رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تنعقد أعمال القمة العربية في بغداد هذا الأسبوع، وستبدأ أعمالها الرسمية اليوم، للاحتفاء بعودة العراق كقائد إقليمي بعد عقود من العزلة التي كانت مفروضة عليه، وعدم الاستقرار الذي ظل يعاني منه. وتستضيف بغداد القمة العربية للمرة الأولى بعد 22 عاما حينما انعقدت آخر قمة عربية بها في 1990. وبالطبع فإن هذه القمة تعتبر بمثابة فرصة غانمة لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي للتأكيد على سيادة هوية العراق وانتمائه العربي.
ومما لاشك فيه فقد تغير الكثير منذ أن استضاف العراق القمة لأول مرة في 1978، ويأتي اجتماع العرب هذا العام في ظل أجواء الحراك السياسي وعدم الاستقرار، كان آخرها انسحاب القوات الأمريكية من أرض العراق العربي بعد عقد من الاحتلال، بالإضافة للاضطرابات الطائفية التي ما زالت نيرانها مستعرة لم تخبُ، وأيضا العديد من الانقسامات السياسية، فضلا عن المشاكل الاقتصادية الضخمة التي تواجهها البلاد.
عدا عن المؤشرات اللافتة في الخارطة السياسية الجديدة في العراق من خلال منظار ثلاثي الأبعاد، حيث إن الشخصيات الثلاثة الرئيسية الذين سيحضرون القمة كممثلين للعراق هم من الأكراد، جلال طالباني - الرئيس الحالي للعراق، هوشيار زيباري - وزير الخارجية، وخير الله بابكر - وزير التجارة. وبالنسبة لبابكر وزيباري، فسيستضيفان الجلسات التحضيرية للمجلس الاقتصادي للقمة ووزراء الخارجية العرب، كل حسب منصبه، في حين يعتبر طالباني – صاحب الدار - المضيف الرئيس للقمة بصفته رئيسا للدولة. وهذه ربما تكون المرة الأولى التي يحتل فيها كردياً مقعداً كرئيس فخري لجامعة الدول العربية.
وهذا مؤشر واضح إلى أن الجماعات العرقية والدينية المختلفة أصبحت الآن تتقاسم كعكة نظام الحكم في العراق. وشتان ما بين وضع العراق السياسي الآن وهو يستضيف القمة الحالية، وبين القمة السابقة التي استضافها في عام 1990، حينما كان يتربع على سدة الحكم الراحل صدام حسين، قبل أشهر من غزوه للكويت.
وينعقد مؤتمر القمة في أعقاب الاضطرابات السياسية التي عمت كافة أنحاء الشرق الأوسط من خلال انتفاضات الربيع العربي. وستقوم كل من تونس ومصر وليبيا واليمن بإرسال ممثلين جدد إلى قمة بغداد بعد سقوط الأنظمة السابقة التي كانت تدير شؤون البلاد، وستكون هذه فرصة جيدة للتعرف على شخصيات قيادية جديدة وعلى مواقف بلادهم حول مختلف القضايا التي تؤثر على العالم العربي الجديد. بعدما تغيرت – جزئيا – خارطته السياسية.
وفي ذات الوقت، فإن سوريا التي تعيش حاليا (ربيعا) من نوع آخر خاص بها، يصطلي فيه شعبها المنتفض بهجير الفقر والجوع ونار القتل والقمع والتشريد، لن يتمكن وفد حكومة الجمهورية العربية السورية من حضور أعمال القمة، نتيجة لتعليق عضويتها العام الماضي وذلك بسبب العنف اللاإنساني للنظام وانتهاكات حقوق الإنسان، وعليه، فسيكون مقعد سوريا في القمة خاليا. ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه، فخلال قمة الجامعة العربية 1990 في بغداد، لم يحضر الرئيس السوري السابق حافظ الأسد القمة بسبب علاقته المتوترة وقتها مع الرئيس الراحل صدام حسين. وفي هذا العام، نرى الشبل من ذاك الأسد يكرر ذات المشهد بترك مكان الوفد السوري فارغا.
