رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الوقت.... منتصف ليل 9 فبراير 2024 في قطر...
الزمن... بعد واحد وعشرين عاما منذ 2003
استيقظنا كما استيقظ الآخرون من زملائنا الأمريكيين العاملين في الجامعة على قرار مفاجئ تمّ في أقل من دقيقة وهو تصويت مجلس أمناء جامعة تكساس إي أند إم على إغلاق فرعها في قطر بحلول عام 2028 والذي لم يصدم شريكهم (مؤسسة قطر) فحسب، بل صدم الأمريكيين والعاملين أنفسهم، إذ تم بعد ثلاث سنوات فقط من تجديد عقدها، ولم تسبق الادعاءات الكاذبة أية مؤشرات ولا حتى مناقشة عامة لمشروع قرار في اجتماع مجلس الإدارة.
هتفت باستغراب... تكساس إي أند إم؟
تلك التي قام مركز دراسات معاداة السامية والسياسة العالمية في واشنطن يناير الماضي بشحن المسؤولين الأمريكيين ضد قطر بعيد استجابة اللوبي الصهيوني لتصريحات نتنياهو ضدها فأرسلوا رسالة تتهمها بتهديد الأمن القومي بادعاء مشاركة جامعة تكساس قطر أسرار صناعة الطاقة النووية وحيازة حقوق تطوير الأسلحة وتصويرها بدعم حماس وتمويلها والتلميح بعلاقتها مع جماعة الإخوان المسلمين.
وهذا محض هراء وافتراء تستخف فيه أمريكا بحصافة شعبها وتتّهمه بالغباء وهي تمارس التعتيم والحجب الإعلامي عليه، كما تستهدف تضليل العالم الواعي والذي تدحض فيه هذه الدعاية السياسّية نفسها بنفسها، إذ لا قاعدة منطقيّة ولا أساس لها من الصحة، فأمريكا لم تقدّم يوما ما أيّ سرّ من أسرارها التكنولوجية لأحد!! ولم يكن لتقدّم!! ولن تقدّم!! والعالم خارج حدودها ليس بمغيّب عن الحقائق المنشورة في منصّات الإعلام الرقمي التي باتت تنافس إعلام أمريكا، فضلا عن أن العالم ليس بساذج لكي يصدّق هذا التضليل! وإلا فلن توافق أمريكا من البداية على الشراكة نفسها منذ عام 2003 لا لقطر ولا لغير قطر! ناهيك عن أن تستمر عشرين عاما بذريعة واهية من أن المنطقة حاليا ملتهبة جيوسياسيا وكأن المنطقة في بداية الألفية وقت التعاقد كانت بردا وسلاما.
ما يناقض ادعاءاتها هو نفي رئيسها (مارك ويلش) ذلك بقوّة مباشرة في رسالة وجّهها إلى مجتمع الحرم الجامعي: «من أن الفرع في قطر لا يقدم في الأصل برنامجا للهندسة النووية»، وأن «التلميح بتسريبهم - الأساتذة الأمريكيين- لبيانات أبحاث الأمن القومي بطريقة ما أو تعريضها للخطر أمر خاطئ وغير مسؤول».
ناهيك عن أن أي قارئ بسيط يدرك من الوهلة الأولى عدم صحة ادعاءاتهم وإلا تعرض رئيس الجامعة لعقوبات الخيانة الوطنية العظمى التي لن تغيب عن أمريكا لمدة عشرين عاما ليصحوا عليها فجأة في العام الحادي والعشرين من العقد المجدّد للتو..... !!! أضف إلى ذلك أن (جو أور) وهو أستاذ سابق في جامعة تكساس دحض بنفسه ضعف حجّة القرار معلّقا: «إن منطق المجلس الذي قرر المغادرة وسط التوترات المتزايدة في الشرق الأوسط يبدو «ضعيفا»، نظرا لأن الجامعة فتحت أبوابها بعد فترة وجيزة من هجمات 11 سبتمبر ولم تنسحب خلال الصراعات الإقليمية الأخرى حتى أزمة الخليج 2017»، معتبرا «أن فكرة الصراع العسكري الإسرائيلي البعيد عن قطر تبدو مصطنعة». «خصوصا وأنها فتحت في 2003 لتعزيز التعليم الهندسي والبحث في الشرق الأوسط في منطقة رئيسية في النفط والغاز».
ثمّ جاءنا النبأ التالي:
الوقت.... مساء 23 مايو 2024
الزمن.... بعد 16 عاما من 2008
جاء مجلس النوّاب في أمريكا في جلسة تحت قبّة الكابيتول هل ليحاسب جامعة نورث ويسترن ويجلد رئيسها جلدا بتهمة الشراكة مع الجزيرة دون إعطائه فرصة للرد في استجواب جلسة سماعية لتصفع ديكتاتورية العصر بل الدعاية الصهيونية عقودا من الدبلوماسية التعليمية وتطرحها أرضا ليس بقرار لمجلس الإدارة ربما نفهمه أو نتفهمه بل ببروباغندا دعائية مضلّلة وحملة تشويه موجَّهة سياسيّا ضد قطر وممنهجة في إعلامها ومنصاتها الرقميّة المحكومة في السردية والخوارزميات والحسابات نحو خدمة المحتلّ الإسرائيلي.
