رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لقد كانت مغامرة صدام حسين بغزو الكويت كارثة بكل ما تحمل الكلمة من خلال التبعات التي مازالت الأمة تدفع ثمن هذه المواقف الفردية القائمة على الأهواء، وكانت هذه لها تبعات في تمزيق الأمة والإضرار بالاقتصاد وتمكين جهات كثيرة من النفوذ في الأمة وتدويل قضايا كالعراق نفسه، مما أدى إلى غزو العراق نفسه على يد المحافظين الجدد وفق خطة برنارد لويس وتغيير خريطة المنطقة، وللأسف فإن ذلك مكّن قوة إقليمية كإيران أن يصبح لها نفوذ في بلد كان يقاوم أطماعها في المنطقة وتحالف الغرب مع إيران وتم غزو العراق وفق البرنامج الذي ذكرناه في التقسيم الطائفي كنموذج إرادة برنارد لويس للأمة العربية لصالح قوة واستمرار إسرائيل وتفوقها، ومن هنا بدأ حل الجيش العراقي ليتم حصول دولة تقوم على أساس المحاصصة الطائفية، وأن المعارضة العراقية ضد صدام تم اختيار العناصر التي تنفذ هذا البرنامج واستبعاد العناصر التي ستؤدي للوحدة الوطنية لأن العراق كان شعباً لا يعرف العرقية والطائفية، ولكن هذه الأحزاب التي عاشت في إيران وغيره وتم تأهيلها لهذه المهمة عادت لتؤدي هذه المهمة التي يريدها أصحاب المصالح في المنطقة وبدأ العراق يدخل في متاهات دمرت كيان هذه الدولة وتحول العراق إلى كيانات وفئات ذات مبادئ وأفكار تقوم على مسألتين: التطرف هو المنبع والمنهج، والفكرتان هما الطائفية والعرقية وبدأت هذه الفئات تتحدث عن اقتسام النفوذ على هذه الأسس وبدأ العراق يدخل في نفق خطير من حروب ودمار وإرهاب وتصفيات عرقية وطائفية، وضاع العراق التاريخ عراق المنصور والرشيد والبحتري وأبو حنيفة والغزالي وغيرهم إلى عبرات الموت والفقر والدمار وأصيب العراق في عمق كيانه وذاته وأصبح ملايين الأرامل والأطفال الأيتام وأطفال الشوارع وبيع الأطفال وانعدام الكهرباء والمياه الملوثة والمهجرين، ونهب البترول للمغامرات وبيعه في السوق السوداء لحساب عصابات وأفراد، حتى دجلة والفرات الذي تغنى به الشعراء أصبح ملوثاً بالجثث التي تلقى فيه من قتلى الحرب وجعلت الشعب العراقي يحرم حتى من السمك، وأصبح العراق الذي كان مكان الندوات والشعر والأدب والمكتبات إلى عراق الموت والفقر والدمار على يد هؤلاء، وأصبح العراق يدار من قبل الحرس الثوري الإيراني، وقاسم سليماني على وجه الخصوص، ولا يمكن تعيين أحد إلا بموافقة أجهزة الأمن الإيراني، وتحول العراق إلى أداة تنفيذ أعمال في الدول العربية كتدريب الحوثيين، ومجمع لاستقبال الإرهابيين الذين كان النظام السوري يهيئ لهم الدخول وفق خطة لتخصيب الإرهاب في العالم العربي وصنع ضحايا من أبناء الدول العربية اصطادهم أشخاص لا يخافون الله ولا ضمير لهم إلا أهواء وأحقاد وأطماع، وحاولت دول كالمملكة العربية السعودية مساعدة العراقيين بلملمة الفرقة وتضميد الجروح وعودة هذا البلد إلى الصف العربي وفتحت صدرها لكل فئات الشعب العراقي بدون تمييز واستضافت مؤتمراً للمصالحة بمكة واستقبلت قيادات العراق، إلا أن هناك جهات معروفة تدخلت لإحباط وإجهاض هذه المساعي، ولو أن القادة العراقيين استفادوا من هذه العروض والحكمة لتغير وجه العراق، إلا أن المصالح الحزبية والأنانية والتعصب وتقديم المصالح الذاتية على مصالح الأمة وعدم الرحمة بالضعفاء من المواطنين المحرومين من الأمن، والأطفال المحرومين من آبائهم ومن التطعيم والمعرضين للتشوه من الأسلحة الكيماوية. هذا ليس من عندنا وإنما تقارير اليونيسيف والمفوضية السامية للاجئين وبرامج وتقارير الأمم المتحدة التي تتضمن أرقاماً مخيفة مفزعة لا يتناولها الإعلام.
