رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
على غرار العادة – وبئست العادة تلك – عندما يُقتل الأبرياء وتُنتهك الأعراض وتُسفك الدماء وتُزهق الأرواح في جزء جريح من العالم العربي والإسلامي تجد أن العرب قد عقدوا العزم على إقامة مؤتمر قمة أو الاجتماع لبحث هذا الوضع أو ذاك بعد أن تكون الأرواح قد أُزهقت والأعراض انتهكت والأنفس قُتلت وبعد أن ارتكب المجرم أغلب وأبشع جرائمه دون حسيب أو رقيب كما يفعل الآن المجرم بشار الأسد وأعوانه الأنذال الأوغاد في أهل سوريا حيث تُرتكب المجازر يومياً وتدور رحى حرب الإبادة على مدن بأكملها على أرض سوريا ويتشرد أهلنا هناك إلى الشمال حيث تركيا "المسلمة" يلجأون إليها بعد أن يئسوا من بعض العرب الذين لم ينطقوا ببنت شفة تجاه المجرم القاتل باستثناء دول معدودة (قطر والسعودية وتركيا وليبيا) اتخذت إجراءات "عملية" لا نظرية من أصل اثنين وعشرين دولة عربية أو من أصل سبع وخمسين دولة إسلامية "على الأقل".. إنها مأساة فعلاً أن نُصبح غثاء كغثاء السيل.. فلا نتحرك ولا نشعر بإخواننا هناك، ففي الوقت الذي ترتفع فيه إلى السماء أرواح طاهرة للشهداء في سوريا.. تتنزل لعائن السماء وغضب الله عز وجل على آخرين في العالم العربي والإسلامي لم ينصروا أخاهم لا مظلوماً ولا مأسوراً ولا مقتولاً ولا حتى جثة هامدة!
إن ما جرى ويجري الآن على أيدي القوات النظامية البعثية "المحتلة" لأرض سوريا الطاهرة ليجعل الصخر ينطق والحجر يتصدع من جراء تلك الآهات والصرخات التي أطلقها أهل سوريا منذ ما يزيد على العام ولكن هيهات أن تلامس تلك النداءات والاستغاثات نخوة كنخوة المعتصم الذي حرّك الجيوش وبذل الغالي والرخيص من أجل الثأر لامرأة مسلمة واحدة فكيف باستغاثة شعب مسلم بأكمله، إن سكوت دول عربية وأخرى إسلامية على "القوات الصهيونية".. عفواً أقصد قوات بشار الأسد وأعوانه ليجعلنا نجزم بأنهم قد اجتازوا مرحلة السكون إلى الموت وانعدام الإحساس بإخوانهم وجيرانهم في دولة عربية إسلامية يشاطرونها الدين واللغة، فلاشك عندي أنهم في الإثم سواء، فالساكت على الحق "شيطان" أخرس، أي أنهم وحزب "الشيطان" اللبناني سواءً بسواء في المساهمة في قتل شعب سوريا المسلم، أيعقل أن تتفرج دول عربية وإسلامية على هذه الحرب الحقيرة من "القوات الصهيونية".. عفواً أقصد قوات بشار الأسد وهذا التواطؤ الدنيء من أصدقاء هذا النظام المجرم في إيران والعراق ولبنان ومن أنتمي إليهم في طائفيتهم الحاقدة على الإسلام والمسلمين والراغبة في إبادة هذا الشعب من على أرض سوريا الطاهرة من أجل إقامة تحالف ممتد شرقاً وغرباً في الشمال من جزيرة العرب حيث يُشكّل في النهاية تعاضداً مع الكيان الصهيوني هناك للإجهاز على جسد الأمة الإسلامية المريض.
