رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
• أما اللؤلؤة فهي دولة قطر الشقيقة، واللولوة هي سعادة لولوة الخاطر وزير الدولة للتعاون الدولي. حيث قامت سعادتها مكلفة من صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر بجبر خواطر أهلنا في السودان ومن قبلهم في غزة. ممثلة لدولة قطر، ومجسدة لأهل قطر الأوفياء في تعبير مكثف، رسولة للإنسانية، تساقط علينا رطبا جنيا. دوافع ثلاثة دفعتني لكتابة هذا المقال. أولها دافع (ملهم) وثانيها (مستفز) وثالثها (مستحق) والذي يرتقي إلى مصاف الواجب، انصافا ووفاء لمن قدموا اجزل العطاء في وقت عز فيه النصير.
• تمثل (الملهم) في مشاهدة سعادتها وهي تهبط مطار بورتسودان قبيل شهر رمضان المنصرم من طائرة ال C 130 التابعة لسلاح الجو الأميري القطري وهي ترتدي سترة العاملين في مجال الإغاثة، بدلا عن السترة الواقية من الرصاص التي يرتديها عادة ركاب هذا النوع من الطائرات العسكرية، والتي جعلت منها دوحة الخير وسيلة لحمل البلسم. عونا للمحتاج وغوثا للملهوف. في هذا الوقت كانت هناك طائرات من ذات الطراز تهبط على الطرف الآخر في الجوار القريب لحدود السودان الغربية حاملة العلقم من الأسلحة والذخائر وحمم الموت، دعما لتمرد غادر، أذاق أهل السودان المرائر قتلا واغتصابا للحرائر، نهبا واختطافا، تعذيبا وتهجيرا.
•️ انداح هذا الدافع الملهم ليسجل محطات مشرقات أولاها تشريف سعادتها للقاء نظمه أبناء الجالية السودانية بقطر إحدى أمسيات خواتيم شهر رمضان المبارك. وخاطبت اللقاء بأنها عادة مقلة جدا في تلبية الدعوات الاجتماعية في شهر رمضان. غير أنها ذكرت وبود عال أنها لحظة اطلاعها على الدعوة وعلمت أنها من أبناء السودان بقطر وافقت على الفور. وعددت في كلمتها جملة من معاني الوفاء تنم عن أصالة الجوهر ورقي المخبر لأساتذتها وصداقاتها من السودانيين. وشهدت باريس عقب عيد الفطر ثانية هذه المحطات حينما ترأست سعادتها وفد قطر لمؤتمر باريس لدعم الجهود الإنسانية في السودان. حيث كان خطابها أمام المؤتمر هو الأميز والأفضل بلا منازع نصرة وحرصا اكيدا على السودان أرضا وشعبا وكيانا.
• لم يتوقف اندياح هذا الدافع الملهم عند حدود السودان، بل تعداه إلى غزة العزة. حينما قادت سعادتها قوافل الدعم الإنساني. وكان حضورها هو الأول والأخير لأي مسؤول عربي بهذا المستوى الرفيع. وقد كان اختيار القيادة الرشيدة لسعادتها كامرأة لهذه المهمة اختيارا موفقا للغاية، حيث إنها الأقدر على جبر خواطر الآلاف من أمهات الشهداء، فالثابت عبر التاريخ أن النساء هن صاحبات الوجع المر عند وقوع الحروب. إما أرامل لفقد زوج، أو ثكلى لفقد ولد أو بنت. وقد شكلت كلماتها عند معبر رفح لوحة مضيئة في زمان معتم، وجبرت خواطرهم بأحرف نضرات يخلدها التاريخ. وتجسدت قمة المواساة في زيارتها للإعلامي الجسور مدير مكتب الجزيرة بغزة وائل الدحدوح لتعزيته في مصابه الجلل، بفقد عدد من أفراد أسرته جراء القصف الصهيوني الغادر، قبل أن يطاله لاحقا في شخصه جراحا وإصابات، تكفلت دوحة الخير بتضميدها في مستشفياتها المتطورة بامتياز.
