترات الدينية والثقافية، حيث تُسهم في تسهيل التواصل بين الأطراف المختلفة وتعزيز الفهم المشترك، ومن ثم حل النزاعات وحقن الدماء. انطلاقاً من هذه النظرة فإن الورقة تسعى إلى تسليط الضوء على إسهامات المرأة في حوار الأديان، من خلال دورها في جهود الوساطة، مع التركيز على الوساطة القطرية. تميزت الوساطة القطرية ومن واقع سجل إنجازاتها العالمية، بأنها عابرة للانتماءات الدينية والثقافية والجغرافية، ولا تحتكم إلا للانتماء الإنساني. تقدم الورقة هنا بعض التفصيل والتبيين. كذلك تُعد المرأة، وهي الأم، التي تثري الحياة بإنجاب الأجيال، وهم أصحاب المصلحة والحق في المستقبل، فإنها، وحرصاً على تلك المصلحة والحق، تتمتع بقدرة فائقة على إدخال منظور شامل إلى عمليات الوساطة، حيث تركز على القيم الإنسانية المشتركة، مثل السلام والتفاهم، بدلاً من الانقسام والنزاع. كما أن فعالية المرأة في موضوع الوساطة، باعتباره من الموضوعات التي تتفاعل معها المرأة في إطار تعزيز حوار الأديان، لا تقتصر على تعزيز الحوار والتفاهم فحسب، بل تمتد أيضاً إلى بناء مجتمعات أكثر سلاماً واندماجاً. ولهذا فمن خلال تمكين النساء وتعزيز مشاركتهن، يمكننا تحقيق تقدم ملحوظ نحو عالم أكثر سلاماً وتسامحاً. أجدد التحية والاحترام للمرأة حيثما كانت.

723

| 10 مارس 2025

فعالية المرأة القطرية في العمل الدبلوماسي (5 - 5)

وقفت في الحلقة الماضية عند الميلاد الحقيقي للدبلوماسية القطرية عام 1971، وتناولت تمكين المرأة القطرية في المجال السياسي والدبلوماسي، كما بينت بأن فعالية المرأة القطرية في العمل الدبلوماسي، تصب في التنمية المستدامة، وتمثل خطوة مهمة نحو تعزيز مكانة قطر على الساحة الدولية. ثم قدمت لمحات عن بعض رائدات العمل الدبلوماسي، واليوم نستكمل حديثنا. مع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، بدأت النساء في قطر تتقلد العديد من المناصب الدبلوماسية الرفيعة، وهو ما يعكس التغيرات الإيجابية في السياسات الاجتماعية التي تشجع على تمكين المرأة. وبدأت المرأة القطرية تشارك في الحياة السياسية والدبلوماسية، حيث أُعطيت الفرصة لتولي مناصب في السفارات، البعثات الدبلوماسية، وحتى المناصب العليا في وزارة الخارجية. ففي 31 يوليو 2013، وبموجب قرار أميري رقم (89) لسنة 2013 تم تعيين الشيخة/ موزة بنت ناصر بن أحمد بن علي آل ثاني، سفيراً فوق العادة مفوضاً لدى جمهورية كرواتيا. * وفي غرة ديسمبر 2019 وبموجب القرار الأميري رقم 56 لسنة 2019 تم تعيين السيدة لولوة بنت راشد محمد الخاطر، مساعداً لوزير الخارجية، بدرجة وكيل وزارة، وذلك بالإضافة إلى مهام عملها كمتحدث رسمي لوزارة الخارجية. لتصبح أول امرأة قطرية تتولى منصب مساعد وزير للخارجية القطرية، وأول امرأة كذلك تُعين متحدثة رسمية لوزارة الخارجية القطرية. ثم تبع ذلك أن تقلدت منصب وزير الدولة للتعاون الدولي بوزارة الخارجية القطرية. وكانت السيدة لولوة الخاطر قد أوضحت مدى اهتمام دولة قطر بحقوق النساء ودورهن، وتجليات ذلك في رؤية قطر وخططها، جاء ذلك في كلمة لها ضمن ندوة: دور المرأة الدبلوماسية في صنع السلام ومواجهة مآلات الحروب في العالم، حيث تحدثت، قائلة: عندما يتعلق الأمر بحقوق النساء وبترقيتها، فإن الأمر مدعاة للفخر وللتشجيع سواء في قطر أو بقية البلدان. وبشأن وجود خطط ملموسة، فقد بينت المتحدثة حقوقا للنساء على أجندة القرار منذ عشرين سنة في دولة قطر، وهو أمر مدمج في رؤية قطر الوطنية 2030 وفي الاستراتيجيات الوطنية. وتحدثت عن وجود نماذج لنساء قطريات وخليجيات دبلوماسيات، أثبتن جدارتهن وكفاءتهن في الدبلوماسية والوساطة وحل الأزمات، وبالنظر إلى قدرات نساء المنطقة لتولي مناصب قيادية تجعلهن قادرات على أن يكون لهن دور في تجنب الأزمات وحلحلتها. وكانت السيد لولوة قد عبرت عن المساواة في التعليم في دولة قطر، وعن تولي النساء القطريات للمناصب الإدارية، فتحدثت، قائلة: «لدينا حقوق متساوية في التعليم، نرى العديد من النساء في مناصب إدارية، نرى وجود المرأة القطرية في أغلب المجالات في جميع المؤسسات القطرية بفرص متساوية»، كما نصحت النساء القطريات بـ «أن يؤمن بقوتهن وجاذبيتهن وأن يلاحقن أحلامهن». * واليوم أصبح هناك عدد كبير من النساء القطريات يعملن، ليس في درجات دبلوماسية متقدمة، وإنما سفيرات، ورئيسات بعثات دبلوماسية، ويمثلن بلادهن في الخارج. ومن هؤلاء على سبيل المثال، لا الحصر، السيدة/ فوزية إدريس سلمان السليطي التي تم تعيينها في 8 ديسمبر 2019، بموجب القرار الأميري رقم (59) لسنة 2019، سفيراً فوق العادة مفوضاً لدى جمهورية إندونيسيا. وفي 10 سبتمبر 2023 وبموجب القرار الأميري رقم 71 لسنة 2023 تم تعيين السيدة نادية أحمد عبد الرحمن الشيبي سفيراً فوق العادة مفوضا لدى مملكة السويد. وهناك عدد كبير من اللائي يحملن درجات عليا في السلك الدبلوماسي والقنصلي (مثل وزير مفوض، ومستشار، وسكرتير أول)، ويعمل بعضهن نائبات للسفراء، ومنهن على سبيل المثال، لا الحصر، السيدة/ مريم أحمد الشيبي، التي تعمل بمنصب نائب سفير دولة قطر بسفارة دولة قطر لدى القاهرة، وغيرهن. * يمكن القول إن المرأة القطرية قد أثبتت قدرتها الفائقة على تحقيق النجاح في مجال العمل الدبلوماسي، وذلك من خلال مساهماتها القيمة في تعزيز العلاقات الدولية لقطر. إن تطور دور المرأة في هذا المجال يعكس التوجهات الحديثة في السياسة القطرية التي تعزز المساواة بين الجنسين وتشجع على تمكين المرأة في مختلف القطاعات. وقد عملت دولة على تهيئة المناخ لتمكين المرأة، وتعزيز فعاليتها في العمل الدبلوماسي، من خلال إصدار التشريعات، واتاحة فرص التعليم وبناء القدرات، وفتح الآفاق للعمل والشراكة في صناعة القرارات السياسية، وفي الخطاب الدبلوماسي. لقد أصبحت المرأة القطرية تُمثل بلدها في المحافل الدولية ومنظمات الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية، حيث تتولى العديد من السفيرات القطرية مهمة تعزيز العلاقات الدولية وتعميق التعاون بين قطر والدول الأخرى في مختلف المجالات، مثل السياسة، والدبلوماسية، والاقتصاد، والثقافة، والعلاقات الخارجية. وفي الختام لابد من التذكير بأن مجال الدبلوماسية أصبح يشمل مجالات واسعة، فهناك الدبلوماسية العامة التي تختلف عن الدبلوماسية التقليدية، وتشمل الدبلوماسية الثقافية، التي تتعدد أنواعها، حيث: دبلوماسية المتاحف، والدبلوماسية الغذائية،... إلخ. وفي كل هذه الأنواع من الدبلوماسيات كانت المرأة حاضرة وبقوة. لهذا فإنني سأعود لاحقاً لأتناول الدبلوماسية الغذائية، من خلال نماذج متميزة، منهن: صاحبة المبادرات الخلاقة في المطاعم الشعبية شمس القصابي، وكذلك الشيف القطرية نوف المري، والشيف عائشة التميمي، وغيرهن.

