رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
امل الامة فى أجيال الشباب التي لم تنكسر ولم تتلوث
لأن أفق العام الجديد يبدو معتما أكثر من سابقه، فلا أعرف ما إذا كان لا يزال لدينا طاقة لاحتمال مزيد من الشدائد أم لا، حيث يبدو أننا نسيج مختلف عن غيرنا ممن تنفرج أحوالهم حين تبلغ بهم الشدائد مبلغها، أما في حالتنا فإنها تشتد علينا كل حين، لكننا نفاجأ بأنها تزداد شدة بعد ذلك، الأمر الذي أشاع بيننا قدرا كبيرا من الخوف على المستقبل ومنه، ليس على مصر وحدها ولكن على العالم العربي بأسره.
(1)
من كان يتصور مثلا أن يتم «تقفيل» مصر في نهاية العام، وأن تجري بها انتخابات تشيع بيننا الفزع على الحاضر والمستقبل؟ من كان يتصور أن تنتقل مصر خلال خمسين عاما من القومية إلى القطرية، ومن الاشتراكية المنقوصة إلى الرأسمالية المغشوشة، ومن الحزب الواحد إلى التعددية الشكلية، إلى الديمقراطية المزورة و«المضروبة».
من يصدق أن مصر التي وقفت يوما ما إلى جانب حركات التحرير في إفريقيا حتى ساندتهم بالرجال والعتاد، هي ذاتها التي تحاصر قطاع غزة، وتلاحق المقاومين وتلقي بهم في غياهب سجونها ومعتقلاتها.
إن رسالة الانتخابات التشريعية إلى التيارات والقوى الداعية إلى الإصلاح والتعبير في مصر تتلخص في الآتي: أن أفق المشاركة في العمل العام مسدود، إذ طالما خرجت من بيت الطاعة ولم تنسق مع السلطة فليس مسموحا لها بأن تنجح في الانتخابات التشريعية، أو أن تنشط في النقابات المهنية، أو أن تتواجد في الاتحادات الطلابية أو أن تشارك في منظمات المجتمع المدني، وليس أمامها سوى أحد حلين: إما أن تقدم على الانتحار وتخرج من الساحة تماما، أو أن تنخرط في العمل السري بكل شروره ومخاطره.
في ظل التقفيل يتراجع دور الجماهير وحضورها، ويصبح الحضور حكرا على الأجهزة الأمنية وحدها، لأن أي نظام حينما لا يتكئ على قاعدته الشعبية، فإن البديل الوحيد الذي يمكن أن يعول عليه هو أجهزته الأمنية، الأمر الذي يسهم في قتامة الصورة.،
فصَّلت من قبل في أصداء عواقب سياسة «تقفيل مصر» التي تبلورت ودخلت حيز التنفيذ على أرض الواقع في نهايات العام الحالي، وكان ظننا أن التعديلات الدستورية التي تمت في سنة 2007 استهدفت تقفيل مستويات معينة من مراتب السلطة العليا لصالح استمرار القيادة الحالية للنظام، لكننا اكتشفنا بعد ذلك أن دائرة التقفيل أوسع بكثير مما ظننا بحيث أدت من الناحية العملية إلى «تأميم» السياسة والإعلام والجامعات والقضاء وإلحاقها بالسلطة بصورة أو أخرى.
من حقنا أن نتساءل في ضوء خبرتنا بما جرى أثناء الانتخابات التشريعية، عما يمكن أن يحدث في العام المقبل عندما يحل موعد الانتخابات الرئاسية في ربعه الأخير، خصوصا أننا نعلم أن الخطوات التي تمت في العام المنقضي موصولة بالتمهيد لتلك الانتخابات.
(2)
من المفارقات أن هذه الصورة التي أصبحت عليها مصر في الداخل تشكلت في ظل شعار «مصر أولا»، الذي فهم بحسبانه عنوانا لإصلاح البيت من الداخل، والنهوض به، لكن التجربة أثبتت أنه كان دعوة للانسحاب من الخارج وتكريسا للعزلة التي ترتبت على توقع اتفاقيات كامب ديفيد، آية ذلك أن مصر حين لم تحقق الإصلاح المأمول في الداخل، فإنها خارجيا انخرطت فيما سمى بمعسكر الاعتدال، وهو مربع الموالاة للأمريكيين والإسرائيليين، وهذا الانخراط أسهم مع عوامل أخرى في تسليم ملف القضية الفلسطينية للولايات المتحدة، التي وظفته لصالح الاحتلال الإسرائيلي، ولم يعد لمصر دور في القضية الفلسطينية ــ إلى جانب حصار غزة ــ سوى ممارسة الضغط على حركة حماس والجهاد الإسلامي للتوقيع على ورقة المصالحة مع فتح المرفوضة من جانب الحركتين، في الوقت ذاته اصطفت مصر إلى جانب المعادين لإيران والمخاصمين لسوريا والمنحازين إلى حركة 14 مارس في لبنان، وهو الانحياز الذي فتح الباب لتسريب شائعات عديدة حول الدعم الذي تقدمه مصر لتيار الحريري وجماعته (الأقرب إلى محور الاعتدال).