فماذا تقول لو أن جارك قد وقف يتفرج أمام باب منزله في الناحية الأخرى من الشارع المقابلة لمنزلك.. جلس يتفرج على مجرمٍ اقتحم منزلك فقتل أولادك أمام ناظريه واغتصب نساءك أمام ناظريه وسرق مالك أمام ناظريه وشرّد أهلك أمام ناظريه بل وأحرق بيتك أو هدمه على رؤوس أولادك وزوجتك أمام ناظريه.. فأتيت بعد ذلك لترى كل ذلك بأم عينيك وتشاهد هذا الجار يقف متفرجاً على الجانب الآخر وهو لم يحرّك ساكناً أمام كل ما وقع في منزلك؟ إن أقل ما تقوله عنه بأنه "حقير ووضيع وسافل" لأنه لم يكترث بك ولا بأولادك وأهلك ولم يفعل ما ينبغي عليه من أضعف الإيمان لا أعلاها منزلة وهو الاتصال أو الاستنجاد بالآخرين من أجل إيقاف هذا القاتل المجرم، وما هو شعورك عندما تجد هذا الجار يأتيك بعد ذلك كلّه معزّياً لك في مُصابك ويُخرج من جيبه "وريقات" معدودة من النقود ويضعها في يدك كي تُصلح بها بعضاً مما أصاب بيتك من خراب ودمار أو لتواسيك فيما فقدته من أبنائك أو زوجتك.. وهيهات أن تفعل ذلك، إنه تماماً ما ينطبق على أغلب الدول العربية والإسلامية التي وقفت متفرجة على هذا المجرم وشركاؤه يتعاونون على سوريا وأهلها ويعيثون فيها خراباً ودماراً وقتلاً وتشريداً.
إن من المخزي فعلاً أن تُقام حملات على المستوى الشعبي لإغاثة أهل سوريا في بعض الدول العربية والإسلامية في حين أن حكوماتهم لم تقم بدورها المطلوب واكتفت بحلول واهية وضعيفة لا ترتقي إلى مستوى الدعم والنصرة المطلوبين في مثل هذا الحالات، بل والأشد من ذلك والأعجب هو أن تُخرس ألسنة حكومات عربية وإسلامية أخرى فلا تدعم الثورة السورية لا معنوياً ولا ماديّاً، في مقابل أننا نرى الدعم اللامحدود من قبل الحرس الجمهوري "الإيراني" وحزب "الشيطان" اللبناني وجيش المهدي "العراقي" بكل وقاحة وجرأة.. دعمٌ ماديٌ ومعنويٌ بالمال والسلاح وبالقوات العسكرية.. مسخرين لهم كل إمكاناتهم وجهودهم الدبلوماسية والسياسية من أجل نصرة القوات الصهيونية.. عفواً "قوات بشار الأسد" ومعاونته في قتل شعبه، في حين أن هذه القوات وهذه الأسلحة لم تطلق رصاصة واحدة باتجاه الصهاينة بل لم تقو على قتل جندي إسرائيلي واحد، ولسان الحال يقول "أسدٌ عليّ وفي الحروب نعامة" وإن شئتم نقول "كلبٌ مسعورٌ عليّ وعند أقدام اليهود جروٌ ذليلٌ"، فهل يستحيي أصحاب الإيمان من نصرة إخوانهم في الإسلام على أرض سوريا أم أنهم لا يملكون ذلك "الإيمان" الذي يحيي قلوبهم وضمائرهم الميّتة؟
ففي الوقت الذي يُجاهد فيه أطفال ونساء وشيوخ سوريا هذه القوات "المحتلة" لأرضها، نجد أن رجالاً - كما يزعمون - قد شغلتهم المفاوضات السياسية عن الدعم العسكري للجيش الحر في سوريا، بل ربما أخافتهم مساندة روسيا والصين لهذا النظام المجرم فترددوا في التدخّل العاجل فاستبطؤوا خطواتهم وتراجعوا القهقرى قليلاً في حين أن "الظلمة والقتلة" لا يزالون يُعينون بعضهم البعض للقضاء على ما تبقى من شعب سوريا المسلم.