إنني لا أؤمن بالتشاؤم، ولكن من الملاحظ أنه في القمتين اللتين استضافتهما العراق في السابق، دائما ما كانت تحدث أزمة ما في العالم العربي. فخلال قمة 1978، تم طرد مصر من الجامعة بعد توقيع الرئيس الراحل أنور السادات على معاهدة (كامب ديفيد) مع رئيس الوزراء الإسرائيلي (مناحيم بيغن). ثم في مؤتمر القمة 1990، شهدت بداية الخلافات بين العراق ودولة الكويت والإمارات العربية المتحدة بشأن إنتاج وتصدير النفط، أعقبها الغزو العراقي للكويت، كما تنامت آنذاك أزمة سياسية بين سوريا والعراق. وهذا العام، فإن مؤتمر القمة ينعقد في أعقاب ثورات الربيع العربي وتداعياتها.
ومع هذه القمة التي تنعقد في خضم وضع مضطرب في العالم العربي، فإننا قطعا لسنا متفائلين كثيرا بنتائج القمة، باعتبار أن هذا الاجتماع لن يخلص إلى شيء سوى اتساع الهوة بين الدول العربية بعضها البعض، فالعرب أصلا منقسمون - حول قضية سوريا على أقل تقدير - وكأن قمة بغداد ستردد مقولة "إن العرب اتفقوا على ألا يتفقوا". أضف إلى ذلك أن القمة تنعقد على أرض العراق التي تهزها التوترات الطائفية بين الشيعة والسنة والأكراد، وكل هذه المواقف المتباينة لا شك أنها ستساهم في ازدياد شقة الخلافات بين مختلف الدول العربية وستعزز الاختلافات في مواقفها.
وقد أمر الزعيم الشيعي العراقي مقتدى الصدر بمنع كافة التظاهرات ومظاهر الاحتجاجات خلال فترة انعقاد القمة العربية، والتي كان يأمر بها أتباعه حتى وقت قريب، كتلك الاحتجاجات المناهضة لكل من مملكة البحرين والعربية السعودية، وذلك من أجل إظهار نوع من حسن الضيافة العراقية ومنعا لإحراج قادتهم.
وهنا وجب لنا أن نتساءل: كيف للحكومة العراقية الحالية، أن تقود أعمال القمة العربية لمدة عام كامل وهي تعاني من كل تلك التناقضات السيادية والسياسية والعرقية أو الإثنية؟ هل يعطي من لا يملك لمن لا يستحق؟ والسؤال الملح الذي يفرض نفسه كيف لحكومة المالكي غير القادرة على تحقيق التناغم الاجتماعي بين فئات المجتمع العراقي المتباينة، أن تتمكن حتى من مجرد تحريك مغزل نسيج الوحدة العربية المنشودة؟ وكيف لحكومة دولة انسحبت منها للتو قوات الاحتلال الأمريكية تاركة خلفها سلطة احتلال سياسية طائفية تتولاها إيران، أن تكون قادرة على المناداة بشعارات الحرية والعزة والكرامة والقومية العربية والعمل العربي المشترك، والذي على رأس أولوياته الوحدة واستعادة القدس؟
أطلعنا الإعلام على أن القمة العربية ببغداد ستكون سريعة وخاطفة، حيث لن يغمض جفن لضيوف القمة وبالأخص على مستوى القادة العرب المشاركين، وبعيدا عن السخرية، فإن أول ما يتبادر للذهن عند قراءتنا لكلمات على شاكلة "سريعة وخاطفة" في إطار الحديث عن قمة عربية، فإنه يجب التحذير من مخاطر القمم السريعة، أو أيا كان مسماها، على صحة البدن العربي.
وما زال الوقت مبكرا للحكم على المقررات النهائية للقمة، ولكن يظل يلازمنا الشك فيما إذا كانت القمة الحالية في بغداد ستخرج علينا بإجراء أو حل مباشر يكون على قدر الاهتمام الكبير الذي يوليه الشعب العربي لهذه القمة، لمواجهة التحديات الكبيرة الماثلة أمام العالم العربي حاليا ومستقبلاً.
إن سفينة الوطن العربي تتأرجح حاليا على أمواج محيط غير هادئ من التغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتحتاج بالتالي إلى ربانٍ عربي، وقائد يكون قادرا على تحديد اتجاه الهوية العربية وتقديم حلول لمتغيرات الخارطة السياسية القادمة لسفينة الوطن العربي، حتى تستطيع أن تبحر بسلام دون أن تعصف بها الأمواج.
