رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الله ناصر عباده ولو كره الكارهون، وأن هذا الدين «يبلغ ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر، إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزًّا يعز الله به الإسلام، وذلًّا يذل الله به الكفر» أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
التدبيرات الإلهية لأمور وقعت أو ما زالت تقع أمامنا، يقلب الله بها الموازين المادية والقوانين الوضعية في حياة الناس، كثيرة ومتنوعة في التاريخ البشري، وليس شرطاً أن يستوعبها منطقنا البشري القاصر، وإن كان لا يمنع من اعتبارها فرصة للتأمل والتدبر، وما قصص معركة بدر، وموسى مع فرعون، ويوسف وإخوته، وقطز مع المغول، إلا غيضاً من فيض.
ما القصة؟
بالطبع لا حدث يعلو على أحداث غزة، ولا يمكنك الحديث عن قضية إلا وجدت نفسك تربطها بغزة بصورة وأخرى. فالأمر لم يعد عادياً يمكنك المرور عليه مرور الكرام كما السنوات السابقة. التضحيات الكثيرة المبذولة في تلك البقعة الضيقة، والمشاهد غير المتوقعة، تدفع بمن في قلبه مثقال ذرة من حس وشعور بالمسؤولية وقبل ذلك إيمان بالله، إلى التوقف برهة أمام ما يجري في غزة. الأمر صار يستحق كثير تأمل ودراسة، ولا أشك لحظة في أن أعداء هذه الأمة قد انهمكوا قبلنا سريعاً في دراسة ما يجري منذ طوفان الأقصى. هذه المرة ليست ككل المرات السابقة كما أسلفنا، حين كانت تأتي القوات الصهيونية وتقصف غزة أياماً، وتهدم بيوتاً وتقتل بشراً، لتتعالى بعد ذلك أصوات هنا وهناك بالتنديد والاستنكار، ثم تهدأ الأمور فتقف عمليات إطلاق النار، ويعود الناس إلى حياتهم..
هذا السيناريو هو الذي توقعه كثيرون منذ بدايات أكتوبر الفائت، وذهب البعض إلى أن أسبوعين إلى شهر، هي مدة متوقعة ولن تزيد الحرب أو إن صح التعبير، العدوان الصهيوني على غزة أكثر من شهر.. لكن يمضي أكتوبر ليحل محله نوفمبر ثم ديسمبر، وهكذا المشهد حي مستمر ونحن على أبواب شهر مارس أو السادس للمواجهة، والتي تعتبر أطول مواجهة عسكرية بين محتلين مجرمين وأصحاب حق مؤمنين.
إن هذه المدة غير المتوقعة لهذه المواجهة العسكرية، وهذا الصمود المبهر لحركة المقاومة الإسلامية في غزة، وسقوط آلاف القتلى والجرحى والمعاقين من الطرف المحتل المجرم، وتغير دراماتيكي للمزاج العالمي تجاه الدولة الصهيونية المحتلة لأول مرة منذ سرقة فلسطين في أربعينيات القرن الفائت، واستمرار حركة التظاهر ضد المحتلين حول العالم، بل وزيادة معدلات البحث عن جذور المشكلة، وانكشاف أمر الصهاينة المجرمين لملايين البشر، لا سيما الشباب منهم، كلها مؤشرات ودلائل على أمر لا يجب أن يمر مرور الكرام علينا نحن المسلمين، بل هذا ما يجب التفكر فيه ملياً..
غزة.. حسابات سماوية
لن أخشى أو أتردد في القول بأن ما يحدث إلى يوم الناس هذا في غزة، ليس تدبيراً بشرياً، وليست من حسابات البشر، وإن بدا لنا أنها من صنعهم، لكن في رأيي الشخصي، الأمر تعمق أكثر. نعم، الأحداث بدأ بها البشر، لكن وفق تدبير إلهي، أو حسابات سماوية خارج نطاق البشر، ولن تظهر بالطبع أمرها لمن يفسرون الأمور بشكل مادي بحت، لكن من يتأمل مجريات الأحداث، سيجد أنها قد خرجت عن نطاقات حسابات البشر المادية، بل لا يمكن أن يخرج المتأمل المؤمن لهذه الأحداث بنتيجة غير هذا.. أي أن للسماء كلمتها فيما يجري.. فماذا يعني هذا؟
أمثلة من الأحداث المفصلية في التاريخ البشري وقعت بتدبير إلهي، وإن ظن الناس لسنوات طوال أنها من صنع البشر، ولا علاقة للسماء بها. خذ مثال ذلك ما كان في مصر أيام الفراعنة، وظلمهم لبني إسرائيل سنوات طوال، حتى جاء وقت تغيير هذا الظلم وزواله، ليبدأ التدبير الإلهي لخلاص بني إسرائيل من العذاب الذي كانوا عليه، لتكون قصة موسى والنهر وتربية آل فرعون له منذ الصغر، وبقية أحداث تنتهي عند البحر، حين شعر بنو إسرائيل أن نهايتهم قد دنت. فالبحر أمامهم والعدو من خلفهم، فيحدث انشطار البحر وتصفية فرعون وجنوده في لحظات، ليتغير وجه التاريخ، ويأتي من يحكم مصر غير الفراعنة.