إنها حرب إبادة دينية.. شئتم أم أبيتم يا سادة، ولكن بعض العرب والمسلمين قد تخاذلوا وتباطؤوا فعلم الله والمؤمنون ما بقلوبهم من مرض، وتكشّفت لنا حقائقهم، بل وأخذ بعضهم يردد بغباء شديد وببغائية تامة ما يردده أعداء الأمة من التخويف بحكم الإسلاميين من إخوان مسلمين وسلفيين وغيرهم، ويشاء الله تعالى أن يُظهر لنا ما تكنّه صدورهم من موالاة خفية للظلمة والمجرمين، وتنكشف أوراقهم تحت ذريعة التخويف من حكم الإسلاميين أو الإخوان المسلمين، ولسان حالهم يقول "ابعدوا الإسلام عن الحكم والدولة".. يريدون تأخير الخلافة الإسلامية التي وعدنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بظهورها في آخر الزمان، حتى وإن كان في ذلك حماية للظالم وتأييدٌ له، وليس ببعيد أن يصبح شجر الغرقد عندها "أشرف" منهم وأكثر نصرة لدين الله.. حينما يدعو المسلم "هذا يهودي خلفي..تعال فاقتله".. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
إعدام الأسرى.. والأقصى الأسير
تم فتح المسجد الأقصى أمام المصلين بعد أكثر من ثلاثين يوما من الإغلاق، كما تم تأجيل اعدام الأسرى... اقرأ المزيد
93
| 11 أبريل 2026
مفاوضات باكستان الصعبة
تسببت الحرب الأمريكية - الإسرائيلية المشتركة وغير المسبوقة ضد إيران بطرح تساؤلات عن غياب تنسيق وتقديم إدارة ترامب... اقرأ المزيد
105
| 11 أبريل 2026
آفة التسويف..
كما أن أخطر عدو للإنسان هو ذلك العدو الذي يلبس ثوب الصديق، فإن أخطر الأفكار عليه تلك التي... اقرأ المزيد
120
| 11 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في صباح أحد أيام أكتوبر 1973 توقفت إشارات المرور في شوارع لندن، وأُطفِئت المصابيح في مكاتب نيويورك، وهرع سكان طوكيو إلى محطات الوقود بدراجاتهم، لم يكن ذلك مشهدًا من فيلم خيال علمي بل كان أول درس حقيقي للعالم في جغرافيا الطاقة، تزايد المخاطر المحيطة بالبنية التحتية للطاقة يدفع نحو التفكير في إنشاء مشروع عربي- خليجي- دولي تكون مهمته حفظ أمن المضائق المائية وخطوط الإمداد وسلاسل التوريد، لا عبر التركيز على الأمن الميداني فحسب من تأمين السفن والأنابيب، بل عبر إدارة عقلانية للعرض والطلب وبناء منظومة توازن جديدة تمنع الأزمات، فوجود كيان أممي مفتوح يشارك فيه المصدرون والموردون على حد سواء، بحيث يضم المنتجين للنفط والغاز والمستهلكين من أمثال الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وأوروبا والولايات المتحدة لتشكيل إطار مؤسسي لا يقتصر على المنطقة فحسب بل يتسع للعالم. أهمية الطاقة للحضارة الانسانية من الصناعات الحديثة والدقيقة إلى الذكاء الآلي، تعتمد على الصادرات الخليجية، وهذا يحتم وجود اطر لادارة الشأن الخليجي، فالفراغ يدفع الدول والآخرين لتعبئته خاصة لاهمية منطقة الخليج التي هي مصدر الكثير من لقيم المصانع الحديثة والآلات والأجهزة الحديثة فمن النفط ومنتجاته الى الغاز والطاقة النظيفة ومنتجاتها مثل البتروكيماويات واهميتها للصناعات الحديثة والاسمدة واهميتها للزراعة والمنتجات الاخرى مثل الهيليوم والنافتا والالومنيوم والصناعات الاخرى، كل هذه المواد تنتج في الخليج وتخرج من مضيق هرمز، هناك اكثر من ٢٠٪ من الطاقة العالمية تخرج من مضيق هرمز واكثر من ١٣٪ من حاجة البشرية للزراعة في شكل اسمدة من المنطقة والنيتروجين والامونيا والهيليوم الذي تحتاجه صناعات الشرائح، كل هذه المنتجات ومع اهميتها وهذا الغنى والتنوع في المنتجات وحاجة اسواق العالم لها لكنها تقع في منطقة لا تتمتع بهياكل تنظيمية قادرة على ضبط امن هذه الصناعات ولا ضبط ايقاعها للاسواق ولا ضبط موازين