وأخيراً:
قال الشاعر العراقي الكبير عبد الرزاق عبد الواحد في قصيدة (يا صبر أيوب مرة أخرى)
الله يا وطني.. خمسـون موجعة
وأنت تنـزف، والأعـراب ما سألـوا
لم يتركوا لكَ حتى في الردى أملاً
وأين.. من أين يأتي مثـلك الأمـلُ؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يخوض أولياء الأمور خلال العام الدراسي سباقاً متواصلاً مع الزمن والميزانيات من أجل تأمين أفضل مستقبل لأبنائهم، فيبحثون عن المدارس المتميزة، ويتحملون أعباء الرسوم المرتفعة ويتابعون التحصيل الدراسي بدقة أملاً في بناء جيل واعٍ ومتفوق غير أن المفارقة التي تتكرر مع بداية الإجازة الصيفية تكمن في أن كثيراً من الأسر تتراجع فجأة عن دورها التربوي والتوجيهي وكأن المهمة قد انتهت بمجرد إغلاق أبواب المدارس فيُترك الأبناء لفراغ طويل بلا تخطيط ولا رقابة حقيقية تحت شعار منحهم الراحة بعد عناء الدراسة، بينما الحقيقة أن هذا الفراغ يتحول سريعاً إلى بيئة خصبة لإهدار ما تم بناؤه طوال العام. فالمشكلة الكبرى في عصرنا لم تعد نقصاً في المعرفة بل أصبحت أزمة إدمان رقمي يسيطر على عقول الأبناء من خلال الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي التي تبتلع الوقت والانتباه وتدمر التركيز، وخلال الدراسة يكون الطالب محكوماً بجدول يومي يحد من هذا الانغماس، أما في الصيف فإن غياب النظام يمنح الشاشات فرصة كاملة للهيمنة على حياته. وعندما تبتعد الأسرة من دورها التوجيهي فإن الخوارزميات تتولى التربية فتغرس في الأبناء العزلة والخمول والتشتت وتستبدل القيم والانضباط بمحتويات سريعة ومشتتة تؤثر في الأخلاق والسلوك والهوية ومع مرور الأيام يتحول الطفل من إنسان نشيط متعلم إلى مستهلك سلبي يقضي ساعات طويلة أمام شاشة لا تضيف لعقله ولا لشخصيته شيئاً نافعاً بل تدمر أفكاره وأخلاقه. ومن الأخطاء التربوية الشائعة الاعتقاد بأن التربية مرتبطة فقط بالمدرسة بينما الحقيقة أن الإجازة الصيفية تمثل الاختبار الأهم للأسرة، ففي المدرسة يجد الطالب من يوجهه ويراقبه وينظم وقته، أما في الصيف فإنه يواجه فراغاً مستمراً يحتاج إلى إدارة واعية، وقد أثبت كثير من الدراسات السلوكية أن ما يتم بناؤه خلال أشهر الدراسة يُهدم سريعاً خلال أسابيع من الإهمال والسهر والإفراط في استخدام الأجهزة الذكية، لذلك لا ينبغي النظر إلى الصيف على أنه موسم للنوم والتراخي بل فرصة حقيقية لاكتشاف المواهب وتنمية المهارات وبناء الشخصية بصورة أعمق بعيداً عن ضغط الاختبارات والواجبات المدرسية. ومن هنا تأتي أهمية البدائل العملية التي تشغل وقت الأبناء بما ينفعهم فالأندية الرياضية والمراكز الشبابية والأنشطة الحركية تمنح الجسد نشاطاً وصحة وتبعد الأبناء عن الخمول، كما أن المراكز الصيفية والدورات التدريبية في اللغات والبرمجة والمهارات الإبداعية تسهم في توسيع المدارك وتنمية التفكير بينما تساعد مراكز بناء الشخصية والأنشطة الجماعية على تعزيز الثقة بالنفس وتنمية روح التعاون وتحمل المسؤولية، وهي بدائل أكثر تأثيراً من مجرد المنع أو الحرمان لأن النفس إن لم تُشغل بالنافع انجرفت نحو الضار. إن الاستثمار الحقيقي في الأبناء لا يتوقف عند دفع الرسوم الدراسية المكلفة أو اختيار المدرسة المناسبة بل يمتد إلى حسن إدارة أوقاتهم في الإجازات فالتربية عملية مستمرة لا تعرف التوقف، والصيف قد يكون فرصة عظيمة لصناعة شخصية قوية وواعية إذا أحسن الوالدان استثماره وقد يتحول في المقابل إلى بوابة للهدم والتراجع إذا تُرك الأبناء أسرى للفراغ والشاشات لذلك فإن حماية عقول الأبناء من إدمان العصر تبدأ من قرار أسري واعٍ يملأ أوقاتهم بالعلم والنشاط والتجارب المفيدة قبل أن يملأها غيرهم بما يفسد عقولهم ويبدد مستقبلهم.
