رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في السنوات القليلة الماضية ومع النهضة العمرانية التي يشهدها السوق العقاري ودخول مبان ومشاريع جديدة للاستخدام، فاق العرض الطلب في فئات مختلفة من المباني وبالأخص المباني الإدارية، حيث إن الفائض في المباني الإدارية حالياً يحتاج أكثر من خمس سنوات حتى يتم امتصاصه من خلال العرض والطلب في هذه الفئة.
كما أن خلال تلك السنوات الماضية أصبح هناك فائض في المعروض من الوحدات السكنية سواء كانت شققا أو فللا، مما أدى إلى بلوغ تراجع العائد الإيجاري على مدى السنوات الماضية نسبة 30% أو يزيد قليلاً عن أسعار القمة التي بلغها العائد الإيجاري في بداية عام 2015، ومن بعدها بدأ التراجع الذي أصاب المباني الإدارية أولاً، ثم تبعته أسعار إيجارات الفلل السكنية، ومن ثم انخفاض إيجارات الشقق السكنية، واصبح السوق العقاري هو سوق مستأجرين حيث أصبح المستأجر في وضع تفاوضي أقوى من المالك، وبدأنا نشهد عروضا من قبل شهر أو شهرين وحتى ثلاثة مجاناً، وربما أكثر من ذلك في القطاع الإداري، بالإضافة إلى نزول أسعار القيمة الإيجارية.
ومن وجهة نظر المستهلك هذا يشكل واقعاً جيداً لأنه يوفر عليه مبلغاً قيما من دخله، ويتيح له خيارات أفضل من حيث الموقع والمساحة وحالة المبنى.
وقد رأينا انخفاضاً في نمو مؤشر أسعار المستهلكين (Consumer Price) في دولة قطر ابتدأ من 2016 وحتى 2020، وذلك لما تشكله نسبة الإنفاق على الإسكان في تحديد نمو هذا المؤشر.
وقد أدى التراجع في العائد الإيجاري إلى تراجع في أسعار الأراضي في معظم أنحاء الدولة بنسب متفاوتة حسب مواقعها واستخداماتها.
كما أدى الإعلان عن الخطة العمرانية الجديدة بما لها من الإيجابيات التنظيمية في نواح عدة، إلى انخفاض أسعار الأراضي الفضاء الخاصة بالعمارات في قلب الدوحة، وذلك لاشتراطات المساحة المتعلقة بعدد الأدوار المسموح ببنائها في قطعة الأرض بالإضافة إلى تقليص نسبة البناء كحد أقصى إلى 50% أو 45% بناء على موقعها ومساحتها، بعد أن كانت نسبة البناء المسموح بها كحد أقصى 60% مما قلل مساحة الاستغلال الأمثل من الناحية الاستثمارية لتلك الأراضي مما سبب تراجعاً في أسعارها، ومع إطلالة جائحة كورونا أو COVID - 19 وما سببته هذه الجائحة من إغلاق وتحديد نشاط بعض الأعمال التجارية شهدنا تراجعاً في أسعار المحلات التجارية من حيث تكلفة إيجار الباب الواحد وبلغ التراجع في المعدل حوالي 20%، أما بالنسبة للفلل الخدمية بلغ التراجع في حدود 30 إلى 35% من القيمة الإيجارية السابقة. كما شهدنا انعدام طلب القفلية أو الخلو في شوارع تجارية مميزة كشارع سلوى التي كان يطلبها بعض المستأجرين لترك هذه المحلات لمستأجر آخر، ويعد هذا تصحيحاً جيداً يخفف أعباء مزاولة الأنشطة التجارية في هذه المواقع.
من أهم العوامل المؤثرة على القطاع العقاري بمجمله من ناحية العرض والطلب هو العامل الديمغرافي (Demography) وهي المختصة بعلم السكان من ناحية الكثافة السكانية وتوزيعها ونموها بالاضافة إلى طبيعة السكان المتعلقة بالتعليم والثروة وحجم العائلة ومدة إقامة المستأجرين في الدولة ومدى شعورهم بالثقة في استقرارهم المالي والوظيفي.
ومما سبق سرده يمكننا تلخيص ما حصل في القطاع العقاري من الربع الثاني لـ 2015 إلى بداية الربع الثاني في 2021 بالآتي:
1) تراجع العائد على رأس المال في السوق العقاري واستقراره عند 5 إلى 6% سنوياً من رأس المال المستثمر.
2) تراجع أسعار إيجار الفلل بنسبة 30 إلى 35% عن أسعار الذروة في 2015.
3) تراجع الاستثمار في القطاع العقاري وبالأخص في مناطق الدوحة وزيادته في منطقة الوسيل، وذلك لسعي ملاك الأراضي لتخفيف عبء رسوم منطقة الوسيل عن كاهلهم من خلال بيع الوحدات السكنية والإدارية المطورة أو تأجيرها.
4) تصحيح أسعار المحلات التجارية في الشوارع التجارية ومن المؤمل أن ينعكس ذلك على أسعار السلع والخدمات.
