رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل هناك فرق جوهري بين الإعلام الإلكتروني الرسمي وبين التدوين وبين ما يسمى بالدردشة؟
والسؤال يقودنا بشكل أدق إلى سؤال آخر:
هل سيحل الإعلام الجديد محل الإعلام الرسمي ليغير وزارتايها ومسمياتهما ويغير الخريطة الإعلامية والاتصالية للعالم كما غير الخريطة السياسية ووراثة العروش؟
سؤال جدير بالمناقشة
إن التطورات الرقمية المذهلة في أدوات الملتيميديا وشبكات التواصل الاجتماعي ذكرتنا بانفتاح العالم على ما يسمى "الفاست فود"، فالوجبة الدسمة المُسَمِّنة المتخِمة تحضر في دقائق قليلة لتفيك بالغرض، والعلب الجاهزة أضحت قوالب غذائية جاهزة مكتملة تخضعها فقط لإشارات الميكرويف لتصلك في ثوان قبل ان يرتد إليك طرفك.
ولكن، هل تغطي الوسائل الإعلامية الرقمية الجديدة إشباع المستهلك من ناحيتيه لتصل درجة الإشباع الفكري المكتمل العناصر أم إنها مشبعات مجارية لعصر السرعة وفي ذات الوقت محفزات أمراض مثل السمنة وأمراض سوء أو نقص التغذية وتداعياتها؟
حتى مطاعم الفاست فود في ظل المطالبات الجماهيرية الواعية باتت تجاري رغبة المستهلك فلم تعد الثقافة السريعة ثقافة السندويتش والبطاطا المقلية، بل تعدت ذلك الى توفير البدائل السريعة والمفيدة أيضا "الخبز البر" وأكواب السلطات السريعة و"حبيبات النخالة" أو الشوفان مع اللبن الرائب، ومنتجات الألبان قليلة الدسم؟
ربما يكمن الفرق في أنها جاءت في الإعلام بداية وجبة مفيدة مع ما في طياتها من شجون، ولكن طالما يتراوح السؤال هل تقتضي السرعة والآنية مع وسائل أو أدوات التواصل الحديثة "إعلام برغر" مهنية النقل ومصداقية النشر وأخلاقيات التدوين؟ خصوصا ان أثرها يتجاوز الفرد الى أثر الكلمة على المجتمع، وينطبق عليها بشكل أكبر "لا ضرر ولا ضرار".
سعادة عبدالعزيز خوجة، وزير الإعلام والثقافة السعودي كتب في "إيلاف" يوم الإثنين بتاريخ 25 اكتوبر 2010 مقالاً قصصياً بعنوان (عبد العزيز خوجة يحاور خلفه في عام 2090). جديراً بمناقشته:
والمقال يتلخص حول رؤيا رآها في المنام وأقضت مضجعه، رغم انه أعلن في بداية مقاله أنه من شدة إرهاقه قد أغلق هاتفه الجوال ليستريح، فلم يشأ ان يفكر في اجتماعات غده لئلا يستدعيه ذلك لفتح هاتفه الجوال لانه لن يحدث أحداً ألبتة.
الوزير المسكين عدّ الخراف دون جدوى حتى خلد أخيراً للنوم فداهمه شخص زعم أنه وزير الثقافة والإعلام السعودي..!!
ذُعر الوزير!! وزيران لوزارة واحدة؟؟
ونظراً لأهمية حديثه لكل زمان ومكان أترككم مع هذه المقتطفات من مقاله:
*********
(قال له: لا تفهمني خطا أنا وأنت في نفس الوقت؟ قال: كيف؟
قال: أنا الوزير لعام، 2090. وأنا جئتك بآلة الزمن، التجارب العلمية عندنا لم تتوصل إلى تموضع زمني يتجاوز العشرين دقيقة. فسأله: تموضع زمني؟!.
قال: التموضع الزمني معناها "المكوث في زمن الماضي من زمن المستقبل".
قاطعت: حيلك عليّ. لا تهدر وقتك ولا تربك وقتي، ماذا تريد مني؟.
قال: باختصار، ستنظم الوزارة معرضاً للكتاب، هناك مجموعة من المثقفين تطالب بفسح كتب معينة، ومجموعة أخرى تطالب بمنع كتب معينة، ومجموعة ثالثة تطالب بفسح الكتب الممنوعة، ومجموعة رابعة تطالب بمنع الكتب المفسوحة. صرّحت بأن كل الكتب مفسوحة فقامت الدنيا ولم تقعد، فصرحت بأن كل الكتب ممنوعة فقامت الدنيا — أيضاً — ولم تقعد.