2259
| 09 يونيو 2026
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها، حدث ذلك مع الآلة الصناعية، ثم مع الحاسب الآلي، ثم مع الإنترنت، واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي. فمنذ أن أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع، امتلأت وسائل الإعلام بعناوين تتحدث عن اختفاء وظائف ومهن كاملة، وأصبح كثير من الموظفين يتساءلون: هل سيأتي يوم يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ لكن اللافت أن عدداً متزايداً من المحللين والخبراء الاقتصاديين يتفقون على أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ الوظائف، بل من سيكون أكثر قدرة على الاستفادة منه. فالتقارير الصادرة عن مؤسسات عالمية مثل ماكينزي وجولدمان ساكس وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في عدد كبير من الوظائف الحالية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء معظمها. بل إن الأثر الأكبر قد يتمثل في إعادة تشكيل طريقة العمل ورفع الإنتاجية وتغيير المهارات التي ستحدد الفائزين في سوق العمل خلال السنوات المقبلة. لقد علمنا التاريخ أن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى الإنسان، بل تغير طبيعة مساهمته في الاقتصاد، فعندما انتشرت الحواسيب في الثمانينيات والتسعينيات، سادت مخاوف من اختفاء عدد كبير من الوظائف المكتبية. وعندما ظهر الإنترنت، توقع البعض أن تتراجع قطاعات بأكملها. لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً؛ فقد بقيت الوظائف، إلا أن العاملين فيها اضطروا إلى اكتساب مهارات جديدة للتكيف مع البيئة الجديدة. واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه. لنتخيل موظفين يمتلكان المؤهل العلمي ذاته والخبرة نفسها، أحدهما يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وتحليل البيانات وإعداد التقارير، بينما يصر الآخر على الاعتماد على الأساليب التقليدية فقط. بعد فترة من الزمن سيصبح الفرق بينهما واضحاً في سرعة الإنجاز، وجودة المخرجات، والقدرة على التعامل مع حجم أكبر من الأعمال. وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي يتحدث عنها كثير من المحللين. فالمنافسة المقبلة قد لا تكون بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يستفيد من الذكاء الاصطناعي وإنسان يختار تجاهله. وتؤكد شركة ماكينزي في عدد من دراساتها أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في استبدال الموظفين، بل في تمكينهم من أداء أعمالهم بكفاءة أعلى. كما يرى محللو جولدمان ساكس أن هذه التقنية قد تسهم في رفع الإنتاجية الاقتصادية العالمية بصورة ملموسة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الضخمة التي تتدفق اليوم نحو هذا القطاع. ولا يقتصر الأمر على قطاع معين. ففي المحاسبة والتمويل تساعد هذه الأدوات على تحليل كميات ضخمة من البيانات خلال وقت قصير. وفي القانون تساهم في مراجعة الوثائق والعقود. وفي القطاع العقاري أصبحت تساعد على دراسة الأسواق وتحليل الاتجاهات وتقييم الفرص الاستثمارية. أما في التعليم والإعلام والإدارة، فالقائمة تطول يوماً بعد يوم. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الإنسان بالكامل يبدو مبالغاً فيه. فما زالت هناك أمور يصعب على الآلة القيام بها بالكفاءة نفسها، مثل القيادة، واتخاذ القرارات المعقدة، وفهم العلاقات الإنسانية، والتفاوض، وتحمل المسؤولية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم معلومات واقتراحات، لكنه لا يتحمل نتائج القرار ولا يمتلك الخبرة الإنسانية المتراكمة التي يحتاجها كثير من المواقف. ومن هنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي فجوة المهارات. ففي الماضي كانت الفجوة الأساسية بين المتعلم وغير المتعلم، أما اليوم فقد بدأت تتشكل فجوة جديدة بين من يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي ومن لا يعرف ذلك. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تغيراً كبيراً في المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأن التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات الجديدة سيصبحان من أهم عوامل النجاح المهني. كما حذر صندوق النقد الدولي من أن المؤسسات والدول التي تتأخر في تبني هذه التقنيات قد تواجه فجوة متزايدة في الإنتاجية مقارنة بمنافسيها. هذا لا يعني أن جميع الوظائف ستكون بمنأى عن التأثير. فبعض الأعمال الروتينية والمتكررة قد تشهد تراجعاً خلال السنوات المقبلة، خصوصاً تلك التي تعتمد على إدخال البيانات أو معالجة المعلومات بصورة نمطية. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن التكنولوجيا لا تلغي وظائف بقدر ما تعيد تشكيلها، وتخلق في المقابل فرصاً جديدة لم تكن موجودة من قبل. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي سيحدث بعد عشر سنوات، بل ما الذي يمكن أن نفعله من الآن. فالتعرف على أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها في العمل اليومي لم يعد رفاهية تقنية، بل قد يصبح خلال سنوات قليلة جزءاً من المهارات الأساسية المطلوبة في معظم المهن. لقد أثبت التاريخ أن التكنولوجيا لا تكافئ الأقوى، بل تكافئ الأسرع في التكيف معها. وكما تجاوز مستخدم الحاسب الآلي من تمسك بالآلة الكاتبة، وكما تفوق من أتقن الإنترنت على من تجاهله، فإن الفائز في سوق العمل خلال السنوات القادمة لن يكون بالضرورة الأكثر خبرة أو الأعلى شهادة، بل الأكثر قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجيته وتعزيز قيمته. ولذلك، قد لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ بل: ماذا أفعل اليوم حتى لا يأخذها شخص يستخدمه أفضل مني؟. باحث اقتصادي
2124
| 10 يونيو 2026
السؤال مهم، ولا بد من التفكير في إيجاد إجابة أو إجابات عملية له من قبل الخبراء وأهل الاختصاص الذين لديهم القدرة على التحليل والتفكير للوصول إلى حلول مفيدة لأوطانهم وشعوبهم على المديين القريب والبعيد، فلا يعقل أن تظل دولنا الخليجية رهينة لهذا التهديد الذي يتم استخدامه ضدها في كل خلاف في المنطقة، وكما يرى الجميع فإنه في كل مرة تتصاعد فيها التوترات الإقليمية، يعود اسم مضيق هرمز إلى واجهة الأحداث باعتباره أحد أهم الممرات البحرية في العالم وأكثرها حساسية، ويكفي أن تلوح أي جهة بإمكانية تعطيل الملاحة فيه حتى ترتفع المخاوف العالمية بشأن أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية. ولذلك لا بد من تغيير السؤال الذي هو سائد حالياً والذي يركز على "كيف نحمي مضيق هرمز فقط؟"