رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محمد أحمد غريب العبيدلي

- باحث في السياسات العامة والشؤون الدولية

مساحة إعلانية

مقالات

699

محمد أحمد غريب العبيدلي

حين يكشف الابتلاء معادن النفوس

29 مارس 2026 , 03:54ص

«ما حكَّ جلدك مثلُ ظفرك.. فتولَّ أنت جميع أمرك» حكمة تُنسب إلى الإمام الشافعي تختصر الكثير من معاني الاعتماد على الذات والمواطن وتستحضر نفسها بقوة في لحظات الأزمات حين تتكشف المواقف وتسقط الأقنعة.. 

لم تكن الأزمات التي مرت بها دولة قطر في السنوات الماضية مجرد محطات عابرة، بل كانت اختبارات حقيقية أظهرت صلابة المجتمع وقدرته على التماسك، فقبل سنوات واجهت الدولة تحديات كبيرة لكنها تحوّلت بحكمة القيادة وتلاحم الشعب إلى تجربة عززت الاعتماد على الذات والمواطن ورسّخت مفهوم الاكتفاء والاعتماد الداخلي كانت تلك بحق “ ضارة نافعة”.. 

أما اليوم، وفي ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة خصوصًا مع تصاعد الصراع بين إيران من جهة، محاور الشر من جهة أخرى فإننا نواجه نوعًا مختلفاً من التحديات؛ تحديات لا تُقاس فقط بحجم الخطر الخارجي بل بمدى وضوح المواقف في الداخل إنه ابتلاء من نوع آخر، يكشف النوايا ويختبر الصدق في زمن تختلط فيه الحقائق بالضجيج حيث بدأت باختراق ثقافة المجتمع الإيراني والتغلغل في الحياة اليومية والاجتماعية الإيرانية والاقتصادية و(الموقعية) الى أن بدأت الحرب (بخيانة) المفاوضات الإيرانية والأمريكية بضرب عقر دار إيران وقتل جميع قادة إيران، هذه الطريقة قد طُبقت في سيناريو حي.. إبان المفاوضات مع المقاومة الإسلامية حماس ومفاوضي الكيان الصهيوني، والأخير قام بقصف مقر المفاوضات في الدوحة عاصمة السلام، الأزمة الحالية سوف تنتهي ! ولكن هناك دروس وعبر وابتلاءات يجب معرفتها...

لقد أثبتت التجارب الحديثة أن الحروب لم تعد تُخاض بالسلاح فقط بل أصبحت تُدار عبر العقول ومن خلال التأثير على المجتمعات واختراق وعيها والاختراقات الأمنية سواء عبر الإعلام التقليدي أو منصات التواصل الاجتماعي وفي خضم هذا المشهد حيث برزت ظاهرة مقلقة تتمثل في ظهور أصوات (من داخل الفضاء العربي والخليجي) تبرر أو حتى تؤيد استهداف دول المنطقة.. تحت شعارات ظاهرها نصرة قضايا عادلة وباطنها خطاب متناقض يفتقد إلى الحد الأدنى من الاتساق أو المسؤولية.

هذه الازدواجية تطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة الخطاب الذي يُبث حول الجهات التي تقف خلفه وحول وعي المتلقي نفسه. فليس كل من رفع شعارًا أصبح صادقًا وليس كل من تحدّث باسم قضية أصبح بالضرورة ممثلاً لها، وهنا تكمن خطورة المرحلة، حيث يصبح التمييز بين الحقيقة والتوجيه الممنهج مسؤولية فردية قبل أن تكون جماعية.

إن ما نشهده اليوم يعكس أحد أخطر أشكال الصراع المعاصر، وهو “حرب الوعي” حيث يتم استهداف المجتمعات من الداخل، عبر بث رسائل متناقضة، وتغذية الانقسامات، وإعادة تشكيل القناعات بما يخدم أطرافًا بعيدة عن مصلحة الاستقرار أو الأمن المجتمعي 

ورغم كل ذلك، فإن مثل هذه الأزمات تبقى — في جانب منها — كاشفة فهي تفرز المواقف وتُظهر الفارق بين من يقف مع وطنه بثبات ومن يتلوّن وفق المتغيرات كما أنها تعيد التأكيد على أن الوعي لم يعد خيارًا، بل ضرورة، وأن التعامل مع المعلومات يحتاج إلى تدقيق لا إلى اندفاع أو تبنٍ عاطفي.

إن الأزمات، مهما اشتدت تظل مؤقتة لكنها تترك آثارًا طويلة الأمد في تشكيل وعي الشعوب. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تجاوز المرحلة، بل في كيفية الخروج منها أكثر وعيًا، وأكثر تماسكًا، وأكثر قدرة على التمييز.

وفي النهاية تبقى الحكمة التي بدأنا بها حاضرة في معناها العميق: الاعتماد على المواطن والذات، والوعي، وتحمل المسؤولية هي خط الدفاع الأول ليس فقط في مواجهة الأزمات، بل في بناء مجتمع لا تهزه الشعارات ولا تنطلي عليه الأقنعة، الأوطان لا تُحمى فقط بالحدود، بل تُحمى بالعقول وبصدق المواقف. 

في الأخير أذكر نفسي وإياكم بكلمات الإمام الشافعي: «ما حكَّ جلدك مثلُ ظفركَ.. فتولَّ أنت جميع أمرك».

مساحة إعلانية