ماذا أفعل؟!.
قال: بلاش ده الموضوع،
قال: طيب، المتعاونون في التلفزيون السعودي يتذمرون من تأخر صرف المكافآت، وكما تعلم أن هذا الموضوع متعلق بالبنود ونحن في الوزارة..
قلت: أبوس يدّك اسكت!.
قال: بالنسبة لتحويل التلفزيون ووكالة الأنباء والإذاعة إلى مؤسسة عامة، لم..
ذعرت وقلت: لأ، لا تقل لي: إنها لم تتحول!.
قال: أبشرك.. إنها تحولت، لكن الناس لم ترضَ عن التجربة، فطلبوا تحويلها إلى مؤسسات خاصة، وبالفعل تم تحويلها إلى مؤسسات خاصة، ولكن الناس لم ترضَ مرة أخرى، فعادت مسؤوليتها من جديد إلى وزارة الثقافة والإعلام، لكننا لم نرضَ ولم يرضَ الناس، لذلك نفكر في تحويلها مرة أخرى إلى مؤسسات عامة، ما رأيك؟
قلت: غريبة!.
قال: بلاش ده الموضوع، ما أخبار المراكز الثقافية؟.
قال: أووه، نسيت أن أخبرك، بعد أن غادرت أنت الوزارة بنحو عقد ونصف — كما لا تعلم — تم إغلاق آخر صحيفة ورقية في المملكة عام 2025، وأعلن في نفس العام أن المملكة استطاعت أن تحقق مشروع "كل مواطن.. مدوّن"، وبالتالي استحدثت وزارة "الدردشة والتدوين" وتم تعيين عميد المدونين السعوديين يومها أول وزير لهذه الوزارة،
قلت: وكيف علاقة وزارتنا بالوزارة الجديدة؟.
قال باكياً: أنت تعرف أن المستقبل للصحافة الإلكترونية والمدونات والمواقع الاجتماعية والمنتديات الإلكترونية، لذلك أصبحت "وزارة الدردشة والتدوين" وزارة مهمة، واحنا وزارة أقل من عادية، هناك ناس تطالب بفصل "الثقافة" عن "الإعلام"، وناس تطالب بدمج وزارتنا مع وزارتهم، وناس تطالب بإلغاء وزارتنا، تصور هناك من يطالب بإلغاء وزارتنا، أليست هناك حرمة للتراث؟؟
قلت: أنتم أدرى بشؤون زمنكم. بالمناسبة كيف هي علاقتكم بمجلس الشورى؟.
قال: في الحقيقة إنهم في هذه اللحظة — في زمني — يناقشون التقارير التي رفعتها وزارة الثقافة والإعلام عن عام 2088 وبالتالي...
قلت: اسكت لا تورطني مع أحد!. يكفي الله يرضى عليك!.
********
انتهى.. مقطعاً أحببت عرضه عليكم من مقالة وزير الإعلام والثقافة السعودي، ومقالته ممتعة جداً، وتمنيت لو لم يدرك الخوجة الصباح، ولو لم يسكت عن الكلام المباح. خصوصا انه كرر المسائل العالقة في وزاراتنا الإعلامية المهترئة من هل تتحول إلى مؤسسات أو هيئات؟ ام تبقى وزارات؟ هل تنشر كتباً او تمنعها؟ ما مصير موظفيها ومكافآتهم، وما موقف مجلس الشورى كالعادة من القضايا العالقة منذ الزمانات؟؟؟..
كل تلك الجدلية العقيمة من مخلفات العصر "الجوراسي" والعالم يقطع شوطاً ضوئياً نحو إعلام جديد وتحد أكبر ومواليد سيبرنتية أحدث، المشكلة أننا نعيش في جلباب الماضي بدعوى "اسكت الله يرضى عليك"، و"لا تورطني.." فلم يواز إعلامنا صحوة مجتمعاتنا، فانقلبت مجتمعاتنا على جلابيب آبائها.. فلكل عصر جلبابه مع الاحتفاظ سلفا بهيبة الجلباب وحشمته وكرامته.
