رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بمجرد توقيع الصين وبرفقتها 56 دولة آسيوية وأوروبية في الأسبوع الماضي على عقد تأسيس بنك الاستثمار الآسيوي في البنية التحتية والذي يبدأ ممارسة أعماله في أواخر هذا العام برأسمال يبلغ أكثر من خمسين مليار دولار أمريكي، ترتفع في العام القادم إلى مائة مليار، بهدف تعزيز التنمية والتعاون الاقتصادي الإقليمي في آسيا وتوفير التمويل اللازم لتنفيذ مشروعات البنية التحتية ببلدان القارة، فقد أثارت تلك الخطوة قلق ومخاوف الولايات المتحدة الأمريكية من تنامي الدور الاقتصادي للصين ومصالحها الإستراتيجية آسيويا وعالمياً، بالإضافة إلى المنافسة المتوقعة من هذا البنك الوليد للمؤسسات المالية العالمية الكبرى الخاضعة للنفوذ الأمريكي، كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي والبنك الآسيوي للتنمية، والأخطر من ذلك هو نجاح الصين في ضم بعض من الحلفاء المقربين لأمريكا، كبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا إلى عضوية البنك الآسيوي الجديد.
وحاولت الولايات المتحدة الأمريكية جاهدةً اعتراض وعرقلة طريق البنك الوليد والضغط على حلفائها الأوروبيين كي لا ينضموا إلى هذا البنك الآسيوي، حتى لا تتمكن الصين من تلبية احتياجات الدول الآسيوية في تمويل مشروعات البنية التحتية، من طاقة ونقل وطرق واتصالات وغيرها، من ثَمَّ اكتساب المزيد من النفوذ متعللة في ذلك بوجود مؤسسات مالية عالمية متخصصة أخرى تمارس هذا الدور بالفعل وعلى أفضل وجه، ومتجاهلة تماماً تقاعس هذه المؤسسات العالمية عن تأدية هذا الدور وتبنيها لأولويات وأجندات أخرى في عملية المنح تقوم في المعتاد على أبعاد سياسية وتوازنات خاصة.
وأبدت الولايات المتحدة الأمريكية تخوفها كذلك من استغلال الصين لهذا البنك الجديد في تعزيز مصالحها السياسية والعسكرية ومن ثم تنامي نفوذها الاقتصادي دون النظر إلى معايير الإقراض الدولية أو المعايير العالمية للشفافية ومكافحة الفساد، وهو ما أكده الرئيس الأمريكي باراك أوباما في خطاب حالة الاتحاد هذا الأسبوع بأن الصين تريد أن تنفرد بكتابة قواعد العمل لأسرع أقاليم العالم نمواً من أجل تحقيق مصالحها في المقام الأول، وقد تناسى عن عمد أو غير عمد أن المنافسة في تقديم الخدمة بين المؤسسات التمويلية العالمية المختلفة يمكن أن تكون في صالح عمليات الإقراض التنموي، وأن أفضل وسيلة لمعالجة هذه التخوفات الأمريكية "إن كانت حقيقية" هي الانضمام لعضوية هذا البنك ومن ثم التحكم في وضع اللوائح والضوابط والمعايير التي تنظم عمل البنك وضماناته.
ويرى الكثير من الخبراء في اهتمام الصين بتأسيس البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، وفي الرفض والعرقلة الأمريكية لإنشاء البنك، ما هو إلا نوعاً من التنافس بين القطبين الكبيرين على قيادة العالم اقتصادياً في القرن الحادي والعشرين، حيث تريد الولايات المتحدة الأمريكية تأكيد هيمنتها وسيطرتها على المؤسسات المالية العالمية الكبرى والتي استمرت لأكثر من سبعين عاماً ومن ثم التحكم في إقراض وتمويل مشروعات التنمية بدول العالم المختلفة وفقاً لمدى ولاء وتبعية هذه الدول إليها.... فيما تريد الصين وهي تهيئ نفسها لقيادة العالم اقتصاديا خلال السنوات القادمة من تغيير النظام المالي العالمي لصالحها من خلال إنشائها لمثل هذا البنك وغيره من المؤسسات الأخرى التي تعمل على تأكيد وتعظيم الدور الريادي للصين، تمويلياً واقتصاديا وسياسياً، على المستويين الإقليمي والعالمي.
ولعل هذا هو ما أغضب الولايات المتحدة الأمريكية من حلفائها الرئيسيين الذين انضموا إلى عضوية البنك الاستثماري الجديد الذي يعزز من قيمة وأهمية الصين على المستوى العالمي ومن بينهم ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، وإن كان النصيب الأكبر من الغضب قد انصب على بريطانيا للدرجة التي دفعت أحد المسؤولين الحكوميين الأمريكيين إلى الزعم بأن سياسة التقارب التي تنتهجها الحكومة البريطانية مع الصين تضع العلاقات الأمريكية البريطانية أمام تحديات خطيرة، كما دفعت بعض الخبراء الاقتصاديين إلى التهكم بأن هذه الخطوة البريطانية ما هي إلا حالة من حالات الخروج عن النص.