وفي الفترة الأخيرة بدأت عمليات التهجير في البصرة وغيرها وجعلها ذات نسيج واحد وفصيل واحد ليتم بعد ذلك ضمها لإيران، بعد استفتاء وفق المخطط التوسعي لملالي إيران، وهذا ما أفصح عنه نائب الرئيس الإيراني بالوحدة مع العراق وما صرح به مرشد الثورة وأحمدي نجاد وغيرهم وحددوا هدفهم بتهجير غير الموالين لإيران عقديا وفكريا وتحقيق الهدف بالهلال الذي أرادوه، ولكن سوريا رئة إيران في المنطقة قد أضرت بمصالح إيران وكشفت أهدافها للشارع العربي وأخرست أبواق إيران الصحفيين والمفكرين والمحسوبين على الإسلام الذين ظلوا أبواقاً لها في الصحافة ويترددون عليها لطلب دراهم معدودات وليحصلوا على الفنادق والهدايا، فوجئ هؤلاء بأن حزب الله وإيران تدخلوا لقمع الشعب السوري ونزلوا بكل قواهم ودفعوا المليارات لهذا الغرض، وفجأة تحول العراق الذي كان يتهم سوريا بتصدير الإرهاب إلى حليف، ويجب الدفاع عنه وتمويله بالخبراء والأموال ودعمه بكل الوسائل وتبين للسذج أن ذلك كان سابقاً ذراً للرماد في العيون لصرف أنظار الآخرين عن مخطط لفئات باطنية تظهر غير ما تبطن وتعمل بأسلوب ولغة مزدوجة دقيقة السرية قائمة على الخداع.
وقد صدم هؤلاء بالمواقف العربية الشجاعة وفوجئوا بالمواقف الخليجية والعربية مع الشعب السوري، فخرج هؤلاء عن أطوارهم وبدأ المالكي ومن معه يشتم ويسب الدول العربية وتركيا بأسلوب خرج عن اللياقة والعرف الدبلوماسي وتعاملات الدول، وأصبح يهدد يتوعد ويتصرف بطريقة استفزازية، ولكنه فوجئ بأن الناس لم يردوا عليه ولم يولوه اهتماماً كما قال رجب طيب أردوغان إن الرد على هذا الرجل سيحقق له ما أراد فكان سفره لطهران لينفس عن كمده وفشله ليقدم تهديداً عن طريق القادة الإيرانيين بالوحدة، وأن العراق بعد خروج أمريكا وانسحابها قوي بإيران وأن هناك فكرة وحدة عراقية-إيرانية وأن بغداد ستكون الجمهورية الإسلامية القادمة بعد إيران، وكذلك الحديث عن التقسيم ثم بدأت في نفس التوقيت تصريحات بيع النفط لدول كإسرائيل وتهريب النفط لإيران التي تنفذ مغامراتها في اليمن والصومال وإفريقيا ولبنان وغيرها بنفط العراق، ولو تحدث أحد عن ذلك سابقاً لاتهمه الآخرون بالمبالغة والتجني، ولكن الله أراد أن يفضحهم بألسنة عراقية من داخل أجهزة الحكم. إن القضية لم تعد احتواء المشكلة ومد يد أو فتح علاقات رغم مبادرات عربية والموافقة على عقد القمة ببغداد لعل ذلك يعيد هؤلاء لجادة الصواب، وإنما القضية أن هؤلاء ينفذون أجندة، وقد قرروا أن يسجنوا أنفسهم في دائرة ضيقة جداً وهي الطائفية والعرقية ولم يعرفوا ما يجري لهم.
إن العالم تغير وتجاوز هذه المسألة والمرحلة إلى مرحلة التوحد في كيانات، ولو أخذوا بالمبادرة فإن ذلك كان سيساعد البلاد للخروج من النفق المظلم، وسيعيد العراق لدوره لأن العراق لا يمكن أن تحل أموره بتهميش طائفة وإغفال دورها وإخراجها من الدور السياسي وصناعة القرار، فهذا لا يمكن وحتى الأخير تم إبعاد حتى العناصر المعتدلة تمهيداً للوصول إلى التقسيم، وإذا لا سمح الله تحقق ذلك فإن إيران لن تعطي هؤلاء أي دور بل سيندمون ويبكون دماً لأنهم حينها سيكونون مجرد موظفين عند الحرس الثوري وليسوا مستقلين، فمتى يستيقظ العقلاء في العراق ويدعون لمؤتمر وفاق ويمدون يدهم بصدق للأشقاء الذين ليس لهم أطماع وسيجدون الأبواب مفتوحة من اخوتهم الذين يريدون خروج العراق من النفق المظلم والتئام جرحه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5811
| 23 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3105
| 24 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
2988
| 29 سبتمبر 2026