ألا ترون أن الإعلام قضية جديرة بالمناقشة الآن في التموضع الزمني حيث لا تتشكل اليوم محصلة الرأي العام من الإعلام الرسمي فحسب بل تنبع زبدة القول فيه من أروقة الدردشة والنشر والتدوين.
فمشروع "كل مواطن.. مدوّن"، يؤكد أن المستقبل للصحافة الإلكترونية والمدونات والمواقع الاجتماعية والمنتديات، وقد أعجبني مسمى الوزارة الجديدة التي أطلقها الخوجة على الثقافة والإعلام.. والتي وضعتها عنواناً لمقالي بعلامتي تنصيص مع الاحتفاظ بالإسناد وبراءة الاختراع للخوجة.
"وزراة الدردشة والتدوين"
إنه لتحدٍ جديد يواجه الإعلام الرسمي ولعله أقوى أثراً، لأنه صوت الشعب وصوت المواطن في كل مكان وكل زمان وكل ثقافة وفي كل لغة وبأي لهجة وبأدوات العصر.
لذلك بكى الوزير أن وزارتهم أصبحت أقل من عادية.. وإنهم يفكرون في إغلاقها وكم هو مؤلم "أن يقول عن وزارة رائدة في الزمانات عند اغلاقها بقوله: أليس هناك حرمة للتراث؟ كناية عن انتهاء عصر الإعلام التراثي كما انتهت الديناصورات.
الوزير أثار جدلية مهمة جداً مذكراً أن الوزارة الجديدة لن تكون فقط "تدوين" لان التدوين أو — النشر الإلكتروني — علم وفن راقٍ، ولكنها تحمل في طياتها الدردشة، ملمحاً إلى أهمية احتواء ما سبق "مهنياً" في مسيرة إعلام المستقبل ما دام جزءاً من أدوات تشكيل الرأي العام.
باختصار ربما نشبِّه تشابه المواقف في دولنا بالمثل العربي القائل: "وافق شن طبقة"
الخوجة لوح بطرح قضايا متشابهة ولكن تجمعها جميعاً ثقافة تعرقل مسيرة الإعلام الرسمي، وهي سياسة "الأفواه المكممة" السائدة والتي مفادها باختصار بالغ: "اسكت"، "لا تورطني"، "غير الموضوع"، "الله يرضى عليك"، "بلاش ده الموضوع"، "أبوس يدك تسكت"، وهو وزير إعلام وثقافة، بيده "ملف الحريات الإعلامية" وبيده في الوقت ذاته "وزارة" بكل أدوات التطوير، ربما نلمح من مقالته أنه لم يستطع ان يبوح بحدود صلاحياته في الواقع فنفس عنها في احلامه وبصوت من؟ لا بصوته بل بصوت خلفه الوهمي؟ وقرينه هو من ينفس الرغبات المكبوته بدليل أن كلمة "اسكت" تنقص الواقعين واقع المسؤولين وواقع الإعلاميين.
مقالة الوزير وزيارة خلفه ذكرتني ليس بأحلام الشعوب بل بأقوالهم أيضاً، التي لا تجد لها متنفسا سوى المجالس وأحلام النوم لأنهم عاشوا في جلباب الخوف حتى تمنوا على حد قول الشاعر:
وإني لأهوى النوم في غير حينه لعل لقاء ً في المنام يكون
تخبرني أحلام المنام بأني أراكم فيا ليت أحلام المنام يقين
فعشق الكثير النوم واستمرأ مناجاة الأحلام لتفريغ همومه وكلومه المكبوتة في الواقع، وما أن يصرح بها بقوة حتى يعود ليصحو من سباته ليبصق عن شماله ثلاث مرات مستغفراً.. خشية أن يكون ما باغته رجساً من عمل الشيطان.
ولكن عصر الثورة الإعلامية والنيوميديا لم يعد يسمح اليوم حتى بأحلام اليقظة، ولم يترك لها مجالاً، بل أدخل السلطة الرابعة في تحدٍ يجب أن تضعه على المائدة قبل ان يتحول الإعلام الرسمي إلى أثر بعد عين.
كاتبة وإعلامية قطرية
Twitter: @medad_alqalam
medad_alqalam @ yahoo.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامية ومستشارة وأكاديمية - الإعلام الرقمي والسياسة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10401
| 06 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3300
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2466
| 08 سبتمبر 2026