وفي ظل هذه التطورات، طالب العديد من الخبراء السلطات الأمريكية بضرورة مراجعة مواقفها المتعلقة برفض وعرقلة تأسيس البنك الصيني الآسيوي، مما اضطر هذه السلطات الأمريكية إلى تغيير وجهة نظرها "بصفة صورية" والترحيب "على مضض" بوجود البنك الجديد وبوجود أي مؤسسات مالية أخرى متعددة الأطراف يمكن لها أن تعزز من مكانة المنظومة المالية العالمية.
وصرح بعض المسؤولين الاقتصاديين الأمريكيين بأن البنك الآسيوي للاستثمار يمكن أن يلعب دوراً مساعداً في دعم جهود المؤسسات المالية العالمية القائمة كالبنك الدولي، والبنك الآسيوي للتنمية، فيما شكك البعض الآخر من الخبراء في هذه التصريحات والتي تعني بكل بساطة ووضوح قبول الولايات المتحدة الأمريكية وإدارتها بتعاظم الدور الاقتصادي والريادي للصين على المستوي العالمي، وهو أمر مشكوك في مصداقيته إلى حد بعيد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
8373
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4809
| 05 أغسطس 2026
تجاوز السيجار في المجتمعات الخليجية حدود كونه مجرد خيارٍ استهلاكي شخصي، ليصبح لدى البعض رمزًا للمكانة والوجاهة الاجتماعية، وأحيانًا مفتاحًا طلسميًا للدخول إلى خفايا دهاليز صالونات النخبة ورجال الأعمال. حتى يُخيَّل للمرء أن بعض العلاقات والتفاهمات بين كبار القوم تبدأ بطقة الولاعة قبل تبادل بطاقات التعارف (Business Cards). إن التكلفة العالية لمحبي السيجار، واقترانه بأشهر العلامات الفاخرة، جعلته في نظر البعض مؤشرًا على الوجاهة الاجتماعية؛ إذ لم يعد اقتناؤه مجرد شغفٍ بالتدخين والكيف، بل أصبح لدى بعضهم وسيلةً لاستعراض المكانة الاجتماعية. فالسيجار في كوبا ابنُ بيئته وتراثها وثقافتها، يبدأ من سائق الأجرة الغلبان في شوارع هافانا إلى رئيس الجمهورية في قصره، أما في بعض مجتمعاتنا، فقد أصبح أحيانًا مهاجرًا بلا عنوان، يبحث عن هويةٍ اجتماعية أكثر مما يبحث عن مكانه الطبيعي. ولعل كثيرًا من المساكين من هواة الشروتة، والشيشة، والسجائر، والقدو، يتطلعون بحسرةٍ وشوق إلى خوض هذه التجربة المخملية، غير أن المثل الشعبي يصفع طموحهم مبكرًا: «العين بصيرة، واليد قصيرة». ومن عجائب جاذبية السيجار في تلك الصالونات (Cigar Lounge)، أن دخانه بات يمارس دورًا يكاد يشبه فعل السحرة مع قوم فرعون في جذب أنظار الراغبين في دخول ذلك العالم. فهو يمنح حامله مسحةً متكلفة من الهدوء، ويُظهره في حالةٍ من التفكير العميق والتركيز الحاد، حتى يُخيَّل للمشاهد أن هذا «السرحان الاستراتيجي» كفيلٌ بهندسة الاستثمارات العابرة للقارات وجلب الصفقات المليارية، بمجرد زفرةٍ واحدةٍ تنطلق في الهواء. وهنا يبرز تساؤلٌ يستحق التأمل: هل يمكن أن تتطور تكاليف اقتناء السيجار الفاخر لتتحول مستقبلًا إلى ظاهرةٍ اجتماعية ضاغطة، يرافقها عبءٌ مالي يشبه ما نشاهده من مظاهر الاستعراض والمبالغة في تكاليف الزواج وصالات الأفراح والعزاء؟ ختامًا، ليس المقصود نقد السيجار أو محبيه، أو عشاقه، أو هواة اقتنائه، فذلك شأنٌ شخصي محض. وإنما المقصود هو ألا تتحول هذه الظاهرة إلى سباقٍ اجتماعي يُرهق كاهل الفرد، ويجعل قيمته تُقاس بما يمسكه بين أصابعه، وبما يحمله بين يديه من عُدَّة وإكسسوارات السيجار الفاخرة.
990
| 02 أغسطس 2026