رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. فاطمة سعد النعيمي

* أستاذ التفسير وعلوم القرآن- كلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة قطر

مساحة إعلانية

مقالات

126

د. فاطمة سعد النعيمي

غنى القلب قبل عطاء اليد

24 أبريل 2026 , 03:19ص

ليس كلُّ معطٍ كريمًا، ولا كلُّ ممسكٍ بخيلًا؛ فثمّة سخاءٌ خفيٌّ لا يُرى بالعين، بل يُدرك حين يستغني القلب عمّا في أيدي الناس.

ليس السخاء في ميزان القرآن الكريم مجرد بذلٍ للمال، ولا هو وفرةُ العطاء فحسب، بل هو قبل ذلك حالة قلبية عميقة تُحرِّر الإنسان من التعلّق بالخلق. فكم من مُعطٍ يمدّ يده بالعطاء وقلبه أسيرُ الطمع، وكم من مُقِلٍّ لا يملك الكثير، لكنه يملك نفسًا عزيزةً غنيّةً بالله، قد استغنت عمّا في أيدي الناس، فكان سخاؤه أعظم وأبقى.

يربّي القرآن هذا المعنى تربية دقيقة، فيربط الغنى الحقيقي بالقلب لا باليد، ويجعل الاستغناء عن الناس منزلةً رفيعة. ومن أصدق ما يعبّر عن هذا المعنى ما وصف به أهل العفاف بقوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: 273]، فهؤلاء بلغوا من سموّ النفس أن من يراهم يظنّهم أغنياء، لا لكثرة ما يملكون، بل لأنهم لا يُظهرون حاجةً ولا يمدّون أعينهم إلى ما عند غيرهم.

كما يوجّه القرآن إلى تهذيب النظر القلبي قبل النظر البصري، فيقول: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [طه: 131]، وكأن الآية تُؤسس لسخاءٍ أعمق: أن يكفّ الإنسان قلبه قبل يده، وأن يتحرّر من المقارنة والتطلّع، لأن أصل الفقر ليس قلة المال، بل تعلّق النفس بما عند الآخرين.

وقد ورد عن النبي ﷺ قوله: «ومن يستعفف يُعفّه الله، ومن يستغنِ يُغنه الله»، وهو توجيه نبوي عميق يضع الغنى في موضعه الصحيح: غنى النفس لا كثرة المال. فالسخاء الحقيقي ليس أن تعطي فقط، بل أن تتحرّر أولًا، وأن يكون عطاؤك نابعًا من قلبٍ مستغنٍ، لا من نفسٍ متطلّعة.

ومن لطائف الهدي القرآني أن يجعل البذل تابعًا لهذا الأصل القلبي، لا قائمًا مقامه. فالسخاء بالبذل محمود، لكنه قد يعتريه الرياء أو طلب المدح أو الشعور بالتفوّق، أما السخاء عمّا في أيدي الناس فهو عمل خفيّ، لا يطّلع عليه إلا الله، لأنه فعل قلبي يُطهّر النفس من داء الحسد والتنافس الدنيوي.

إن النفس إذا تعلّقت بما عند الآخرين، لم تهدأ، وإن كثرت مواردها؛ وإذا استغنت بالله، سكنت واطمأنّت، ولو قلّ ما في يدها. ولهذا يردّ القرآن الإنسان إلى مصدر الغنى الحقيقي: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: 210]، فحين يستقرّ هذا المعنى، تتبدّل نظرته للحياة، فلا يرى ما في أيدي الناس غاية، بل يرى ما عند الله خيرًا وأبقى.

ومن هنا يمكن القول إن سخاء النفس عمّا في أيدي الناس هو أصل كل سخاء، لأنه يحرّر القلب أولًا، ثم يزكّي العمل بعد ذلك. فإذا اجتمع هذا مع البذل، اكتمل السخاء، وصار العطاء نقيًّا من شوائب النفس، متجهًا إلى الله وحده.

وهكذا يصوغ القرآن إنسانًا كريمًا في باطنه قبل ظاهره، غنيًّا في قلبه قبل ماله، يعطي وهو مستغنٍ، ويزهد وهو قادر، فتكون كرامته في استغنائه، وسخاؤه في علوّ نفسه، لا في كثرة ما يملك.

مساحة إعلانية