استعرضت الذاكرة للمعاصر فما وجدت سوى لؤلؤتين من حرائر أمتنا بمواقف باذخة. أولاهما أيقونة الثورة الجزائرية في ستينيات القرن الماضي والتي وصفها الشاعر باللؤلؤة وهي المناضلة الرمز (جميلة بوحيرد). وثانيتهما أيقونة العمل الإنساني في حاضرنا (لولوة الخاطر) التي مثلت قطر الدولة واهلها الكرام. جوادين بأياد بيضاء، وقلوب مجلوة، فلله درهم وعليه أجرهم.
• وجاء الدافع (المستفز) نتاج تصريحات سمجة صدرت عن سياسيين في الكيان الصهيوني ضد دولة قطر ودورها البارز في الوساطة لحفظ الأرواح وحقن الدماء وتحقيق السلام للجميع. وكان أبرزها تصريحات وزير الإقتصاد. وقد ألقمهم د. ماجد الأنصاري الناطق باسم الخارجية ردودا رصينة شافية وافية.
شكلت هذه الدوافع مضافا لها خلاصات نقاش مع صديق طفولة ذي توجهات يسارية تركها مذ سنوات الدافع (المستحق) واستفزني بعدم درايته بجهود قطر الناصعة في السودان. وهو شخص مجادل وبتعبير أهل السودان (سلاخ نملة). حيث ذكر لي بأن قطر دعمت السودان فقط في عهد الإنقاذ. افحمته فورا بفيديو هذا الجسر الجوي الذي قادته سعادتها في أبريل 2024 بعد خمس سنوات من سقوط نظام الإنقاذ. والذي وجه سمو أمير قطر بتسييره، وقبله عدة جسور منذ اندلاع التمرد دعما للشعب السوداني. وليس لنظام حكم أو رئيس. وأوضحت له أن قطر قد سمت وتجاوزت مرارات دبلوماسية وقعت ضدها من سلطات ما بعد سقوط الإنقاذ، واستمرت في نبل أصيل في دعم السودان وأهله. وهي مرارات تلجأ بعض الدول لقطع العلاقات الدبلوماسية إذا ما وقع عليها مثلها.
وشرعت في سرد أبرز معالم العلاقة والتي من محاسن القدر أنها تأطرت على صعيد الجانب السوداني حينما فتح القوس بمقدم المشير سوار الذهب (رحمه الله)، معارا إلى دولة قطر مطلع سبعينيات القرن الماضي. ويغلق القوس الآن بنجله سعادة السفير أحمد عبد الرحمن سوار الذهب سفير السودان الحالي لدى الدوحة.
• تداعت المواقف الباهية لقطر، وقلت له كان يمكنني الاكتفاء عن هذا المقال بصورة جمة التعبير لذاك البدوي الذي يمتطي بعيره حاملا صورة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر. هناك في اقاصي بوادي دارفور ترحيبا واحتفاء بزيارة سموه لدارفور في عام 2013. وأكاد أجزم بأنها الصورة الوحيدة التي رفعت لرئيس عربي أو أجنبي في تلك الاصقاع إطلاقا.
• وتابعت بأن صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني حفظه الله ورعاه له بصمات مميزة تجاه السودان وأهله. بدءا من استضافة سموه ورعايته لمحادثات سلام دارفور في الدوحة عام 2008 والصبر على تحدياتها وصعوباتها حتى أثمرت اتفاقا للسلام في عام 2011 وقيام قطر بتنفيذ ما التزمت به من مشروعات دعم سلام دارفور في مجالات حيوية عديدة على رأسها المياه، الصحة، التعليم، الإسكان وإعادة الإعمار، توطين الرحل، والرياضة. واستمرت حتى ابريل 2023.
وأوضحت له بأنني شاهد عيان على حرمان أهل دارفور من خير عميم، حينما اجهضت جهات نعلمها مبادرة سموه لتأسيس بنك تنمية دارفور برأسمال 2 مليار دولار عبر مساهمات من الدول الأعضاء والبنك الإسلامي للتنمية.
• وهناك لمسة فريدة متفردة لسموه فهو الزعيم العربي والأجنبي الوحيد الذي اتخذ له مسكنا بالخرطوم وهي لمسة صدق ووفاء، تعزز الثقة وتربو بالاخاء. وفي لمسة أعز وأوفى سجل سموه موقفا ينضح نبلا يوم أن قام بواجب العزاء فى الفقيد الكبير المشير عبدالرحمن سوار الذهب رحمه الله حضورا بمنزل الفقيد بالخرطوم دون كل زعماء العالم.
