رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يجب أن نعترف بنجاح العديد من مراكز القرار والتفكير الغربي في أن تضع الإسلام والمسلمين والعالم الإسلامي في موقع وموقف لا يحسدون عليه، فقد تم تشويه الإسلام وتبشيع الشخصية المسلمة وتوحيد العالم كله للوقوف في وجه هذا الخطر الكبير والتصدي لهذا الوحش الكاسر، ومن ثمّ فقد تم تبرير كل أشكال العدوان على العالم الإسلامي وتحويله لساحة مفتوحة للقتل والتدمير وكأنها الوسيلة الوحيدة لتأمين العالم من هذا الخطر الداهم وحمايته من هذا الشر المستطير!! وفي هذا الإطار يأتي بعض الانتهازيين والموتورين والمحسوبين على العالم الإسلامي ليتحدث عن خطر المليار ونصف المليار مسلم على العالم والحضارة الإنسانية!!
والحقيقة أن كل ذلك هو افتراء مقصود وتشويه متعمد يحمل أهدافًا سياسية ويهدف لتبرير العدوان على منطقتنا وتحقيق مصالح إستراتيجية معروفة.. ولأننا دعاة حوار وأصحاب حضارة علمتنا التعايش مع الحضارات الأخرى والعمل على بناء نظام عالمي يسوده السلام والعدل فيجب أن نتصدى لهذا التشويه المتعمد ونفكك أهدافه ونكشف أسبابه فهو سبيلنا في التعامل مع العقلاء هناك وتبصير شعوبهم المغلوبة على أمرها بالصراع المفتوح الذي يجري فرضه ويجري وضعها في أتونه بلا سبب ودون مصلحة سوى مصلحة نخب متنفذة في الغرب لا تجد سبيلا لحماية مصالحها أفضل من هذه الحروب المفتعلة.
وهذا التصور إنما هو امتداد لحالة عامة تتملك مراكز القرار في الغرب، ويعبر عن تاريخ طويل من الكراهية بدأ مع ظهور الإسلام، وهذا ما عبر عنه القائد الإنجليزي جلوب (1897- 1986) الذي قال: "إن تاريخ مشكلة الشرق الأوسط إنما تعود إلى القرن السابع الميلادي" أي منذ ظهور الإسلام.
وذلك ببساطة لأن الإسلام قد استطاع أن يغيّر خريطة هذا الشرق ويخرجه من حقب الاستعباد الإغريقي والروماني والصليبي فضلًا عن أن الإسلام قدم عقيدة التوحيد التي أزعجت العقائد السائدة آنذاك، كما أن صياغتها البسيطة وبنائها المعجز قد تعامل مع فطرة الناس في سهولة ويسر، واخترق عقولهم في بساطة ورسوخ.. وهكذا أصبح الإسلام عدوا عقائديا فضلا عن كونه عدوا سياسيا وإستراتيجيا.
لقد استطاع الإسلام والمد الإسلامي أن يوقفا المد الغربي بل ويهددانه في أهم معاقله.. كما أن أوروبا كانت تنظر لنفسها نظرة عنصرية على أساس وراثتها للتراث اليوناني والروماني ومن ثم فإنها – بطبيعتها – تحتقر الأجناس الأخرى ولاسيَّما الشرقي منها.
