رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قال مسؤولون في السلطة الفلسطينية ، إن الرئيس محمود عباس يعتزم الإعلان عن إجراء انتخابات عامة ، وحث حركة " حماس " على المشاركة فيها ، أو إعلان قطاع غزة إقليما متمردا في حال رفضت ذلك .. وأضاف المسؤولون في تصريحات للقناة الثانية العبرية نقلتها صحيفة القدس المحلية مساء الجمعة : " أن عباس سيتخذ خطوات أكثر دراماتيكية قريبا ، وإنه ماض في الدعوة إلى إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية شاملة ، وأن هذه الخطوة تأتي لتحدي حماس في غزة ، وفي حال رفضها سيعلن عن إجراء الانتخابات في الضفة الغربية وحدها واعتبار قطاع غزة إقليما متمردا.
ورغم أن " أمين مقبول " القيادي الفتحوي نفى أن تكون اللجنة المركزية أو المجلس الثوري في منظمته ناقشا ذلك ، إلا أن الاتجاه العام وسابق الخبرة بفتح يؤكد أنهم يفكرون في ذلك ، فقد سبق أن ناقشت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير هذه الفكرة بنفس الذريعة ، ووصل الأمر إلى إبلاغ الرئيس المصري – المخلوع الساقط - وعدد من القيادات العربية منهم عمرو موسى بموقفها هذا .. ويومها أعلن عن خطط سيترتب عليها مطاردة حماس قانونيا محليا ودوليا ، ووقف الرواتب عن غزة ، ووقف كل التنسيقات المتعلقة بالغذاء والوقود.. إلخ. وأقول:
سواء فكرت فتح أو لم تفكر في هذا الأمر ، وسواء كان ذلك رسميا أم غير رسمي ، فلا بد من تقرير حقيقة أن غير مرتبط بالانتخابات بقدر ما أن الانتخابات – الذريعة – ليست مقصودة لذاتها ولا هي نتاج رغبة حقيقية في ممارسة الديمقراطية.. ولكنها نوع من جس النبض لقياس ردة فعل الفصائل وحماس وهوامش الرد الممكنة (كما قال حسن خريشة نائب رئيس التشريعي الفلسطيني) في ظل ما يعتقدونه من أن حماس محشورة وأنه يمكن ابتزازها.
الظن الغالب حتى الآن أنهم لن يفعلوها ، وأن تسريب خبر بهذا المضمون إنما يراد منه الضغط على حماس وإقناعها بضرورة الحوار على أساس رؤيتهم ، وذلك أمر مفهوم في العمل السياسي ، وإن كان غير مناسب في الحالة الفلسطينية بالنظر لما وصل إليه الفصام بين شقي الوطن وللحاجة لإصلاح ذات البين أكثر من الحاجة للمناورات والتذاكيات.. فإن فعلوا واختاروا أن يكونوا خارج المنطق وتجاوزوا كل المعايير الوطنية والعقلية وغامروا بكل شيء ولغير شيء!! فلن نفاجأ به فالقوم في الأغلب الأعم لا يتصرفون من وحي قناعاتهم ومصالح شعبهم ولكن من واقع ضغوط المشكلات الداخلية واستحقاقات الاتفاقات الموقعة مع العدو.. يزيد هذا الاحتمال بوجود أشخاص بأعيانهم في هذه السلطة لهم فكر وأهواء وارتباطات (ويتمتعون برعونة استثنائية) تجعلهم قد يغامرون بكل شيء ، ولا يجوز أن ننسى هنا أنهم فعلوا قريبا من ذلك يوم ادعوا أن في غزة خلايا (إرهابية) ما فهم يومها أنهم يحاولون توفير غطاء أخلاقي وسياسي لأي محاولة اجتياح صهيوني ، وتهييج وتحريض أمريكا والغرب على حماس وغزة.. وفعلوها أيضا يوم قدموا مشروع قرار لمجلس الأمن بهذا المضمون والذي لم يتراجعوا عنه إلا تحت الضغوط (وبعض الحسابات) ، وفعلوها يوم طلبوا من باراك – وزير حرب العدو – صراحة اجتياح غزة وقدموا له رؤية متكاملة بهذا الخصوص ولم يهدؤوا حتى أخذوا وعدا منه بذلك ، وفعلوها يوم قطعوا رواتب من ليس معهم ويوم عبثوا بلقمة الخبز وجرعة الدواء .. وفعلوها حتى أيام الخير بينهم وبين حماس بعد اتفاق مكة عندما راسلوا الحكومات الغربية بعدم التواصل مع وزراء حماس .. فالقوم لم يهدؤوا لحظة عن الكيد لحماس وما من مرة سئلوا الفتنة إلا (آتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا).
