رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سعدية مفرح

كاتبة كويتية

مساحة إعلانية

مقالات

207

سعدية مفرح

يعيشون على الهامش!

28 يونيو 2026 , 11:25م

يحدث كل يوم أن يمرّ أشخاص كثيرون أمامنا من غير أن يتركوا أثرًا في انتباهنا، مع أنهم يحملون حيوات كاملة، وأحلامًا مؤجلة، وكرامات خاضت معاركها بصمت. نعبرهم في الشارع، ونلتقيهم في المؤسسات، ثم نمضي وكأن وجودهم مجرد تفصيل عابر. ومع الوقت يتكوّن هامش واسع، لا تصنعه الجغرافيا ولا الاقتصاد وحدهما، وإنما تصنعه نظرة المجتمع حين يقرر، من غير إعلان، مَن يستحق أن يُرى، ومَن يظل خارج إطار الصورة.

الهامش ليس مكانًا واحدًا، ولا يضم فئة واحدة. إنه مساحة تتسع كل يوم لمن لم يجد نافذة يطل منها على الآخرين. هناك مبدع يكتب أجمل ما لديه ولا يصل إليه ناشر ولا صحيفة ولا مؤسسة ثقافية، فيبقى نصه حبيس الأدراج، بينما تمتلئ المنصات بأعمال أقل قيمة وأكثر قدرة على التسويق. وهناك صاحب موهبة نادرة عاش عمره كله ينتظر من يلتفت إلى ما يصنعه، حتى انتهى به الأمر إلى إقناع نفسه بأن موهبته كانت مجرد سوء تفاهم مع الحياة.

وفي زاوية أخرى يجلس كبار السن. لا يحتاجون إلى كثير من الأشياء، وإنما إلى شعور بسيط بأن أعمارهم الطويلة لم تتحول إلى أثاث قديم في البيت. يحملون ذاكرة عائلات كاملة، ويعرفون أسماء الذين رحلوا، ويحفظون الحكايات التي صنعت الأمكنة، ثم يكتشفون فجأة أن أحدًا لم يعد يطلب منهم رواية تلك الحكايات. يتحول الصمت، مع الأيام، إلى رفيق دائم، ويصبح الانتظار عادة ثقيلة، بينما يمضي الجميع مسرعين نحو ما يظنون أنه المستقبل.

الهامش يضم أيضًا أولئك الذين يملكون حساسية زائدة تجاه العالم.

أشخاص لا يجيدون الصراخ، ولا يعرفون طرق المزاحمة، ولا يرفعون أصواتهم في الاجتماعات، فيظن الآخرون أنهم بلا رأي. بينما الحقيقة أنهم غالبًا أكثر من يفكر، وأكثر من يرى التفاصيل التي يغفل عنها الجميع. المجتمعات تكافئ من يحسن الظهور أكثر مما تكافئ من يحسن العمل، ولهذا يخسر كثيرون معركة لم يختاروا خوضها أصلًا.

وأحسب أن أكثر ما يؤلم في حياة هؤلاء أنهم لا يطالبون بالمستحيل. إنهم يبحثون عن اعتراف عادل، وعن فرصة متكافئة، وعن كلمة تقدير تأتي في وقتها، وعن يد تمتد إليهم قبل أن يبتلعهم اليأس. فالإقصاء لا يبدأ بقرار كبير، وإنما يبدأ بإهمال صغير يتكرر حتى يصبح نظامًا كاملًا للحياة.

كم من مشروع ثقافي وُلد على الهامش ثم غيّر الوعي العام حين وجد من يؤمن به. وكم من شاعر ظل مجهولًا سنوات طويلة قبل أن يكتشفه قارئ واحد. وكم من امرأة حملت موهبة استثنائية، لكنها انشغلت بالدفاع عن حقها في الوجود قبل أن تدافع عن حقها في الإبداع. وكم من رجل أفنى عمره في خدمة الآخرين ثم وجد نفسه وحيدًا عندما أصبح هو في حاجة إلى من يسأل عنه.

المجتمعات تُقاس أيضًا بطريقة تعاملها مع الذين لا يملكون نفوذًا ولا شهرة ولا قدرة على فرض حضورهم. فالقيمة الأخلاقية لأي مجتمع تظهر عند حوافه أكثر مما تظهر في مركزه. هناك، على الأطراف، تتجلى حقيقة العدالة، وحقيقة الثقافة، وحقيقة الشعارات التي تتردد كثيرًا عن الكرامة والمساواة. أما المركز فيملك دائمًا من يدافع عنه، بينما يبقى الهامش في حاجة إلى من يمنحه حق الكلام.

وأظن أن الكتابة نفسها وُجدت لكي تمدّ يدها إلى هؤلاء. ليست مهمتها أن تصف الوجوه اللامعة وحدها، وإنما أن تلتقط الوجوه التي يمرّ بها الجميع من غير التفات. فالأدب، حين يؤدي رسالته، يعيد ترتيب الضوء، ويمنح المساحة لمن حُرم منها طويلًا، ويذكّر بأن الحكايات الكبرى تبدأ أحيانًا من أشخاص لم يضعهم أحد في حساباته.

لهذا أخشى دائمًا من مجتمع يتقن الاحتفاء بمن يقفون في الصف الأول، ويعجز عن رؤية الواقفين في آخر الصف. فالهامش ليس قدرًا ثابتًا، وإنما نتيجة خيارات بشرية قابلة للتغيير. وما يحتاجه كثير من هؤلاء ليس معجزة، وإنما عين ترى، وقلب ينصف، وفرصة تأتي في موعدها، لأن حياة كاملة قد تتبدل حين يشعر صاحبها، ولو مرة واحدة، أنه مرئي، وأن وجوده لم يعد سطرًا منسيًا على هامش الصفحة.

اقرأ المزيد

إذاعة قطر.. هذا الصرح الكبير إذاعة قطر.. هذا الصرح الكبير

منذ أيام وبتاريخ ٢٥/ ٦ /٢٠٢٦ احتفلت إذاعة قطر بمرور ٥٨ عاما على انطلاقها عبر الأثير، فحمدت الله... اقرأ المزيد

213

| 05 يوليو 2026

الكفاءات الطبية.. بين الاستغناء والاستقطاب الكفاءات الطبية.. بين الاستغناء والاستقطاب

حين يرحل صاحب الكفاءة والخبرة الطويلة من موقعه الوظيفي بعد سنوات من العطاء والانتاج والإخلاص، وكسب السمعة الطيبة... اقرأ المزيد

183

| 05 يوليو 2026

بعد أزمة هرمز.. هل حان وقت حصر الشركات المتضررة ومساندتها؟ بعد أزمة هرمز.. هل حان وقت حصر الشركات المتضررة ومساندتها؟

لم يكن إغلاق مضيق هرمز مجرد أزمة جيوسياسية عابرة، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على حماية اقتصاداتها،... اقرأ المزيد

2397

| 04 يوليو 2026

مساحة إعلانية