، بل لا بد أن يتم التركيز على كيفية التقليل من أهميته الاستراتيجية بحيث لا يصبح نقطة ضغط يمكن استخدامها كلما تصاعدت الخلافات أو الأزمات، والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن الجغرافيا ثابتة، بينما تتغير التحالفات والسياسات والمصالح، وقد أثبتت التجربة التي نشاهدها ونعيشها واقعاً ملموساً أمامنا اليوم، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الاعتماد على ممر واحد لنقل الجزء الأكبر من صادرات الطاقة يمثل نقطة ضعف استراتيجية مهما كانت الضمانات الأمنية القائمة في أي مرحلة من المراحل. ومن هنا فإن التفكير المبدئي يقتضي العمل على إيجاد بدائل عملية تقلل من الاعتماد على المضيق دون أن تلغي أهميته الطبيعية كممر دولي حيوي سيبقى كما هو ممراً هاماً وحيوياً ما بقيت الجغرافيا على حالها، وعليه فإن أول هذه البدائل يتمثل في التوسع في شبكات الأنابيب البرية التي تربط حقول النفط والغاز بالموانئ الواقعة خارج الخليج العربي، سواء على بحر العرب أو البحر الأحمر أو غيرها من المنافذ البحرية، فكل برميل نفط أو شحنة غاز يمكن تصديرها بعيداً عن مضيق هرمز تعني تقليل حجم التأثير الذي قد ينتج عن أي اضطراب محتمل في الملاحة. كما أن تطوير الموانئ وشبكات النقل والخدمات اللوجستية الخليجية بصورة تكاملية، وليس بصورة منفردة، سيمنح دول المنطقة مرونة أكبر في مواجهة أي تحديات مستقبلية، فالمعادلة لم تعد تقوم على قدرات كل دولة بمفردها، وإنما على قدرة المنظومة الخليجية ككل على العمل كوحدة اقتصادية وأمنية متماسكة وموحدة، والتجربة أثبتت أنه لا بد من التعامل مع المخاطر الخارجية بكل صورها وأنواعها، ويجب التعامل معها بروح الفريق الواحد والجسد والكيان الواحد. وهنا نصل إلى النقطة الأهم، وهي أن أي أفكار لتقليل أهمية مضيق هرمز لا يمكن أن تنجح ما لم تسبقها وحدة حقيقية في الرؤية والأهداف بين دول الخليج العربية، فالتحديات المشتركة لا يمكن التعامل معها بسياسات متفرقة أو حسابات ضيقة، بل تحتاج إلى تنسيق استراتيجي طويل المدى يتجاوز ردود الأفعال المؤقتة. فالمطلوب ليس فقط تعزيز التعاون الأمني، بل بناء تصورات خليجية موحدة لأمن الطاقة والممرات البحرية والتجارة الدولية، بحيث تجعل أي محاولة لتهديد حرية الملاحة عملاً غير مجدٍ من الناحية السياسية أو الاقتصادية، وتؤكد أن أمن الممرات البحرية مسؤولية جماعية ومصلحة مشتركة لجميع دول المنطقة. كما أن هذه الاستراتيجية يجب أن تنطلق من افتراض واقعي، وهو أن التحالفات والمصالح والعلاقات الدولية تتغير باستمرار، فالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة قد يبقى على مستواه الحالي أو يتقلص أو يتغير شكله أو حتى ينتهي في مرحلة من المراحل، وفي عالم يشهد تحولات متسارعة في موازين القوى، لا يمكن بناء الخطط الاستراتيجية على افتراضات ثابتة بشأن دور أي قوة خارجية، أما الجغرافيا فهي الحقيقة الوحيدة التي ستبقى كما هي، ولذلك فإن بناء عناصر القوة الذاتية والتكامل الخليجي يصبح ضرورة استراتيجية لا خياراً سياسياً مؤقتاً. إن تقليل أهمية مضيق هرمز لا يعني الاستغناء عنه، فذلك غير ممكن عملياً، لكنه يعني تقليل القدرة على استخدامه كورقة ضغط أو مصدر قلق دائم، وهذا الهدف لا يتحقق بالشعارات، بل بالاستثمار في البدائل، وتعزيز التكامل الخليجي، وتوحيد الرؤية الاستراتيجية، وبناء منظومة إقليمية قادرة على حماية مصالحها بنفسها في عالم تتغير فيه التحالفات، بينما تبقى الجغرافيا ثابتة لا تتغير. ولذلك فإن أول خطوة على الطريق هي أن تتفق دول الخليج على أن أمنها الاستراتيجي موحد، وأن مستقبلها الاقتصادي مترابط، وأن مواجهة التحديات الكبرى تتطلب موقفاً موحداً ورؤية بعيدة المدى. فعندما تتوحد الأهداف، تصبح التحديات مهما كبرت أكثر قابلية للإدارة والاحتواء، وتتحول نقاط الضعف إلى عناصر قوة واستقرار.
1077
| 07 يونيو 2026