رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في شتاء عام 1981 التقيت بشيخ الفلاسفة العرب المعاصرين المرحوم د/ زكي نجيب محمود في شقته التي تقع في شارع أنس بن مالك المطلة على النيل بكوبري جامعة القاهرة.. كان لقائي بالمفكر الكبير المرحوم د. زكي نجيب أمنية شخصية قبل أن يكون مطلبا صحفيا للحوار معه بحكم مكانته العلمية الكبيرة وريادته الفكرية بعد رحيل عباس العقاد وطه حسين والرافعي وغيرهم.. وكان الحوار متعدد الجوانب في مسيرته الفكرية ومعاركه المختلفة ومشروعه لتجديد الفكر العربي نشر في ذلك الوقت . وقد واجه المفكر المرحوم حملة كبيرة من بعض الأقلام العلمانية بسبب موقفه من التراث والفكر العربي الإسلامي عموما والتي بدأت بكتابه" تجديد الفكر العربي" و" المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري" و"ثقافتنا في مواجهة العصر"، ووصفته بالمراوغة والتناقض الذاتي والهزيمة الفكرية .. ومن هؤلاء الكتاب د/ فؤاد زكريا وغالي شكري ونصر حامد أبو زيد..
يقول د/ فؤاد زكريا في مقالة بمجلة العربي الكويتية سنة 1988م ـ مشيراً للدكتور زكي نجيب محمود ـ: في الماضي كان مجرد الاحتكاك بحضارة الغرب لفترة ما كافياً لأن يحول شخصية نشأت نشأة تقليدية تراثية خالصة مثل رفاعة الطهطاوي في اتجاه الانبهار الشديد بالغرب .. أما اليوم فإن مجموعة من المثقفين العرب البارزين الذين عاشوا في الغرب حياة طويلة واختار بعضهم الاستيطان فيه أو الهجرة الدائمة إليه يقودون ـ الحملة ضد الثقافة الغربية ويتفق موقعهم ـ كما يقول ـ في هذه الناحية اتفاقاً موضوعياً مع موقف التراثيين الذين رفضوا الغرب منذ البدء والذين لم يعرف معظمهم عن الثقافة الغربية إلا قشوراً سطحية .. لكن اللافت للنظر بحق هو هذا التحول الحاد الذي جعل أشد المفكرين العرب تشبعاً بالثقافة الغربية يرى من علامات نضجه مهاجمة تلك الثقافة التي نشر بها واستمد محتوى تفكيره منها وعاش بين ظهرانيها ردحاً طويلاً من الزمان .. فهؤلاء في تكوينهم الثقافي هم ورثة سلامة موسى وشبلي شميل ولطفي السيد ومظهر سعيد ومع ذلك فقد دار بهم الزمن دورة كاملة وأصبحوا يقفون في الطرف المضاد بقوة لأسلافهم الروحيين ؟؟ ـ ويقصد بأسلافهم الروحيين المفكر الكبير عباس العقاد ـ أيضاً الناقد غالي شكري كان أشد عنفاً وإساءة إلى هذا المفكر العربي الكبير في مقالته تلك التي كتبها بمجلة الناقد في نوفمبر 1990م بعنوان ( زكي نجيب محمود العقل المراوغ ) ومن ضمن ما قاله غالي شكري: ( كان زكي نجيب محمود أهم وأكفأ صياغة توفيقية للمشروع الوضعي لأنه أثبت قدرة هائلة على التكيف مع المتغيرات وبرهن على أن العقل الوضعي يستطيع الإيهام بأنه قد ( تطور ) من الانسحاق المطلق أمام العلم التقني للغرب لدرجة الاعتراف بالعبودية والطغيان في تكويننا منذ نشأتنا على الأرض إلى التباهي بالعروبة والتمايز بالإسلام .. إنه الإيهام لكنه ينسجم مع العقل المراوغ ؟؟ فالعصر هو ( العلوم الطبيعية ) والأصالة هي ( مرفأ الحياة الآخرة التي هي غاية منشودة خلال كل نشاط تشط به في هذه الحياة الدنيا ).