العرض والطلب وهذه امور ضرورية لحيوية الاقتصاد العالمي ولاستقراره، دون وجود منظمة لحماية الطاقة ما بين ضفتي الخليج تظل الامور ارتجالية ولا تخضع لقواعد تنظيمية تمنح المصدرين والمستوردين ودول المنطقة مستوى من الامان لضمان استقرار سلاسل التوريد. ومثل هذه الاحداث الاخيرة في المنطقة والحرب على ايران هي ناقوس خطر اذا لم تأخذ دول المنطقة المبادرة لانشاء منظمة لحماية الطاقة تقوم بحفظ التوازنات وضبط القواعد وانشاء الكيانات القادرة على توفير الامن وتوفير القدرة على ادارة مختلف القطاعات فبامكانها تأمين المضائق المائية وبامكانها انشاء منظمات او مؤسسات لتأمين ناقلات النفط والشحن من السلع المغادرة من المنطقة والمتجهة لمختلف دول العالم مع غنى منطقة الخليج ولكنها ايضا تقع في وسط القارات مما يجعلها حلقة وصل اما لحركة السفر او لحركة البضائع ومصدر الطاقة، تحتاج المنطقة لمؤسسات للتأمين وللتمويل ولدراسة الجدارة الائتمانية ووضع منظومة لتحسين المناخ الاستثماري لتحتوي على كل ما يمكنه ان يوفر الامان للاسواق العالمية والاقتصاد العالمي. هذا الكيان يمكن أن يبدأ بخطوة عملية عبر الدعوة إلى قمة تأسيسية في الدوحة يتم فيها التوافق على اتفاقية إطار مؤسسي تحدد المهام والصلاحيات، ويقوم بنيته على مجلس أعلى يتكون من خمس عشرة دولة، خمس منها أعضاء كبار بخدمة ثابتة لخمسة أعوام وعشرة أعضاء يتم تداولهم سنويًا، إلى جانب مجلس استشاري يضم خبراء في الطاقة والجيوسياسة والاقتصاد، ومراكز بحوث وبيوت خبرة تعنى بتجميع البيانات وتحليلها وصناعة التصورات المستقبلية التي تساعد صناع القرار على إدارة المخاطر. وسيكون من صلاحيات هذا الكيان الدعوة إلى المؤتمرات والورش ووضع الاستراتيجيات والرؤى التي تجمع الحكومات بقطاع الاعمال والمستثمرين من أجل صياغة سياسات شاملة لأمن الطاقة. ولا يقتصر دوره على الجانب الأمني وإنما يمتد إلى وظائف اقتصادية ومؤسساتية، مثل تأسيس شركات تأمين لتغطية المخاطر التي تواجه ناقلات النفط والغاز وخطوط الأنابيب والبنى التحتية، وإنشاء مصارف متخصصة لتمويل مشاريع الطاقة التقليدية والمتجددة، بالإضافة إلى وكالات ائتمان للطاقة تقوم بجمع المعلومات وتحديد المخاطر وتوفير قاعدة بيانات موحدة دولية، فضلًا عن منصات استثمارية يمكنها جذب رؤوس الأموال نحو البحث والتطوير وتشجيع التكنولوجيا النظيفة. إن أمن الطاقة يرتبط بشكل مباشر بأمن الملاحة البحرية في مضائق حيوية مثل هرمز وباب المندب وقناة السويس وجبل طارق، وأي اضطراب في هذه النقاط التاريخية قد يشعل أزمة اقتصادية أو صراعًا عسكريًا، ولذلك فإن مشاركة جميع اللاعبين الإقليميين بما في ذلك إيران ستكون ضرورية لتأمين شراكة شاملة تضمن أن يكون أمن الطاقة مصلحة جماعية شاملة لكل الأطراف بشكل مغاير لاوبك وأوبك بلس. الغاية من هذا المشروع هو تأمين الطاقة عالميًا ومنع التجاوزات والصدامات التي تؤدي إلى حروب، وتمكين العالم من دخول حقبة نمو اقتصادي آمن ومستدام قائمة على إدارة عقلانية بعيدًا عن محاولات الهيمنة أو الاستغلال، وهو ما يمكن أن يجنب المنطقة والعالم مخاطر الصدام الكبرى مثلما شهدنا في المواجهة بين إيران وأمريكا وما تحمله من تهديد نووي. هذا الطرح يمثل ورقة إطار عام تصلح للانطلاق نحو بناء هيكل تفصيلي أكثر وضوحًا للحوكمة والتمويل والتمثيل السياسي، لكنه في صورته الراهنة يقدم تصورًا عمليًا لعقد جديد للطاقة يعتبر أن أمن الطاقة هو أمن جماعي وعالمي وليس شأنًا محصورًا بالمنتجين أو المستهلكين، بل مسؤولية مشتركة تؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية.