لهذا جاء رد الفعل الأوروبي على هذا الحضور الإسلامي بشكل عدواني انفعالي.. فلم تكن أوروبا قد كوّنت - بعد - أي رؤية نقدية أو تصور فكري أو فلسفي للتعامل مع الهجوم الأيديولوجي الإسلامي، فكانت الحروب الصليبية تعبيرًا عن لجوء حاد للعنف بسبب غياب الحجة، أو عدم القدرة على الوقوف العلمي أمام حجة الإسلام ومفاهيمه النشطة والمتفاعلة.. كما كانت تعبيرًا حرفيًّا عن هزيمة فكرية وإستراتيجية استدعت كل هذا المخزون العدواني ومن هنا يقول دكتور كرين أرمسترونج:"لقد كان القرن الحادي عشر الميلادي هو بداية أوروبا الجديدة، وكانت الحملات الصليبية بمثابة أول رد فعل جماعي تقوم به أوروبا الجديدة "!! والدارس لمكونات هذا الرد ودوافعه الأساسية، لن يعدم قدرا غير يسير من الكراهية، ولن يجد رؤية واعية أو عقلا حاضرا، لهذا لم يجد "أوريان الثاني" مفجر الحروب الصليبية 1095م ما يقوله سوى:"أيها الجنود اذهبوا وخلصوا البلاد المقدسة من أيدي الأشرار، اذهبوا واغسلوا أيديكم بدماء أولئك المسلمين الكفار"!!
كما انطلقت الحملات الصليبية ومن خلفها عملية شحن كبرى، لم يكن لها سند علمي أو فكري إلا الملاحم التي كانت أحد أهم المسببات الرئيسية لشنها، ففي ملحمة رولاند (عام 1100م) نجد الإمبراطور ينادي جنوده كي يذبحوا المسلمين فيقول:"انظروا إلى هذا الشعب الملعون إنه شعب ملحد، لا علاقة له بـالله، سوف يمحى اسمه من فوق الأرض الزاخرة بالحياة، لأنهم يعبدون الأصنام، لا يمكن أن يكون لهم خلاص، لقد حكم عليهم، فلنبدأ إذن بتنفيذ الحكم، باسم الله، ثم تبدأ المذبحة"!!
لقد جاءت الحملات الصليبية إلى الشرق الإسلامي، محملة بطاقة عدوانية تجاه الآخر، أذهلت المسلمين الذين لم يكونوا قد عرفوا هذا النوع من العدوان أو الكراهية حتى في حروبهم مع أعدائهم.
فعندما حاصر الصليبيون "معرة النعمان" بسوريا حتى استسلم أهلها، بعد أن أخذوا العهود على حمايتهم، وحماية أموالهم وأعراضهم إذا بالصليبيين يقتلون الرجال والنساء والأطفال، وبلغ عدد القتلى مائة ألف قتيل، ولما وصلوا إلى بيت المقدس حاصروا أهله، ولما طلبوا الأمان أعطاهم قائد الصليبيين – الملك الإنجليزي ريتشارد قلب الأسد – رايته كي يرفعونها على المسجد الأقصى ويلجأون إليه آمنين.. فما إن دخل الصليبيون المدينة (1099م/493ﮬ) حتى أعملوا القتل والذبح، ولم يرحموا من دخل من المسلمين المسجد، حتى بلغت الدماء ركبة الفارس منهم، وامتلأت الشوارع بالجماجم المحطمة والأشلاء الممزقة، وبلغ عدد القتلى سبعين ألفا، بل إن جماجم القتلى لو جمعت لبلغ ارتفاعها أعلى من أسوار المدينة.
وفي "دمياط" نجد حرصا شديدا على سفك الدماء واغتصاب النساء وتحويل المساجد إلى كنائس، فلا مكان للمسجد إذا كانت الغلبة للصليبيين كما قاموا بتنصير الأطفال بعد أن فشلوا مع الكبار، وطبعا فقد كان ذلك على وجه الإكراه والإجبار.
ورغم استمرار هذا الهجوم العدواني، المحمل بأبشع أساليب الحروب، لما يقرب من قرنين من الزمان، إلا أنه رد خائبا محملا بالإحباط واليأس من إمكانية هزيمة هذه الأمة.