على صعيد آخر فليس واضحا حجم إسهام تراجع السياسة الخارجية المصرية في الأزمة التي أثيرت بشأن مياه النيل والدعوة التي انطلقت لإعادة النظر في حصص الدول المطلة عليه، ولكن الحاصل أن تلك الأزمة تفاقمت، إلى الحد الذي أدى إلى توتير علاقة مصر بدول المنبع، وادعاء رئيس الوزراء الإثيوبي أن مصر تلوح بفكرة الحرب في تعاملها مع ملف مياه النيل.
اتصالا بهذه النقطة فإن عددا غير قليل من المثقفين السودانيين يحمِّلون مصر قسطا من المسؤولية عن التدهور الذي حدث في علاقة الشمال بالجنوب، الأمر الذي يقدر البعض أنه سيفضي إلى انفصال الجنوب واستقلاله بعد الاستفتاء المزمع إجراؤه في التاسع من شهر يناير المقبل، وإذا ما تحقق ذلك فإن مصر ستكون ضمن أكثر المتضررين، لسببين أولهما أن جنوب السودان المستقل سيكون بمثابة دولة جديدة يفترض أن تطالب بحقوقها في مياه النيل، وثانيهما أن الجنوب سيتحول إلى قاعدة عسكرية إسرائيلية وأمريكية، وهذه تستهدف مصر قبل السودان بطبيعة الحال.
(3)
إذا تلفتنا حولنا في العالم العربي فسنجد ما يلي:?< السودان مهدد بانقسام وشيك يؤدي إلى استقلال الجنوب، ويفتح الباب لاحتمالات تمزق البلد، خصوصا أن قادة التمرد في دارفور أصبحوا يطالبون بحكم ذاتي ينتهي باستقلالهم.
< فلسطين تصفى فيها القضية بالتدريج، في ظل الصمت العربي والتقاعس الفلسطيني، الذي لا يخلو من تواطؤ من جانب البعض ــ فقد فشلت كل المفاوضات التي أجريت بين الطرفين، وعجزت الولايات المتحدة عن تجميد الاستيطان، وأعلنت عن تراجعها عن الوعود التي سبق أن أطلقها الرئيس أوباما بهذا الخصوص، وهناك كلام عن تشجيع الرئيس الأمريكي لفكرة إغلاق ملف القضية في العام الجديد، أملا في أن يؤدي ذلك إلى زيادة شعبيته بين اليهود وحلفائهم، مما يمكنه من التجديد لمدة ثانية.
< العراق على كف عفريت كما يقال، فبعد تدمير البلد، لوح الأكراد بالانفصال استنادا على حق تقرير المصير، وهو ما شجع أهل السنة في البصرة على المطالبة بالحكم الذاتي أيضا، لاقتناعهم بأن لهم حقا في ثروة النفط في إقليمهم.
< إن لعنة التصدع والانفصال تضرب اليمن بقوة، ذلك أن الحكومة المركزية تحارب على جهتين، الحوثيون في الشمال والحراك الجنوبي في الجنوب، ذلك إلى جانب العناصر التي تتسبب نفسها إلى تنظيم القاعدة، وهي اشتباكات تجعل الوضع الداخلي هشا بدرجة تهدد بتمزق الوطن وتشرذمه.
< لبنان أيضا يغلي ويوشك على الانفجار طول الوقت، وعمليا فالبلد منقسم الآن بشدة بين السنة والشيعة من ناحية، وبين تياري 14 و8 مارس من ناحية ثانية، ويشكل موضوع المحكمة الدولية عنصر تفجير قويا في الوقت الراهن، جراء اقتناع قيادة حزب الله بأن رأس الحزب مطلوب في هذه القضية، من خلال توريطه في جريمة القتل.
< التوتر قائم بين المغرب والجزائر، وموضوع الصحراء يزداد تعقيدا، لدرجة أن الصحف المغربية بدأت الحديث عن احتمالات حرب بين البلدين وقضية الأمازيغ أو البربر تمثل لغما موقوتا في البلدين قابلا للانفجار في أي لحظة.
< الصومال العضو المنسي في الجامعة العربية أصبح حالة قصوى للدولة الفاشلة أو اللادولة.