11790
| 06 أبريل 2026
في ظل الإيقاع السريع المحموم لهذا العصر، تلاشت معضلة الوصول إلى المعلومة كما كان الحال في السابق، فلم تعد المشكلة في ندرة المعلومات، بل ربما أصبح الإفراط في توفرها هو التحدي الحقيقي. وبيان ذلك، أنه يمكن للمرء بضغطة زر أن يمثل أمام بصره آلاف المقالات والبحوث، ويشاهد مئات المقاطع المرئية، ويستمع خلال دقائق معدودة إلى حشد من الآراء في مسألة واحدة، إذ أسهمت البيئة الرقمية الحديثة والمحتوى السريع في تشجيع استهلاك المعرفة في شكلها الأسهل. بيْد أن هذا التدفق الهائل للمعلومات لم ينتج وعيًا أعمق، بل أفرز ما يمكن أن نسميه بوهم المعرفة السطحية، حيث يظن مستخدم الشبكة العنكبوتية أنه أوغل في الثقافة والمعرفة، بينما هو في حقيقة الأمر لا يمتلك سوى قشرة رقيقة من الفهم، قشرة لامعة. خطورة هذا الوهم أنه لا يقوم على الجهل الصريح الذي يمكن معالجته، وإنما على فكرة الإحساس الزائف بالمعرفة، فهو يتحدث بثقة كمن ألمَّ بأطراف الموضوع أو القضية، ويصدر حولها أحكامًا، مستندًا في ذلك إلى سياق مبتور أو فهم غير مكتمل أو آراء شاذة، فيحدث لديه الخلط بين الاطلاع والفهم، وبين المعرفة والاستيعاب، فتتكون قناعاته الهشة التي تبدو صلبة في ظاهرها لكنها تتهاوى أمام أول اختبار حقيقي. ولئن كان الجاهل يمكن أن يزيل جهله بالتعلم عندما يعترف بجهله، فإن هذا المتعالم مدعي الثقافة على يقين من أنه يعلم، فمن ثم لا حاجة به إلى التعلم. يبرز هذا الوهم بوضوح في النقاشات العامة التي تتناول قضايا حيوية بثقة مفرطة وتستخدم خلالها مصطلحات قد لا يدرك قائلها أو كاتبها معناها الكامل ولا مغزاها ولا مدلولها لدى أهل الاختصاص، ومع تكرار الاستخدام، يتعزز الإحساس بالمعرفة، رغم غياب الفهم الحقيقي. الإعلام يسهم أحيانا في تعزيز هذا النمط وتكريس السطحية، عبر تقديم تحليلات مختزلة خاطفة تفتقر إلى العمق، وبدورها تميل المنصات الثقافية إلى تفضيل المحتوى الخفيف الذي يركز على اجتذاب أكبر عدد من المتابعين ولو أتى الطرح على حساب الجودة. ينتج عن هذا الوهم، ضعف القدرة على التفكير النقدي، فصاحب القشرة اللامعة الذي يتوهم الإحاطة والمعرفة والثقافة يكون أقل استعدادا للنقد الذاتي والمراجعة، بل يميل دائما لتعزيز قناعاته دون الاستماع إلى الآراء المختلفة، فيتحول الحوار إلى تبادل مواقف جاهزة وينأى عن كونه عملية بحث مشتركة تهدف إلى الوصول إلى الحقيقة. كما تكمن خطورة وهم المعرفة السطحية في أنها تسهم في انتشار المعلومات المغلوطة، فحين يتشارك أسارى المعلومة السريعة أي محتوى دون التحقق منه، والذي قد يكون مغلوطا أو مجتزءًا من سياقه، فحينئذ يسهمون في تضليل الآخرين، ومع سرعة انتشار المعلومات يصبح تصحيح الخطأ أكثر صعوبة، خاصة إذا كان مرتبطا بقناعات راسخة. لكن الحل ليس في رفض ونبذ المعلومة السريعة أو الانسحاب من الفضاء الرقمي، فهذا الفضاء يتيح فرصا هائلة للتعلم والانفتاح والارتقاء، لكن المطلوب هو الانتقال من الاستهلاك السريع للمعلومات، إلى التفاعل الواعي والفهم العميق. ويبدأ هذا التوجه من إدراك المرء لحقيقة معرفته، والإيمان بأهمية التخصص واللجوء إلى المتخصصين في الميادين المختلفة، ولا يعني هذا على الإطلاق التخلي عن التفكير وإعمال العقل، بل يعني ممارسة النشاط الثقافي والمعرفي بشكل أكثر نضجا. كما ينبغي للمحاضن العلمية والثقافية تعزيز مهارات التفكير النقدي القائم على طرح الأسئلة وتحليل المعلومات والتمييز بين المصادر، والانتقال من التلقين إلى تنمية القدرة على الفهم والتحليل. إضافة إلى ذلك، يجدر تشجيع القراءات المتأنية الطويلة التي تتيح للإنسان فرصة التفاعل مع الأفكار وفهم سياقاتها، والربط بينها، ويساعد على ذلك إعادة الارتباط بالكتاب، والذي تراجعت أهميته بشكل نسبي أمام الوسائط الرقمية. وفي هذا السياق، ينبغي الحذر من الاستهلاك العشوائي، والاتجاه إلى اختيار مصادر موثوقة للحصول على المعلومة، وعدم التسرع في إبداء الرأي خاصة في القضايا الحساسة التي تتطلب فهما أعمق.