ولقد كان من نتائج هذا الاحتكاك المبكر بين الغرب والإسلام، أن اكتشف الغرب أنه يواجه أمة فتية تمتلك كل عناصر القوة وعوامل الاستمرار، وأنها تعبر عن حضارة كبرى، وإن تناقضت مع طبيعة حضارته.. وهكذا كان العمل على الاستفادة من عناصر قوة الأمة مع العمل - أيضا - على التجهيز للصدام معها، بهدف إقصائها عن طريق هيمنة الغرب.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أصبح ملاحظًا في الآونة الأخيرة تزايد شكاوى المعلمين وأساتذة الجامعات من سطحية بعض الطلاب وضعف قدرتهم على التحليل، بل وقلة اهتمامهم بالشأن العام وغياب الحس بالمسؤولية المجتمعية. وهذه الظاهرة لا يمكن إلقاء اللوم بها على المناهج أو أساليب التدريس، بل ترتبط بشكل كبير بغياب المتابعة الأسرية وانشغال الوالدين أو اعتمادهم الكامل على المؤسسات التعليمية لتأدية دور الوالدين أو توكيل الخدم بكل ما سبق، وهذه طامة أخرى سنأتي عليها لاحقًا. هل يُعقل أن طالبًا جامعيًا لا يعرف من وزير خارجية بلاده؟! وكم هي مساحة الدولة التي يعيش فيها؟! بل أكثر من ذلك، ففي مثل هذه الأيام التي تمر فيها المنطقة في صراع إقليمي وحرب تُغيّر خريطة العالم وتحالفاته وتقلب طاولة الاقتصاد رأسًا على عقب، هو لا يعرف من وكيف ولماذا، وهل هو مع أو ضد توجه معين أو رأي بلاده من كل هذا؟! وبسبب ما سبق عملنا مع بعض الزملاء مسحًا سريعًا للبحث عن هذه الأسباب، فتبيّن أن الأم والأب يقضيان أكثر من ٤ ساعات يوميًا على الهاتف بين برامج التواصل الاجتماعي بما لا ينفع بل بما يضر أحيانًا، ولم نحسب ساعات متابعة الأفلام والمسلسلات ضمن هذا. إن مسؤولية تربية الأبناء لا يمكن تفويضها أو التهرب منها. فتربية الأبناء ليست ما تنتجه المدارس أو المعاهد أو الجامعات، بل هم انعكاس لبيئة كاملة تبدأ بالأسرة. وإذا أردنا جيلًا واعيًا مثقفًا وقادرًا على تحمل مسؤولياته فعلينا أن نعيد الاعتبار لدور الوالدين، وأن ندرك أن التربية الحقيقية تُبنى في البيت أولًا ثم تُستكمل في بقية مؤسسات المجتمع. لأن التربية ليست مهمةً يمكن اختصارها في مؤسسة واحدة أو جهة رسمية بعينها. ومن هنا فإن إلقاء المسؤولية على وزارة التربية والتعليم فيما يتعلق بمستوى الأبناء الفكري والسلوكي والثقافي، هو طرحٌ ناقص يُغفل الدور الجوهري الذي يقع على عاتق الوالدين أولًا ثم بقية مكونات المجتمع. الأسرة هي النواة الأولى التي تتكون فيها شخصية الطفل، وهي البيئة التي يتعلم فيها القيم الأساسية والدينية قبل أن يتعلم الحروف والأرقام. في البيت يتعلم الأبناء معنى المسؤولية واحترام الوقت وأهمية المعرفة والقدرة على الحوار. فإذا نشأ الطفل في بيئة تشجعه على التساؤل وتمنحه مساحة للتعبير وتعطيه قدرًا من الثقة والشعور بالمصداقية وتتابع اهتماماته الدراسية والثقافية، فإنه يدخل المدرسة والجامعة وهو يحمل أدوات التفكير والفهم لا مجرد قابلية للحفظ والتلقين. أما إذا غاب هذا الدور فإننا نجد أنفسنا أمام طالب يفتقر إلى الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء. فحين يجلس الأب أو الأم مع الأبناء لمناقشة حدثٍ ما أو كتابٍ قرأوه أو فكرةٍ سمعوها، فإنهم يزرعون فيهم بذور التفكير النقدي، ويعلمونهم كيف يكونون جزءًا من مجتمعهم لا مجرد متفرجين عليه، كما أن للشارع والأصدقاء دورًا لا يقل أهمية، فهم يشكلون جزءًا من البيئة التي يتفاعل معها الأبناء يوميًا. لذلك فإن اختيار الصحبة الصالحة، وتوجيه الأبناء نحو الأنشطة المفيدة، ومتابعة سلوكهم خارج المنزل، كلها أمور تقع ضمن مسؤولية الوالدين. إضافة إلى ذلك، فإن وسائل الإعلام ومؤسسات الدولة المختلفة تتحمل دورًا تكامليًا في تعزيز القيم الثقافية والاجتماعية من خلال تقديم محتوى هادف، وخلق بيئات داعمة للنمو الفكري. إن التربية مشروعٌ مشترك تتكامل فيه الأدوار ولا تتقاطع. فوزارة التربية والتعليم تؤدي دورًا مهمًا في تنظيم العملية التعليمية وتوفير المناهج والتربية كذلك، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع وعيًا أو تبني شخصية متكاملة. هذا الدور يبدأ من البيت حيث تتشكل القيم ويتأسس الفكر ويتعلم الأبناء أين يقفون في هذا العالم المتغير من حولهم.