مثال آخر نعزز به القصة الأولى، لنتأمل التدبير الإلهي المحكم الذي أدى نهاية الأمر إلى معركة بدر الكبرى، ليفرق الله بها بين الحق والباطل، بين فئة مؤمنة مستضعفة لاقت صنوفاً من العذاب، وخسرت المال والأرض والكثير من الأرواح، وفئة ظالمة متجبرة، لم تكتف بظلمها في مكة، بل أرادت تصديره للخارج، والوصول إلى حيث الفئة المؤمنة في المدينة المنورة، من أجل مسحها من الوجود، فكان الترتيب أو التدبير الإلهي لمعركة لم يخرج لها المسلمون أساساً، لكن الله أرادها معركة حقيقية، كي يخرج صناديد قريش وأكابر مجرميها، ليحدث ما حدث وتهتز بعدها القبيلة المهابة في الجزيرة، تمهيداً لتغير واقع سيبدأ من يوم انتصار المسلمين على الكافرين في بدر.
طوفان الأقصى تغيير للواقع
هكذا الآن نشعر بأن الأمور تسير في غزة. طوفان الأقصى وما ترتب أو ما زال يترتب عليه، ليس سوى تهيئة الأرضية المناسبة لتحول سياسي دولي لم يكن في حسبان أو مخططات العدو، ولا من يسانده من الغرب أو الشرق. بدأ جل العالم يشعر بضرورة وضع حد لهذا الظلم الصهيوني المدعوم غربياً، ولابد أن ينتهي أو يتم كبح جماحه لكيلا يتواصل ويتمدد وينتشر، حتى إذا ما تم كبحه ووقفه عند الحد الذي بلغه، يبدأ هذا الظلم بالانحسار شيئاً فشيئا حتى يعود صاغراً من حيث أتى. منطقياً وبحساباتنا البشرية، لا يمكن تفسير ما يحدث من صمود وقدرة المقاومة الإسلامية في غزة على البقاء فاعلاً مؤثراً، ميدانياً وسياسياً إلى يوم الناس هذا، على رغم قوة العدو والفارق الهائل بين الطرفين في العدد والعتاد، والدعم الغربي اللامحدود وخاصة في الأشهر الأولى، إلا التسليم والإيمان بأن هناك أمراً ما يثبت هذه القلة، بل ويدفعها لمقارعة العدو وإلحاق الأذى به.
لابد أن أمراً ما في الطريق لأن يحدث ويقع. لن تكون كل هذه التضحيات بلا مشهد قادم يسر المؤمنين، ويكون حسرة على الكافرين ومن معهم من منافقين ومخذلين ومرجفين. إنك حين ترى تحرك قوى رسمية وشعبية، على شكل دول ومؤسسات ومنظمات وجماهير من خارج الملة والإقليم تناصر الحق الفلسطيني، على رغم أن ما يجري قد جرى عشرات المرات، لابد وأن تتساءل عن السر في هذا، ولماذا لم يهدأ العالم؟
الجواب بكل اختصار، أن تدبيراً إلهياً للأحداث هو من يدير هذه الحراكات والحشود ولا يريد لها أن تقف، وفي الوقت نفسه يدبر أمور المقاومين، ويخلخل صفوف الأعداء والمساندين له، ليقضي الله أمراً كان مفعولا، ولا يعلم جنود ربك إلا هو. هكذا ننظر للأحداث، وهكذا نريد كل مؤمن بالله ورسوله أن ينظر إليها، ويثق بأن الله لن يخذل عباده المؤمنين المرابطين المجاهدين في غزة، ولن يجعل للكافرين عليهم سبيلا بعد الآن. وثقتنا في الله كبيرة في أن الكثير الكثير من الأمور ستتغير بعد توقف الأحداث، بل لابد أن تتغير، لأن « الله ليملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته « كما في الحديث الصحيح، وهذا هو ما ننتظره عما قريب بإذن الله.
سيقولون متى هو، قل عسى أن يكون قريبا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12138
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
9744
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3459
| 22 أكتوبر 2026