3204
| 05 أبريل 2026
إن تعيين الموظف بجهة إدارية أو حكومية يستلزم تسخير مجهوده العملي في خدمة تلك الإدارة وتفادي ممارسة أي عمل آخر من شأنه يتعارض مع مصلحتها أو يضر بها لحساب ذلك الموظف، لذلك فقد وضع قانون الموارد البشرية المدنية مجموعة من الضوابط اعتبرها محظورات على كل موظف يعمل بجهة حكومية تحت طائلة المساءلة التأديبية. وقد أوضح هذه الممارسات المحظورة على الموظفين على سبيل المثال في المادة 80 من القانون المذكور ثم جاءت المادة 81 منه بمقتضى شامل يحظر على الموظف أي عمل يمكن اعتباره متعارضا مع مصلحة الإدارة. أما الأفعال المعتبرة محظورة قطعا فهي إتيان أي فعل يتعارض مع أي قانون أو لائحة معمول بهما وإهمال المهام الموكولة للموظف، وإفشاء الأسرار المهنية والمعلومات الداخلية حتى بعد ترك الخدمة باستثناء حالة الحصول على إذن كتابي من الرئيس، والاحتفاظ بوثائق ومستندات تخص الخدمة. كما تعتبر من الأفعال المحظورة على الموظف الإساءة إلى الدولة بواسطة توقيع عرائض أو الانتماء لجهات محظور التعامل معها، ويمنع عليه كذلك وهو على رأس وظيفته أن يقدم خدماته لجهة عمل أخرى إلا إذا حصل على إذن مسبق من الرئيس التنفيذي إذا كانت الجهة غير حكومية، أما بالنسبة للعمل بجهة حكومية أخرى بالتزامن مع العمل بوظيفته فيتطلب الإذن له بهذا الاستثناء الحصول على موافقة من رئيس مجلس الوزراء. أما بالنسبة لممارسة الموظف أعمال التجارة والحصول على الأرباح من التعاقدات فإنه محظور عليه هذا الأمر إذا كان في ذلك تعارض أو مساس بمصلحة الجهة التي تم توظيفه فيها، أو التي تكون تلك الجهة طرفا فيها حتى لو لم تكن في هذه الحالة مصالح الموظف متعارضة معها. ومن جهة أخرى فالموظف ملتزم بعدم إتيان الأعمال التي تدخل في مخالفة مبادئ الشرف والأمانة مثل استغلال النفوذ والتأثير على الموظفين وتحريضهم على تجاوز النصوص القانونية واللوائح المعمول بها، وكذلك ممارسة الأعمال التي تعتبر من قبيل الرشوة بسبب استغلال المنصب الوظيفي لتحقيق أغراض للغير مخالفة للقوانين واللوائح. وعلى العموم ففي حال ثبوت ارتكاب الموظف للأمور المحظورة عليه بحكم القانون فإنه يترتب على ذلك قيام مسؤوليته التأديبية، وفي بعض المحظورات فإن المساءلة تكون تأديبية وجنائية في نفس الوقت، لأن المحظورات المنافية لمبادئ الشرف والأخلاق مثل استغلال النفوذ والرشوة تعتبر جرائم يعاقب عليها القانون بعقوبات قد تكون حبسية.
1566
| 06 أبريل 2026