2991
| 22 أبريل 2026
شهدت وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي خلال الفترة الأخيرة نقلة نوعية لافتة في أساليب التعامل مع الجمهور، انعكست بشكل مباشر على مستوى رضا أولياء الأمور والطلبة في المدارس القطرية ، وساهمت في تسهيل إنجاز المعاملات بصورة غير مسبوقة. هذه الطفرة لم تكن مجرد تحسينات شكلية، بل جاءت نتيجة رؤية واضحة تهدف إلى تطوير الخدمات التعليمية والإدارية بما يتماشى مع التحول الرقمي الذي تشهده الدولة.في السابق، كان إنجاز العديد من المعاملات المتعلقة بأمور الطلاب يتطلب وقتًا طويلًا وجهدًا كبيرًا، إضافة إلى الحاجة للمتابعة المستمرة من قبل أولياء الأمور، سواء فيما يتعلق بنقل الطلبة أو استخراج الشهادات أو متابعة الطلبات المختلفة، وكانت الإجراءات تتسم أحيانًا بالتعقيد وكثرة الخطوات، مما يسبب ضغطًا وإرهاقًا للأولياء الأمور.أما اليوم، فقد تغيرت الصورة بشكل جذري. فقد عملت الوزارة على تبسيط الإجراءات وتوحيدها، مع إطلاق منصات إلكترونية متطورة تتيح للمستخدمين إنجاز معاملاتهم بسهولة وسرعة من أي مكان. وأصبح بإمكان ولي الأمر متابعة حالة الطلب بشكل فوري، دون الحاجة إلى مراجعة المكاتب أو الانتظار لفترات طويلة،هذا التحول أسهم في تقليل الجهد المبذول، ورفع مستوى الشفافية، وتعزيز الثقة بين الجمهور والمؤسسة التعليمية.ويرى كثيرون أن السر في التحول اللافت الذي شهدته وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي في الفترة الأخيرة لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة جهود قيادية ركزت على كسر الجمود الإداري وتحديث أساليب العمل، قامت بها سعادة السيدة لولوة الخاطر وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي التي ارتبط اسمها بالدفع قدما وسريعا بعجلة التطوير التي تشهدها الوزارة وإعادة النظر في عدد من الإجراءات التي ظلت لفترات طويلة دون تغيير يُذكر.فمنذ تولي سعادتها الوزارة، اتجهت الجهود نحو مراجعة شاملة للأنظمة والإجراءات، ليس فقط بهدف التحديث، بل لإزالة التعقيدات التي كانت تُعد في السابق من المسلّمات التي لا يجب التعامل معها إلا كما هي دون تغيير، إن هذا التوجه الجديد أتاح إعادة تصميم الخدمات بطريقة أكثر مرونة، وجعل تجربة أولياء الأمور والطلبة أكثر سلاسة ووضوحًا، وقد انعكس ذلك في تقليص الوقت والجهد اللازمين لإنجاز المعاملات، وتحسين آليات التواصل مع الجمهور.كما تميزت هذه المرحلة بشكل كبير وواضح بالتركيز على اعتبار أولياء الأمور شركاء أساسيين في العملية التعليمية، وليسوا مجرد متلقين للخدمة. ومن هنا، تم تطوير قنوات تواصل أكثر فاعلية، والاستماع لملاحظاتهم بشكل مباشر، والعمل على تحويلها إلى تحسينات ملموسة على أرض الواقع.