رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أن يعين الرئيس "مرسي" أربعة مساعدين وسبعة عشر مستشارا وكان من قبل عين نائبا له وأنهى سطوة المجلس العسكري على القرار السيادي.. ذلك كله إنجازات ثورية للشعب المصري تتحقق على أرض الواقع.. وقد صارت إدارة مصر منذ اليوم شعبية جماعية كما لم تعد الرئاسة محتكرة أو مقصورة على شخص الرئيس مهما ادعى أنه وحيد دهره وفريد عصره الذي ضنت بمثله الأعصار وطنت بذكره الأمصار.. ومنذ اليوم لم يعد في مصر من يدعي ملك الصواب المطلق أو من يطمع في تحريك التسعين مليون مصري بضغطة زر كما أراده عبد الناصر، ولا من يتفاجأ أقرب المقربين منه بقرار ذهابه في زيارة مصالحة للعدوة " إسرائيل " ثم يوقع اتفاقية عار مثل " كامب ديفيد " التي انتقصت مصر وسيادتها كما فعل السادات، ولا من يرى مصر بمالها وناسها وتاريخها وراثة حصرية فيه وفي ابنه وعائلته كحسني الساقط.. وأقول :
هذا الذي تحقق في مصر لم يكن ليتحقق بالرئيس وحده، ولا بالإخوان وحدهم، ولا بالشعب المصري وحده، أما الرئيس فبدون الثورة لم يكن أكثر من رجل له آراء سياسية وفكرية معارضة وله في الشعب المصري بهذا المعنى أمثال وأشباه بالآلاف إن لم يكن بالملايين وهذا لا يقلل مما عليه السيد " مرسي " من مميزات شخصية وفكرية ومما للرئاسة من قيمة اعتبارية تجعل أفكار الرجال قرارات وسياسات ينهض بها البلد كله.. وأما جماعة " الإخوان المسلمين " فلم تكن وحدها ومع كل مصداقيتها ووضوح فكرتها واتساع رقعتها واقتدارها على التحرك والتحريك.. لم تكن قادرة على فعل مؤثر وهي المتهمة والمظلومة قبل الثورة ولم تكن أكثر من جماعة إسلامية راديكالية متطرفة ومحظورة في نظر الكثيرين.. والشعب المصري أيضا لم يكن لوحده قادرا على فعل شيء مع ما في هذا الشعب من طاقات وإمكانات بشرية وعلمية وعسكرية وروحية وحزبية وقد مر عليه سنون طويلة كان خاضعا فيها للطواغيت المتفرعنين عليه بضعفه أو بخوفه من الطاغية وأولاده وأهل بيته والحفنة من أنصاره الذين أفسدوا ذات بينه وسخروه في نزواتهم..
الثورة انطلقت وها هي تحصد إنجازاتها وانتصاراتها وها هو شمل الرئيس المميز يجتمع بالحزب المميز ليجتمعا معا بالشعب وإمكاناته وها هو كل مقوم من هذه الثلاثة يعطي للآخر بقدر ما يأخذ منه.. ما يجب نظره وتفسيره بموضوعية هو وجود " الإخوان المسلمين " في هذه التوليفة والدور الهائل الذي يؤدونه الآن.. البعض قد يجادلون في دور الإخوان ونجاحاتهم أو في مركزية أهميتهم وهؤلاء نسألهم : ألم يفز الإخوان المسلمون في الانتخابات البرلمانية ثم الرئاسية؟ فلماذا فازوا على كل الاتجاهات من إسلاميين وليبراليين ويساريين وفلول ومستقلين وأحزاب قديمة وحديثة؟ والسؤال الأهم : كيف استطاعت هذه الجماعة بناء كل هذه الثقة مع الشعب المصري الذي نشأ فيه أكثر من ثلاثة أجيال بعد انقلاب عبد الناصر كلها لا ترى في الإخوان إلا جماعة محظورة ولا تسمع عنهم إلا كمتطرفين وإرهابيين ومطاريد؟ الشيء نفسه حدث في تونس وفلسطين وتركيا والمغرب وها هو يحدث في طول بلاد المسلمين وعرضها.. أليس لافتا أن يحقق الإخوان كل هذا الإنجاز مع أنهم لم يغيروا منذ انطلقت دعوتهم قبل ثمانين سنة شيئا من رؤيتهم ولم يتنازلوا عن شيء من مقاصدهم وغاياتهم أو عن شيء من معاني ومضامين الإسلام البعيدة أو القريبة.. ومعلوم أن كل ما كتبه الشهيد " حسن البنا " مؤسس الجماعة ومرشدها الأول آنذاك لا يزال يدرس في كتاتيبها ويلقى في مواعظها وتدور حوله مناشطها وحياتها..
على المصلحين والثوار والتغييريين والإسلاميين منهم على الخصوص أن يضعوا تجربة " الإخوان المسلمين " الناجحة في عين اهتمامهم، وأن يعيدوا حساباتهم على ضوء ذلك في غاياتهم ووسائلهم ومحدداتهم وخطابهم واهتماماتهم ؛ فكثير من التباعدات والحزازات بينهم وبين " الإخوان " كان أصلها سوء الظن أو اختلاف النظر لجدوى الخيارات السياسية؟!