هذا والعالم يشاهد يوميا بالصوت والصورة مجازر المحتلّ ضد شعب أعزل ومحرقته المروّعة للنساء والأطفال مُتحديا قرار محكمة العدل الدولية، ويعلم أن حملة التضليل المستعرة لإغلاق الجامعات في قطر دافعها حفظ ماء وجه أمريكا أمام اثنين: أوّلهما: فشل ترسانة الغرب وأمريكا المتطورة الداعمة لإسرائيل أمام مقاتلي حماس وبساطة أسلحتهم، وثانيهما: ما أصاب أمريكا في عقر دارها بمقتل وهو الثورة الطلابية الأمريكية الإنسانية الداخلية ضد مجازر إسرائيل والمطالبات بوقف التمويل الذي تتلقاه الجامعات الأمريكية من شركات التسليح الإسرائيلية. انتفاضة الطلاب الجديدة أدت إلى تصعيد ضغط اللوبي الصهيوني ومنظمته لإعادة توسيع مفهوم معاداة الساميّة وجعلها مرادفا للصهيونية في تصعيد متوقع لخروج ثورة الطلاب عن اليد والخوف من (فتنمة) الحرب على رأس أمريكا. ثمّ جاء مجلس النوّاب بالتوازي مع طلب المنظمة لصبغ الحركة بصبغة خارجيّة مدّعية تأثير أفرع الجامعات في قطر على مواقف الطلاب في أمريكا وربط ذلك بالجزيرة وحماس وتشغيل جماعات الضغط وحسابات التواصل للعزف على ذات المنظومة في كذب فاضح على مرأى من العالم.
ولماذا هو كاذب؟
الإجابة أولا تأتيكم من كولومبيا! تلك التي افتتحت باكورة انتفاضة طلاب أمريكا وإعادة تسمية صالة مظاهرات فيتنام بصالة (هند) علما بأنه ليس لكولومبيا فرع في دولة قطر. ثمّ يأتيكم ثانياً من حرم جامعة نورث ويسترن !! فبعد ساعات فقط من قرار إغلاق تكساس أي أند ام فبراير 2024 أرسلت جامعة نورث ويسترن رسالة تطمين لكل منتسبيها على البريد الإلكتروني ذكرت فيها بالحرف الواحد أنها «مع تفهمها لقرار تكساس الذي أثار قلق الكثيرين إلا أنها مستمرة في قطر ولن تتخذ أي قرار بالإغلاق وأن سياستها مختلفة عن غيرها، إذ إنها أكّدت أنه ليس هناك سبب يدعوها لاتخاذ قرار كهذا». والمتأمل لنص الرسالة باللغة الإنجليزية سيجد أنها أكدت أيضا على «أنها ملتزمة بقيمها مع مؤسسة قطر التي تنص على التميّز، حريّة البحث وتلقي المعلومات مؤكدا رئيسها أنه على تواصل مباشر مع رئاستها هناك، وأنه سيزور (ايفانستون) في شيكاغو الشهر الذي يعقبه.. أي مارس الماضي.
وأضاف كلمة مهمّة جدا في آخر ها:
I want to reiterate
أي إنني أودّ أن أعيـــــــــــــد التأكـــــــــــــــــــــــــــــيد لكم أنه
No evidence WHATSOEVER
والتي تعني / ليس هناك أي دليل... عـــــــــــــــــــــــلى الإطــــــــــــــــــــــــــــــــــــلاق...
لكي تنهي نورث وسترن شراكتها مع مؤسسة قطر.
وأضاف: «بل تنظر باهتمام إلى استمرار عملها العظيم مع فرع قطر». وعاد من ايفانستون شيكاغو فرحا متهللا في مارس.
ثمّ صحونا وصحا زملاؤنا العاملون في الجامعة - أعني الأمريكيين المطمئنين سلفا من جانبها برسالة تطمين عاجلة – صحوا فجأة يوم الخميس الماضي- مايو 2024 - ودون سابق إنذار أيضا على تقريع مجلس النواب الأمريكي للجامعة لقطع علاقتها مع قطر في ظل ما أسمته تأثر النظرة التشريعية الأمريكية بالمستجدات الجيوسياسية.
فكيف وظفت البروباغندا الصهيونية حرب غزّة في ملف الجامعات؟ ولماذا؟
يتبع في مقال لاحق..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامية ومستشارة وأكاديمية - الإعلام الرقمي والسياسة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4680
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3324
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1185
| 01 أكتوبر 2026