ولم يقتصر التغيير على الإجراءات فقط، بل شمل أيضًا ترسيخ ثقافة مؤسسية جديدة تقوم على الابتكار والتطوير المستمر، وتشجع على المبادرة بدلاً من التمسك بالأنماط التقليدية، هذا التحول الكبير كان له أثر كبير في جعل العمل داخل الوزارة أكثر حيوية ومرونة، وأسهم في تحقيق مستوى أعلى من رضا جميع أصحاب العلاقة مع الوزارة.إن هذه الطفرة النوعية تعكس التزام الوزارة بتحقيق التميز في تقديم الخدمات، وحرصها على مواكبة التطورات العالمية في مجال الإدارة والخدمات الحكومية،كما أنها تؤكد أن الاستثمار في التكنولوجيا وتطوير الكفاءات البشرية يمكن أن يحدث فرقًا حقيقيًا في حياة الناس اليومية.وهنا يمكن التأكيد بأن هذه الجهود القيادية أسهمت في إحداث نقلة نوعية حقيقية، حيث أصبحت الخدمات أكثر كفاءة، والتعامل مع الوزارة أكثر سهولة ومرونة، بما يعكس رؤية حديثة تضع احتياجات الطلبة وأولياء الأمور في صميم أولوياتها.
2058
| 20 أبريل 2026
يُعدّ الغاز الطبيعي أحد الركائز الأساسية لمنظومة الطاقة العالمية، حيث يعتمد عليه بشكل واسع في مجالات الصناعة والتدفئة وتوليد الكهرباء. وتشير التقديرات إلى أن حجم سوقه العالمي يقترب من 1.5 تريليون دولار، مع استمرار اتجاهه نحو النمو. وترتبط قضايا الغاز الطبيعي بعوامل متشابكة، من أبرزها حجم الاحتياطيات وتوزيعها الجغرافي، إضافة إلى شبكات الأنابيب والبنية التحتية والعقود طويلة الأمد، ما يجعل هذا القطاع جزءًا من منظومة دبلوماسية معقدة. وبسبب ما يشهده من مفاوضات مكثفة وتنافس دولي وتعاون متبادل، يمكن توصيف هذه التفاعلات بمفهوم "دبلوماسية الغاز الطبيعي". أدّت الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل إلى إحداث تحولات واضحة في هذا المجال، حيث تسببت في اضطراب كبير في إمدادات الطاقة العالمية. ففي 19 مارس/آذار 2026، استهدفت إيران منشآت رأس لفان في قطر، ما ألحق أضرارًا بالبنية التحتية للإنتاج، ولو بشكل جزئي. وتُعدّ قطر من أكبر مصدّري الغاز الطبيعي في العالم، إلا أن إغلاق مضيق هرمز أجبرها على إعلان حالة «القوة القاهرة»، الأمر الذي حال دون قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه عدد من الدول في أوروبا وآسيا. كما انعكس هذا الإغلاق سلبًا على صادرات الغاز لكل من الإمارات العربية المتحدة وإيران، مما عمّق من أزمة الإمدادات على المستوى العالمي. وقبل اندلاع الحرب، كانت قطر ودول الخليج الأخرى قد حذّرت الولايات المتحدة من التداعيات الخطيرة المحتملة، وبذلت جهودًا دبلوماسية مكثفة للحيلولة دون وقوع الصراع. وتشير المعطيات إلى أن هذه المساعي أسهمت في تأجيل الحرب لفترة قصيرة. إلا أن القرار النهائي بالمضي في الحرب، والذي جاء بدفع من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبالتنسيق مع بنيامين نتنياهو، أدى إلى إلحاق أضرار كبيرة باقتصادات دول الخليج والعالم. ومن هنا، كان من الطبيعي أن تدعم هذه دول