• تعزيزا للحقائق أطلعته على فيديو لصاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر أواخر عام 2023 وهي تواسي أهل السودان إنسانا ومكانا بشأن مصابهم الجلل جراء هذه الحرب اللعينة. وهي مواساة عز نظيرها ممن هم في مقامها. وليس بغريب على سموها فقد سبق أن قامت بزيارة تاريخية للسودان في عام 2016. ولم أجد في ذاكرة الوطن مثالا لها سوى زيارة الملكة إليزابيث الثانية إلى السودان في عام 1967. وكلتاهما زارتا العاصمة الخرطوم، والأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان. وزادت سمو الشيخة موزا بأن زارت منطقة البجراوية الأثرية شمال الخرطوم.
ولكأني بأرواح الملكات المدفونات لأكثر من 3000 سنة في تلك الأهرامات، قد حلقت ارواحهن ترحابا بمقدم سموها الميمون. وقد كان للزيارة نتائج باهرة دعما لقطاع المرأة والطفل والشباب في السودان، وما زالت ثمراتها تترى ليومنا هذا.
• أردفت بأن سعادة الشيخة المياسة بنت حمد آل ثاني قد وفرت لهؤلاء الملكات وكل هذا التراث الأثري العريق، اهتماما صادقا ورعاية غير مسبوقة، عبر مشروع رفيع المستوى، بمشاركة قامات علمية، وإمكانات فنية عالية. للمحافظة عليه، وتقديمه للعالم بصورة لائقة ومعبرة عن دوره ومكانته في مسيرة فجر الحضارة الإنسانية. وهو غير ما سبقه من مشروعات ساهم بعضها في نهب كنوزنا وعرضها في المتاحف الأجنبية.
• صديقي (سلاخ النملة) قال بأن هذه مواقف من القيادة العليا للدولة وتأتي في إطار العلاقات السياسية والدبلوماسية بين الدول، فأين مساهمات الشعب القطري في دعم السودان؟ أجبته على الفور بأنك لا تدرك حجم ورهق استضافة دولة لمفاوضات استمرت لسنوات بكل تحدياتها. فقد كانوا هناك جميعا بدءا من معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية. وسلفه معالي الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية وأركان حكومتيهما. وعلى رأسهم سعادة السيد أحمد بن عبدالله آل محمود. وتكبده مشاق متابعة جلسات مفاوضات دارفور، وليتك رأيته وهو يجلس في صبر وأناة على حصير في أرض أحد معسكرات النازحين بدارفور.
• قال لي صديقي بأنك تعرف كل هذا بحكم عملك في السلك الدبلوماسي، أما أنا فمن أين يتأتى لي ذلك وهو غير مبذول في الميديا. ختمت بموقف لي مع السفير الجزائري في دمشق في عام 1998 وقد كان يوما أحد شباب الثورة الجزائرية تحت قيادة أحمد بن بيلا وهواري بومدين. وقد زارنا بجناح السودان بمعرض دمشق الدولي يومذاك وأعجب بما عرضنا، وقال لي «أنتم في السودان مثل السمكة تبيض آلاف البيض تحت الماء ولا يعلم بها أحد. وآخرون مثل الدجاجة تبيض بيضة واحدة وتملأ الدنيا صياحا فيعلم الجميع بإنجازها الواحد». فهل ينطبق هذا المثل على دوحة الخير التي تمنح كل هذا العطاء بلا صخب من وساطة بين فنزويلا وامريكا غربا إلى وساطة بين امريكا ودول الغرب وأفغانستان شرقا ومن الصومال جنوبا مرورا بإريتريا والسودان وتشاد وغزة وسوريا، إلى الوساطة بين روسيا وأوكرانيا شمالا؟.
ودعت صديقي مع وعد بكتابة هذا المقال عسى أن يكون صرخة في وادي الإنسانية. بعض وفاء للدولة الرائدة في مجال الدبلوماسية الإنسانية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5886
| 23 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
3984
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3129
| 24 سبتمبر 2026