رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نحتاج إلى وقفة متأنية لمعرفة خارطة الحرائق المتنقلة في المناطق اللبنانية، وتوقيت وملابسات اشتعالها، وكيفية انتقالها من مكان إلى آخر.. فهي لا تكاد تخمد في منطقة حتى تشتعل في أخرى، بالأمس كانت في بيروت، وقبلها في طرابلس، وقوس الحريق أصبح محدد المعالم وربما بالإمكان التنبؤ به قبل حدوثه وفي أي مكان سيقع.
منذ اندلاع الأزمة السورية، كان جوقة المتحدثين على الفضائيات اللبنانية ممن يحسبون على خط ومحور إقليمي معروف، يخوفون اللبنانيين أن الاشتعال لن يقف عند الحدود السياسية للجغرافيا السورية، بل سيطال دول المنطقة ولبنان والأردن في القلب منها.. تحذيرات كانت تقابل باستهتار واضح من قبل بعض اللبنانيين في الوقت الذي كان الجميع يدعو الحراك الثوري في سوريا للمحافظة على سلميته في الحشود والاعتصامات.
يومها كشف فرع المعلومات التابع لقوى الأمن الداخلي مخططا لتفجير لبنان عبر سلسلة من السيارات المفخخة التي كانت تستهدف شخصيات محددة في عكار وطرابلس. المتورط الأساسي فيها كان الوزير السابق ميشال سماحة المحسوب بقوة على النظام السوري.. أودع سماحة السجن بفعل الفخ الذي نصبه له فرع المعلومات، بحيث تمكن الجهاز من تسجيل المكالمات بالصوت والصورة التي تدين سماحة وهو متلبس بالجريمة. الرجل حتى اللحظة قابع في السجن، ولم يصدر بحقه حكم قضائي رغم مضي حوالي سنتين على توقيفه، في حين رئيس فرع المعلومات اللواء وسام الحسن وبعد شهرين على نجاحه في كشف مخطط التفجير، تم اغتياله بسيارة مفخخة في بيروت.. بعدها كرت سبحة التفجيرات المتنقلة، قضى خلالها الوزير محمد شطح تيار وقبله وقع تفجيرا مسجدي السلام والتقوى في مدينة طرابلس، سقط فيهما ستون قتيلاً وأكثر من 350 جريحا. تحقيقات قوى الأمن الداخلي أشارت بأصابع الاتهام لأعضاء في الحزب العربي الديمقراطي بقيادة علي عيد الذي رفض المثول أمام القضاء ثم دفعاً للإحراج، تعلل بعجزه الصحي عن المثول، في حين كان مثول نجله رفعت عيد شكلياً، تمّ خلاله استجوابه حول ملابسات التفجير.. أمّا التفجيرات التي وقعت في الضاحية الجنوبية فلم تمض دقائق أو ساعات على حدوثها حتى أعلنت الجهات التي تقف خلفها مسؤوليتها عنها.. الفاعل كان معروفاً، وتمّ التعامل معه بشكل عكس هيبة الدولة اللبنانية، خلافاً لما يحدث مع قضايا أخرى!
أمضت طرابلس منذ ولادة الأزمة السورية عشرين جولة من الاقتتال الداخلي، أحد أطرافه الحزب العربي الديمقراطي وهو ميليشا عسكرية تُتهم بارتكاب مجزرة في حق أهل طرابلس خلال الثمانينيات بغطاء من الجيش السوري يومها، في حين أطرافه الأخرى زعماء حروب ولدوا وتسمنوا بعد الأزمة السورية، ويسمّون اليوم بقادة محاور، بعضهم إسلامي وبعضهم لا يعرف من الإسلام إلا رسمه، ويخضعون لحسابات سياسية دقيقة.. اليوم طرابلس تدمر ويستنزف اقتصادها، وأهلها البالغ عددهم 600 ألف هم أسرى لأمزجة هؤلاء المتقاتلين المأجورين ولحساب من يُشغّلهم محليا وإقليمياً.. ينتقل الحريق من طرابلس إلى صيدا في أحداث عبرا مع الشيخ أحمد الأسير عدو حزب الله اللدود، وتنتهي فصول المسرحية بتدمير مقره وفراره متخفيا مع بعض مقاتليه ثم يصدر القضاء اللبناني الحكم بالإعدام على حوالي 24 من أنصاره، في الوقت الذي لم يحقق في الاتهامات التي سيقت حول وجود ميليشات وأحزاب كانت تقاتل إلى جانب الجيش في مواجهة الأسير.. أما بلدة عرسال المحاذية للحدود السورية فهي باتت أشهر من بعض محافظات لبنان لتصدرها الواجهة إعلاميا وسياسيا بشكل يومي. تُتّهم عرسال بتهريب السلاح إلى المعارضة السورية، وإيواء المقاتلين، في حين يقول أهلها إنها حملة إعلامية منظمة لتشويه البلدة، لأنها أعلنت عن خياراتها الداعمة للشعب السوري في وجه آلة قتل لا ترحم.. أيّا كانت الاتهامات، تبقى الحقيقة الساطعة التي لا تخطئها العين أن الحرائق المتنقلة من طرابلس إلى صيدا إلى عرسال فبيروت تقع في مناطق، الأغلبية فيها من طائفة واحدة تتعاطف مع المعارضة السورية ضد النظام، ما يطرح علامة تساؤل كبيرة حول من يفتعل هذه الحرائق، ومن يحركها؟ وأي مصلحة وطنية ترجى من التورط فيها عند من يلعبون دوراً أساسيا في إشعالها أو تغطيتها سياسيا أو حماية المتورطين فيها قضائياً؟!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1692
| 04 يناير 2026
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1251
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
1002
| 07 يناير 2026