الخليج، وعلى رأسها قطر، المبادرات الرامية إلى وقف الحرب وإعادة إطلاق المسار التفاوضي. وقد أسهمت وساطة دبلوماسية قادتها باكستان بدعم من تركيا أيضا في التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، غير أن حالة عدم الاستقرار لا تزال قائمة. في هذا السياق، برزت روسيا كأحد أبرز المستفيدين من التحولات الجارية، حيث أدّى اضطراب الإمدادات من الخليج إلى زيادة اعتماد أوروبا على الغاز الروسي. كما ساهمت الأزمة في تخفيف الضغوط السياسية التي كانت تواجهها موسكو بسبب حرب أوكرانيا، خاصة بعد أن كانت تواجه مواقف أكثر تشددًا خلال إدارة جو بايدن. وعلى الرغم من سعي أوروبا إلى إنهاء اعتمادها على الغاز الروسي بحلول عام 2027، فإنها وجدت نفسها مضطرة للعودة إليه بشكل أكبر لتغطية النقص الحاد في الإمدادات. تعتمد الدول الأوروبية بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي في تشغيل اقتصادها، ما يضعها أمام تحديات معقدة في ظل الأزمة الحالية. فهي تسعى من جهة إلى احتواء تداعيات الحرب في الخليج، ومن جهة أخرى إلى تأمين مصادر بديلة للطاقة. وتُعد ألمانيا نموذجًا واضحًا لهذه المعضلة، إذ كانت تخطط لتنويع مصادرها عبر اتفاقيات مع قطر والولايات المتحدة، إلا أن هذه الخطط قد تتعثر نتيجة استمرار التوترات. كما بدأت التفكير في تعزيز الإنتاج المحلي عبر التنقيب عن الغاز داخل أراضيها، في محاولة لتجنب تراجع قطاعها الصناعي بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة. ولا يختلف وضع بقية الدول الأوروبية كثيرًا، نظرًا لترابط اقتصاداتها وتأثرها المشترك بالأزمات الخارجية. وفي ظل استمرار التوتر في مضيق هرمز، برزت كل من ليبيا والجزائر كمصادر بديلة تحظى باهتمام متزايد من قبل أوروبا. فهاتان الدولتان تستفيدان من قربهما الجغرافي وامتلاكهما موارد طاقة كبيرة، وتسعيان إلى زيادة إنتاجهما وتوسيع شبكات التصدير لتعزيز دورهما في السوق الأوروبية. كما تلعب إيطاليا دورًا محوريًا في نقل الغاز إلى بقية القارة، بينما تحاول نيجيريا زيادة صادراتها لتعزيز موقعها كمورّد بديل. بالتوازي مع ذلك، شهد قطاع الطاقة نشاطًا دبلوماسيًا مكثفًا، تمثل في زيارات واتصالات رفيعة المستوى بين الدول المعنية. فقد قامت رئيسة وزراء إيطاليا، جورجيا ميلوني، بزيارات إلى الجزائر ودول الخليج لتعزيز التعاون، كما أجرت الهند مشاورات مع قطر والإمارات بشأن الإمدادات، وزار رئيس إندونيسيا روسيا لبحث قضايا الطاقة. وتُناقش أيضًا مشاريع لنقل الغاز القطري إلى أوروبا عبر السعودية وتركيا، في إطار البحث عن مسارات بديلة وآمنة. وتشير هذه التحركات إلى أن الحرب لا تعيد فقط تشكيل ميزان القوى في سوق الطاقة، بل تمهّد أيضًا لمرحلة جديدة من التحالفات ومسارات الإمداد في إطار دبلوماسية الطاقة العالمية.
927
| 19 أبريل 2026