ــ هذا التشرذم لم يقف أثره عند حدود إضعاف وزن الأمة وغياب دورها، وإنما ترتبت عليه ثلاث نتائج مهمة، الأولى أنه حوّل الأمة العربية إلى جسد بلا رأس وأحيانا بلا عقل، الثانية أنه أدى إلى انهيار النظام العربي، واعتماد أغلب الدول العربية على القوى الخارجية، الأمر الذي يعني أن الانتداب والوصاية اللذين فرضا على العرب بعد الحرب العالمية الأولى، وتخلصا منه بعد ذلك عادا مرة أخرى في الألفية الثانية برغبة وطلب عربيين، أما النتيجة الثالثة فهي أن الفراغ المخيم على المنطقة استدعى ثلاث دول غير عربية لكي تنزل إلى الساحة وتسعى للعب أدوار مختلفة فيها، وهذه الدول هي: إسرائيل وإيران وتركيا.
4
من مفارقات الأقدار أنه حين يخرج العرب من عام 2010 مشتتين، ومعولين على «الوصي» الأمريكي كسند حينا، وكحارس في أحيان أخرى، فإن ذلك «الوصي» يتأهب في العام الجديد لرفع يده عن الكثير من الملفات التي تورط فيها، وليس ذلك مجرد استنتاج لأن المعلومات التي خرجت من واشنطن خلال شهر ديسمبر الحالي بوجه أخص تشير إلى أن السياسة الخارجية الأمريكية بصدد التغير في منطقة الشرق الأوسط، وهناك أسباب عدة لذلك على رأسها الفشل الأمريكي في العراق وأفغانستان، والانتكاسة التي منيت بها سياسة الولايات المتحدة في الموضوع الفلسطيني.
تشير تلك المعلومات أيضا إلى أن الولايات المتحدة بصدد التفاهم مع إيران وحل المشاكل العالقة بينهما، وأن الاجتماع الذي تم خلال الشهر الحالي بين الجانبين في جنيف كان مخصصا لهذا الموضوع، ولم يبحث فيه موضوع الملف النووي، الذي نوقش في اجتماعات إسطنبول، في هذا السياق سمعت من مصدر سوري التقى في واشنطن مؤخرا مستشار الأمن القومي الأسبق بريجنسكي الذي ينشط ضمن الفريق الذي يتعامل مع ملف الشرق الأوسط أن واشنطن أصبحت تستبعد فكرة الحرب على إيران، وأنها حذرت حكومة تل أبيب من الإقدام من جانبها على هذه الخطوة (استبعاد الحرب لا يلغي احتمال توجيه ضربات إسرائيلية مفاجئة إلى أهداف إيرانية، وإن أضعفها بدورها)، وبلغني من مصدر آخر أن السيد جو بايدن نائب الرئيس الأمريكي قال في اجتماع لعدد من الخبراء والدبلوماسيين الأمريكيين إن إيران ليست عدوا لواشنطن، ولكنها فقط على خلاف شديد معها، وأن الإدارة الأمريكية أدركت أن لها مصلحة أكيدة في التفاهم مع طهران، مشيراً إلى أن القيادة الشيعية أقدر على ضبط سلوك المتطرفين الشيعة، في حين أن الأنظمة السنية عجزت عن ذلك،
معلوماتي أن هذه الرسالة وصلت إلى قيادات المنطقة، وأن تحركات كويتية أخيرة على صلة بها، وأن زيارة أمير قطر إلى طهران قبل أسبوعين كانت في السياق ذاته، وأن الرسائل التي تم تبادلها بين طهران والعاصمة الأردنية عمان لم تكن بعيدة عن هذه الخلفية.
رغم أنه ليس هناك آخر كلام في السياسة، وأن حسابات المصالح يمكن أن تغير القرار السياسي في أي لحظة، فإن هذه المعلومات إذا صحت فإنها تعني أن العام الجديد سيكون مسكونا بمفاجآت كثيرة قد تؤدي إلى مضاعفة الأحزان في العالم العربي، وزيادة الاستعلاء الإسرائيلي، الذي أخشى أن يكون الرابح في كل ما يجري، ليس لقوة فيه ولكن لوهن وانكسار الأنظمة العربية،
إذا كفكفت الدمع وسألتني عن مكان الأمل في تلك العتمة الموحشة، فردي أن أملنا الوحيد أولا في عفو الله أكثر من عدله، وثانيا في أجيال شبابنا التي لم تنكسر ولم تتلوث، شباب من جنسنا ولكنهم ليسوا مثلنا.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2627
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1003
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
657
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8901
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4818
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3441
| 23 سبتمبر 2026