هذا لا أقوله شماتة ولا تعييرا لأحد ولكن من قبيل الحرص على جمع مكونات التكامل الإسلامي بين جماعات الإسلام وأحزابه وأشخاصه.. فتجربة " الإخوان المسلمين " فيها يتمثل الإسلام بشموليته دون تنازل عن قيمة أو خلق أو موقف منه، وقد نجحت في الوصول إلى الجماهير رغم كل ما ووجهت به من التعويق وأسباب المنع ومكر الليل والنهار، ولكن أقوله وعيني على " الإخوان " الذين أحترمهم وأحترم تجربتهم ونجاحاتهم أن لا يأخذهم الغرور لما أخذ إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في " حنين " إذ أعجبتهم كثرتهم فلم تغن عنهم شيئا وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ثم ولّوا مدبرين.. وأقوله وعيني على إسلاميين آخرين طالما اتهموا " الإخوان " بالتلكؤ في مسألة " الجهاد " وبعدم الجدية في مواجهة الخصوم ؛ فاختطوا لأنفسهم غير خطهم ثم قاموا يصنعون جهادا ويسطرون فيه دماء لها علاقة بضيق أفقهم وبسارة فهمهم وليس لها علاقة بالإسلام ولا بالواقع فأساؤوا من حيث أرادوا الإصلاح وعزلوا أنفسهم ثم ها هم يفشلون ولا يصلون إلى شيء.. وأقوله وعيني على بعض الإسلاميين الذين ظنوا أن منافسة الخصوم ومدافعة الجاهلية تورطهم في اللاسلامة واللاأمن وتعيق الدعوة فإذا بهم ينتقصون من الإسلام باب الجهاد، وباب المحاججة، وباب الحكم، وباب الاقتصاد.. واخترعوا لأنفسهم جهادا هو أقرب للتصوف القديم في برودته وانعزاله واكتفائه من الدين بأشكال وقشور لا روح فيها وتسلوا بها عن العزائم وعن القضايا الكبيرة للأمة.. وأقول هذا وعيني على إسلاميين ارتضوا من الإسلام بالبيان وارتكنوا على التقرب من السلطان ليمهد لهم الناس ويوطئ لهم الرقاب فصاروا عالة عليه وتحت رحمته بقدر ما ابتعدوا عن الناس وفقدوا لغة الحوار والوصال.. أخيرا أقول هذا وعيني على فئة أخرى من الإسلاميين انتهجوا التنظير الجدلي لأفكارهم واعتبروه غاية الجهد والجهاد ومنتهى المطاف فانعزلوا عن التربية والتقويم وأرادوا أن " يتأستذوا " على الناس بجدليات لا عواطف ولا نوازع فيها متوهمين أن هدم الجدار الفكري في إنسان لم يفهم الإسلام يصيره فورا وبالتلقائية إنسانا صالحا ومسلما كاملا ومؤمنا مجاهدا وحول ذلك ظلوا يدندنون واستمروا يدورون فتراخت عليهم عشرات السنين فيما الأحداث تجاوزتهم والناس تكاد تنساهم..
لقد كشفت التغييرات في مصر عن دور ووزن الإسلام السياسي، ثم عن دور ووزن " الإخوان المسلمين " كأكثر جهة إسلامية وإصلاحية نالت ثقة الجماهير والنخب المؤثرة، كما أكدت أن النصر الحقيقي هو في الالتحام بالشعوب وتوظيف ثقلها لا بمعاندتها ولا باستفزازها ولا باستهدافها ولا بتكفيرها والخروج عليها، وأكدت أنه يتحقق باجتماع العامل ( أو الحامل ) البشري مع المناهج الصافية ما لا يتحقق بالسلاح وحده، وأن الجهاد الحقيقي هو في التزام الإسلام بكليته وليس بالتنازل عنه أو عن أجزاء منه ولا بالاكتفاء بشكل أو بمظهر منه مهما رآه المكتفي به أساسيا.. ودللت التغييرات على أن النصر إنما يتحقق بالارتكان على النفس وعلى أصحاب الدعوة الحقيقيين وبالعمل الدؤوب والدخول إلى كل تفاصيل المواجهة مع الباطل وأهله وأعوانه وليس بالارتكان على الآخرين ولا بالارتكاز على المناظرات الذهنية الثقيلة والمجادلات العقيمة الجامدة..
آخر القول : تجربة " الإخوان المسلمين " كجماعة تعيش ظروفا استثنائية من المنع والتعويق.. هي تجربة تستحق وبالأخص بعد نجاحها وما تحققه اليوم لذاتها وشعبها وأمتها.. تستحق إعادة النظر فيها وإعادة تقويمها وتحليلها.. وإعادة البحث عن كيفية ومواضع الاستفادة منها..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5493
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3036
| 24 سبتمبر 2026