المهم أن هذه الحملة الشرسة على د/ زكي نجيب محمود ظلت لسنوات متواصلة سواءً بالتصريح أو الرمز ـ لكنها اشتدت بعد ظهور كتبه الأخيرة التي أظهر فيها اهتمامه بالتراث العربي الإسلامي وخاصة كتبه: ( قيم من التراث ) و ( عن الحرية أتحدث ) و ( أفكار ومواقف ) و ( رؤية إسلامية ) فما الذي ناقضه الدكتور زكي نجيب محمود في آرائه وأثارت غضب هؤلاء لحد اتهامهم له بالمراوغة والتراجع والهزيمة الفكرية إلخ : يقول د/ زكي نجيب محمود في كتابه ( أفكار ومواقف ) "مضيت أقلب أوراقي أقرأ سطراً هنا وفقرة هناك وصفحة كاملة حيناً بعد حين . لكني هذه المرة أخذت طريقي مع الأيام متجهاً بها من ماض إلى حاضر ، فإذا ببوادر القلق تأخذ في الظهور ، وإذا بالحيرة تزداد حدة وبالتساؤل يعلو صوتاً ؛ ليقول : وماذا تكون قد صنعت يا أخانا إذا أنت اكتفيت بأن تسلك نفسك أوروبياً مع الأوروبيين ؟ ماذا تكون إضافتك للدنيا إذا ما جعلت من نفسك واحداً يضاف إلى كذا مليون من أهل أوروبا ؟ نعم ، رأيت في أوراقي شكوكاً تتقد جمراتها بين الأسطر كلما اقتربت مع تلك الأوراق من يومي هذا ، ووجدتني في موضع ما اتجه إلى نفسي بلائمة كأني أعاتبها فأقول : أتكونين يا نفسي في أمسك على رأي ، ثم تصبحين في يومك على رأي آخر ؟ ألم تريدي بالأمس ألا تختلط مصريتك بشيء من عروبة ؟ ولكني وجدت تلك النفس المتشككة تسارع إلى الجواب بنفسها فتقول : وماذا في أن أزداد تفكيراً فأتغير ؟ إن إيمان المرء ليزداد بفكرته إذا ما جاءت بعد شك فاحص متعمق ؟ لقد قيل للشاعر الأمريكي العظيم ( وتمان ) وكان قد ناقض نفسه : لقد ناقضت نفسك في الرأي ، وقلت بالأمس ما نسخته اليوم ؟ فأجاب : نعم إنني أنقض برأي اليوم رأي الأمس ، فماذا في ذلك ؟ ومع ذلك فلا أظنني في وقفتي الجديدة قد نقضت وقفتي الأولى ، لأنني في الحقيقة لم أنسخها ، بل أضفت إليها ، فبعد أن كنت مخموراً بشيء اسمه ثقافة الغرب ، جاءت صفحتي الجديدة لتقول : ثقافة الغرب مصقولة مع أصول الثقافة العربية ، لقد تمنيت لأمتي فيما سبق أن تكون قطعة من الغرب ، لكنني اليوم أريد لها أن تكون أمتي هي أمتي" .
ويضيف زكي نجيب في فقرة أخرى " إن تاريخنا الثقافي أشبه شيء في صورته بالعمارة الإسلامية ، حين يقام البناء على رقعة من الأرض معينة الحدود حتى إذا ما صعد إلى الطابق الثاني ، برز بجوانبه ،ليجىء هذا الطابق الأعلى أوسع رقعة من الطابق الأدنى وكذلك يحدث في الطابق الثالث حين يرتكز على ما هو أدنى ، ثم يبرز بجوانبه ليصبح أرحب .. وهكذا فعلنا في مراحلنا الثقافية ، فنحن إذا انخرطنا في الثقافة العربية ، لم نمح جذورنا الماضية ، بل بنينا فوقها طابقاً يرتكز على ذلك الماضي ثم يتسع .
لا ، ليس المطلوب للعربي إذا أراد الترقي ، ألا يكون عربياً ، بل المطلوب أن يكون عربياً جديداً ، المطلوب هو أن يظهر فينا ( سندباد عصري ) ليستأنف سيرة القديم بصورة جديدة ، وقل ذلك في الطب والهندسة والفلسفة وفي كل فرع من فروع الأدب والفن والعلم والصناعة .. أخذت أقلب أكداس الورق التي تراكمت عندي حتى ضقت بها ، لكنني خرجت من هذا كله بأن رأيت القلم الذي شطح ذات يوم في تطرفه نحو الغرب ، قد عاد آخر الأمر إلى توبة يعتدل بها ، فيكتب عن عروبة جديدة تكون هي الثقافة التي تصب جديداً في وعاء قديم ، أو تصب قديماً في وعاء جديد". ( قلم يتوب 171 )..
لم يكن هذا الرأي هو الوحيد فيما قاله د/ زكي نجيب في ثقافة الغرب حيث راجع هذا المفكر الكبير آراءه السابقة ونقدها، وأثارت حفيظة العديد من المنبهرين بفكر الغرب وثقافته.. بل هناك آراء كثيرة ناقدة للغرب واعتزازا بالذات يقول د/ زكي:" اجتاحت أوروبا وما تزال تجتاحها موجة تعلى من الجوانب اللامعقولة من الإنسان ولعلها موجة خلقتها هناك ظروف عديدة ، لكنني أعتقد أن جزءاً كبيراً من هذا الاتجاه مرجعه لليأس من العقل أن يحقق لهم السعادة ، إنه كلام ما أظنه يقال لو أن حضارتهم في مثل الأمل الذي كانوا يحسونه في عصر التنوير ـ مثلاً ـ أو النصف الثاني من القرن الماضي ..
والغريب أن البعض من هؤلاء المفكرين الذين لا يزالون صامدين في أبراجهم العاجية وعبادة نصوصهم التي تجاوزها الزمن ، يستغربون كل جديد يطرأ على الساحة الفكرية . وبدلاً من المناقشة والحوار بطريقة ديمقراطية يلجؤون إلى أساليبهم القديمة وهي الخندقة الفكرية إياها ومن ثم توجيه التهم المعروفة ، كالتي تستعملها الدول في عصر الحرب الباردة .
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2502
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2274
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1179
| 11 أكتوبر 2026