رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محمد يوسف صالح حسان

ma_msalih@outlook.sa

مساحة إعلانية

مقالات

648

محمد يوسف صالح حسان

عداوة الظاهِر.. مَحَبةُ الباطِن

29 مايو 2026 , 03:00ص

هل تتذكرون تلك اللحظات التي كان فيها العالم بأسره يختصر في شاشة صغيرة؟

من منا لم يترك قلبه الصغير معلقاً بحكايات الألوان وصراعات الرسوم المتحركة؟

أعود بذاكرتي إلى سن السادسة، حين كنت أجلس أمام التلفاز في صالة بيتنا، أترقّب بشغف انطلاق مغامرة جديدة مليئة بالضحك والدهشة. لم يكن بطلاها سوى الثنائي الأشهر في عالم الرسوم المتحركة (توم وجيري). لم يكن مجرد جلوس فحسب، بل استلقاء كامل على الأرض، والرأس متكئ على وسادة، واليدان مسندتان بهدوء، وكأن التلفاز هو البوابة الوحيدة لعالم من المغامرات الخالصة. كنت أغرق في ضحك طفولي نابع من القلب، ضحك لا يحتاج إلى تحليل أو تفسير، مجرد متعة عفوية وسحر بسيط لا يزال عالقاً في الذاكرة.

كنت أرى عالماً من الحركة الصاخبة، والألوان الزاهية، والصمت المليء بالمعنى. كنت أضحك عندما كان جيري الصغير يحول حياة توم المسكين إلى جحيم، بينما كان توم يوشك على القبض عليه، تملّكني ارتجافٌ من الحماس وترقّبُ النهاية، فإذا به يفلت في اللحظة الأخيرة، مطلقاً ضحكته الساخرة التي تُطفئ لهيب الغضب.

ولم أكن أفهم أن تلك المطاردة الأبدية كانت درساً في المرونة، والإصرار، والذكاء. كنت أرى القطة الغاضبة والفأر الماكر فقط. لم أحلل العلاقة المعقدة بين الخصمين اللذين لا يستطيع أحدهما العيش دون الآخر، والذي كان صراعهما أبلغ من أي كلمة.

وحين بلغ بي العمر ما يتيح لي التأمل والتحليل، رأيت تلك المشاهد نفسها بعين مختلفة. لم أعد أرى مجرد صراع بين قطة وفأر، بل انفتحت أمامي عوالم من التفاعلات الإنسانية الدقيقة، مجسدة في رسوم متحركة صغيرة. أجد نفسي أضحك، لكن ضحكتي اليوم تحمل في طياتها فهماً أعمق.

والمغزى من تلك المشاهد، أن توم وجيري ليسا دائماً أعداء، فأحياناً نرى لحظات صداقة حقيقية تذوب فيها العداوة. في تلك اللحظات، نرى كيف يساعد كل منهما الآخر، وكيف يُظهر توم عنايته بجراح جيري ظنّاً منه أنه تعرض للأذى حقاً.

هذا العرض الكوميدي، رغم خفته وضحكاته، وانغماس توم وجيري في خصام دائم يزداد تعقيداً مع كل موقف، يخفي في طياته معاني أعمق مما نتصور. إنه يجسّد مثلنا القائل: «ما بعد العداوة محبّة». فعندما يضعان العداء جانباً ويتعاونان لهدف واحد، تتحول الصعوبات إلى بساطة، وتذوب حدود المستحيل بين يديهما، فتنبعث الدهشة والفرح من قلب التحدي، ويصبح الممكن أكثر جمالاً حين يُصنع معاً.

ختاماً، لم تكن تلك المطاردات مجرد دقائق من الترفيه العابر، بل كانت تمهيداً مبكراً لفهم تعقيدات الحياة. واليوم، حين أنظر إلى أحوال الناس، أدرك أننا جميعاً في حاجة إلى قليل من روح ذلك الثنائي المرح، نحتاج إلى القوة التي تمنحها الخصومة الشريفة، وإلى المحبة التي تولد من رحم التحدي. فإذا كان القط والفأر قد تعلما لغة التآخي، أليس حرياً بنا نحن البشر أن نجعل من التعاون جسرنا الأوحد نحو غدٍ أجمل؟ لنبقِ تلك الضحكة الطفولية حية في قلوبنا، ولنتذكر دائماً أن أمتن البناء هو ما شُيّد بالمحبة، وأعظم انتصار هو ما نبلغه معاً.

مساحة إعلانية