رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

بابكر عثمان

بابكر عثمان

مساحة إعلانية

مقالات

135

بابكر عثمان

رحلة سلاسل الإمداد والتوريد الشاقة

28 أكتوبر 2026 , 12:00ص

في عام 2019، لم تكن كلمة «سلاسل الإمداد» ترفاً أكاديمياً في قطر، بل كانت ضرورة وجودية، كانت الدولة تعيش عامها الثاني تحت الحصار، بعد إغلاق المنافذ البرية والجوية في يونيو 2017. في ذلك السياق، انطلق المؤتمر الأول لسلاسل الإمداد والتوريد كمنصة وطنية لإعادة تعريف العلاقة مع العالم. لم يكن الحديث عن «الشراكات العالمية» شعاراً؛ كان استراتيجية بقاء. ميناء حمد، الذي فُتح قبل الحصار بأشهر قليلة، تحول إلى شريان حياة، والمؤتمر الأول جاء ليقول إن قطر لم تكتفِ بالصمود، بل بدأت تبني نموذجاً لوجستياً جديداً.

ثم جاء المؤتمر الثاني، وكان العالم مختلفاً. بحلول عام 2022، كانت جائحة كورونا قد ضربت كل سلاسل التوريد على الكوكب. اختناقات الموانئ، وارتفاع أسعار الحاويات بنسب تجاوزت 60%، والحرب في أوكرانيا، كلها عوامل جعلت «أزمة سلاسل الإمداد» مصطلحاً يومياً. في تلك النسخة، لم يكن السؤال كيف نحمي قطر فقط، بل كيف نحمي العالم؟ تحدث خبراء عن تنويع المصادر، وعن ضرورة التدخل الحكومي، وعن أن الموانئ الخليجية، بما فيها القطرية، أظهرت مرونة لافتة في وقت كانت موانئ كبرى في الصين والولايات المتحدة تغلق أبوابها. كانت قطر قد انتقلت من موقع «المتأثر» إلى موقع «المساهم في الحل».

وبحلول النسخة الثالثة في ديسمبر 2024، كان العالم يلتقط أنفاسه، جاء المؤتمر تحت شعار «تحديات التعافي ما بعد الأزمات». كان الحديث عن التحول الرقمي، والممارسات الخضراء، وعن دروس البحر الأحمر التي بدأت تلوح في الأفق. حشدت قطر متحدثين من حول العالم، لكن النبرة كانت مختلفة: لم تعد الأسئلة تدور حول كيفية النجاة، بل حول كيفية البناء على ما تحقق. قطر كانت قد رسّخت مكانتها كمركز لوجستي إقليمي، والحديث عن «التعافي» كان يعني الانتقال إلى مرحلة أكثر تنظيماً واستدامة.

والآن، في النسخة الرابعة، عادت الأجواء إلى الاضطراب. منذ شهور، ومضيق هرمز مغلق أو شبه مغلق أمام حركة الملاحة الطبيعية. الحرب على إيران، والاعتداءات على الناقلات، وحتى استهداف مصنع رأس لفان، كلها جعلت السؤال الملحّ: كيف تُصدّر قطر غازها، وكيف تستورد ما تحتاجه، إذا كان الممر البحري الوحيد إلى العالم تحت تهديد دائم؟. في مؤتمر هذا العام، لم يكن الحديث عن الاضطراب نظرياً، كان حاضراً في كل جلسة. لكن الأهم أن قطر بدأت تفكر بجدية في ما بعد هرمز. الحديث الآن عن ربط سككي مع المملكة العربية السعودية، بقطار سريع يقطع 785 كيلومتراً بين الرياض والدوحة في نحو ساعتين، وعن مسارات برية جديدة مع سلطنة عمان. هذه ليست مجرد مشاريع بنية تحتية؛ إنها إعادة رسم لخريطة الوصول. إذا كان البحر غير مأمون، فالباب إلى البر واسع، والجيران موجودون.

وهنا لا بد من الإشادة بجريدة «الشرق» التي خلقت هذه المنصة الفريدة بالشراكة مع وزارة المواصلات، فمنذ النسخة الأولى وحتى الرابعة، كانت الجريدة هي المؤسس الفعلي والمنظم المتميز لهذا التجمع الذي لم يكتفِ بنقل الأحداث، بل صنعها، وجمع تحت مظلته صنّاع القرار والخبراء من حول العالم، ليصبح مؤتمر سلاسل الإمداد والتوريد في قطر مرجعاً إقليمياً ودولياً في لحظات فارقة من تاريخ التجارة العالمية.

هكذا بدأت رحلتنا في عام ٢٠١٩ وكان لي شرف أن أكون جزءا من تنظيم هذه الرحلة بمعية الأستاذ جابر سالم الحرمي، بدأنا في وقت كانت فيه المنافذ، مغلقة إلى جائحة أغلقت العالم، ثم إلى تعافٍ هشّ، والآن مضيق يهدد بالانغلاق من جديد.

 في كل مرحلة، كانت سلاسل الإمداد والتوريد في قطر تتغير، لكنها لم تتوقف. والمؤتمر، في نسخه الأربع، لم يكن مجرد منصة للكلام؛ كان مرآة لتحولات أكبر من أي جدول أعمال.

مساحة إعلانية