على منظمة فتح قبل أن تقبل (بالاندزاز) لهذا القرار أن تعلم أنها بذلك تضع نفسها في مواجهة كل الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة - وليس في غزة وحدها ، وأن تعلم أن القضية الفلسطينية والتضامن مع حماس لم يعد مسألة داخلية تحسمها المعادلات الداخلية أو الاستقواء بالخارج ولكنه صار عربيا وإقليميا وإنسانيا بل (وفتحاويا) ، وأن تعلم أن الانقلاب في مصر الذي تعول على دعمه هو من الضعف وعدم الشرعية بحيث يصير موقف كهذا مزيدا من التهرؤ له والتسريع في فنائه ، وأن تعلم أن ذلك سيسرع في تشقيق ما تبقى من أطلالها .. وبالأخص إذا صار الفرز على قاعدة من مع الوطن ومن ضده ومن يقتل غزة ومن يحييها ! وأخيرا وليس آخرا أن تعلم أن حماس لن تهرول طالبة الرحمة منها ، وأنه سيكون لديها من الوقت وهوامش الفعل الكثير مما لم تفعله حتى الآن ، فقد أثبتت أنها الأشد في سباق التحمل ، والأصبر في لعبة عض الأصابع ، فإن غرهم صبرها في الضفة فالظن أن ذلك ما كان إلا في إطار ما يمكن الصبر عليه ولأنه لا يزال يجري الحديث عن مصالحة (ولعلهم يتقون)!
ليتذكر الإخوة في فتح أن حماس وغزة تعرضت للكثير من قبل فلم تركع ولم تخضع ولم تلن أو تستكن ؛ فالعدو أعلن ذات مرة غزة كيانا معاديا ، وقصفها بالصواريخ والطائرات والمدفعية ، وحرض العالم كله عليها ، وحاصرها وجوعها ثم حاول اجتياحها بنفسه لا بالوكالة ! وكثير من الدول صنفت حماس كمنظمة إرهابية.. فأين وصل كل ذلك؟ ألم يعودوا يبحثون عن تهدئة مع حماس ويوسطون الوساطات؟ ولماذا نبتعد كثيرا ؛ ألم ترفض فتح ذاتها كل دعاوى المصالحة والحوار التي طرحتها حماس منذ الحسم.. ثم ماذا؟ ألم تتنازل عن كل شروطها وتعود تدعو للحوار وتوسط مصر مرة واليمن أخرى والسودان ثالثة؟ والدول العربية التي قطعت علاقاتها مع حماس وافترت عليها ودربت الانقلابيين ضدها، ووعدتهم (لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون) ثم ماذا ؟
أقول : إن الأهم والأولى والذي يجب على فتح والسلطة والرئيس عباس أن يتذكره ويعملوا له بدل هذه الفرقعات والإيحاءات والجعجعات ، وقبل فوات الأوان هو أن يعودوا للتفكير المنطقي التصالحي الذي يحفظ لهم - قبل حماس - ماء الوجه ، ولا يبدد حصائل تضحيات هذا الشعب العظيم الذي يستحق الكثير.. صحيح أن الخلاف بين فتح وحماس يشمل كل الملفات (المفاوضات والمقاومة والثوابت والخلافات والتدخلات والإصلاحات والمنظمة وموازين العمل وعلاقة الداخل بالخارج .. إلى غير ذلك) ولكن ذلك يعني العمل على فكفكة هذه المشكلات وليس تعميقها أو إضافة إشكالات عليها ، ويعني أن يذهبوا إلى اتفاقات المصالحة بكل وثائقها ، وألا يغرقوا في لحظة الانقلاب وأوهام الفرصة.
معلوم أن في القيادة الفلسطينية من يحلف بكل مقدس لديه على أنه لن يفهم المتغيرات ، وأنه سيقع في نفس الحفرة ألف مرة ، ومن لا يزال يفكر ويتعامل مع شعبه بما أدى لكوارث فيما مضى ، وقد يؤدي إلى المزيد منها ومن الانشقاق في الحالة السياسية والفكرية والجغرافية والديموغرافية.. ويبدو أن الله تعالى يستدرج هؤلاء القوم من حيث لا يعلمون ويملي لهم بكيده المتين ، ليفضح آخر مؤامراتهم ولكي يأتوا لحوار فلسطيني ذات يوم وليس في يدهم ما يناورون به ..
آخر القول: إن على كل ذي ضمير حي في فتح قبل غيرها أن يتداركوا وقفة محاسبة ولحظة عودة.. فالرجوع لا يزال ممكنا.. ذلك قبله وبعده عمل كثير ، ولكن العودة للحق والمعاجلة إليه خير من التمادي في الباطل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4599
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3198
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1242
| 28 سبتمبر 2026