1032

| 03 مارس 2025

alsharq
ما وراء إغلاق الأقصى... هل نعي الخطر؟

ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم:...

3969

| 22 مارس 2026

alsharq
صدمة الاقتصاد العالمي

مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل...

2328

| 26 مارس 2026

alsharq
راس لفان.. إرادة وطن وشعلة لن تنطفئ

‏في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى...

1914

| 24 مارس 2026

alsharq
أنت لها يا سمو الأمير

يحق لي أن أكتب عنك اليوم بعد تردد،...

1716

| 24 مارس 2026

alsharq
قطر.. حيث يمتد الأثر ويتجسد الوفاء

هناك تجارب لا تُختصر في العناوين، ولا تُفهم...

882

| 25 مارس 2026

alsharq
رجال الصناعة والطاقة.. منظومة تُدار بخبرات وطنية

من واقع خبرتي الميدانية، ومعايشتي المباشرة لتفاصيل قطاع...

696

| 22 مارس 2026

alsharq
خالد بن الوليد والناتو الخليجي

حين استشعر الصحابي خالد بن الوليد في «معركة...

588

| 25 مارس 2026

alsharq
هل تدفع حرب الطاقة دول الخليج للتكامل الاقتصادي؟

ظلت دول الخليج لفترات طويلة عرضة لمخاطر إعاقة...

585

| 25 مارس 2026

alsharq
قطر الصامدة في زمني العسر واليسر

أدى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد...

546

| 27 مارس 2026

alsharq
شهداء قطر... شهداء الواجب

في لحظات الوداع، تعجز الكلمات عن مداواة القلوب،...

513

| 23 مارس 2026

alsharq
قَطرُ.. عبقرِيَّةُ الثَّباتِ ورِسالةُ السَّلامِ وبِناءُ الإنسانِ

ها هيَ الحياةُ تعودُ إلى نَبضِها الأصيلِ، وتستأنفُ...

507

| 27 مارس 2026

alsharq
إلى أين تتجه منطقة الخليج؟

في ظل التصعيد الإقليمي المتزايد، تبرز تساؤلات مهمة...

492

| 24 مارس 2026

أخبار محلية