5) أدت زيادة المعروض العقاري إلى تحفظ البنوك في التمويل العقاري على المطلق وتركيزها على تمويل المستثمرين العقاريين ذوي الطابع المؤسسي والكفاءة في إدارة العقارات.
6) تراجع أسعار الأراضي الفضاء على حسب المناطق بمتوسط 15 إلى 20% مما أتاح الفرصة للشراء بصورة أكبر للراغبين في الاستثمار أو السكن.
7) فائق كبير في المساحات الإيجارية المعدة للاستخدام الإداري ومن المتوقع زيادة هذا الفائض واستمراره لسنوات قادمة.
في أكتوبر 2020 اتخذت الحكومة خطوات لتشجيع الاستثمار العقاري من خلال سن بعض القوانين من أهمها:
1) إتاحة 16 منطقة حق انتفاع بالعقار لمدة 99 سنة، متاحاً للمواطنين القطريين ولغير القطريين من مقيمين وغير مقيمين.
2) إتاحة 9 مناطق تملك حر لغير القطريين سواء كانوا مقيمين أو مستثمرين من الخارج.
3) حق التملك الحر للوحدات السكنية داخل المجمعات السكنية والمحلات التجارية داخل المولات.
4) السماح للشركات غير القطرية بالتملك بنفس المناطق المحددة ضمن قرار مجلس الوزراء.
5) منح الإقامة لملاك العقارات التي لا تقل قيمتها عن 730 ألف ريال قطري (ما يعادل 200 ألف دولار أمريكي)، بحيث يحصل مالك العقار من هذه الفئة على إقامة له ولأسرته بدون مستقدم طيلة مدة تملكه للعقار.
6) يحصل مالك العقار الذي لا تقل قيمته عن 3 ملايين و650 ألف ريال (مليون دولار أمريكي) على مزايا الإقامة الدائمة التي تشمل الصحة والتعليم والاستثمار في بعض الأنشطة التجارية.
في بداية الربع الثاني لهذا العام 2021 شهد السوق العقاري تطوراً انعكاساً لثلاثة أمور أساسية:
1- القوانين التي اتخذتها الحكومة لتشجيع الاستثمار العقاري في أكتوبر 2020.
2- انحسار تأثير جائحة كورونا على السوق من خلال الاجراءات التي اتخذتها وزارة الصحة.
3- زيادة الطلب على العقارات لتلبية احتياجات تنظيم قطر لكأس العالم 2022 من خلال إبرام إدارة الإسكان العقود مع الملاك في أماكن متفرقة.
للأسباب السابقة بدأ زيادة الطلب على العقارات السكنية بصورة ملوحظة.
وقد أدى هذا الأمر إلى زيادة أسعار الإيجارات السكنية في مناطق معينة بصورة طفيفة واختفاء عروض الأشهر المجانية. كما ارتفعت إيجارات الشقق في منطقة اللؤلؤة بمتوسط حوالي 20% وذلك لزيادة الطلب عليها.
ومن المرجح أن تستمر زيادة الطلب على الإسكان بصفة عامة بنسب معقولة وتدريجية حتى بداية موعد انطلاق كأس العالم لكرة القدم في قطر.
ولكن ماذا قد نستشرف ونتوقع للسوق العقاري في قطر بعد 2022؟
عوامل كثيرة لا بد أن تؤخذ في الحسبان ستؤثر في السوق العقاري من أهمها:
1- ماذا سيحدث للعقارات السكنية وبالأخص الشقق التي تم استئجارها أو بناؤها لكأس العالم لكرة القدم، حيث ان هناك الآلاف من الشقق التي تم استئجارها من خلال الإسكان لعقود مدتها 5 سنوات في لوسيل؟ وهل سيتم إخلاء شقق وعقارات مستأجرة حالياً في مناطق مختلفة من قطر وإحلال الموظفين في هذه العقارات الجديدة في لوسيل، مما قد يسبب فائضاً في العقارات بتلك المناطق مع العلم أن إدارة الإسكان دائماً كانت عادلة جداً في التعامل مع الملاك.
2- ماذا سيحصل لشقق في منطقتين في قطر الأولى 6000 شقة أو وحدة سكنية تبنى حالياً جنوب الوكرة، ومئات الشقق في منطقة شارع الرفاع قرب مول قطر ستستخدم كلها لخدمة تنظيم كأس العالم، هل سيتم تحويلها لعقارات ذات نفع عام كالتعليم أو الصحة ولنا في تجربة الأولمبياد الآسيوي خير مثال حيث أصبحت المنشآت المقامة حينها تابعة لمؤسسة حمد الطبية، واستفاد منها المواطنون والمقيمون.
3- مع انتقال أفرع البنوك الرئيسية والوزارات إلى منطقة لوسيل، كيف سيتم معالجة وإشغال العقارات التي تشغلها حالياً.
4- نهج المؤسسات المالية والبنوك في التمويل العقاري في المرحلة المقبلة.
5- الارتفاع العالمي في أسعار المواد الخام التي تدخل في قطاع الإنشاء العقاري بسبب انجلاء جائحة كورونا، كالنحاس والبلاستيك والخشب.
6- ارتفاع أسعار الشحن في عموم العالم وبالأخص من الصين حيث شهد ارتفاع الشحن بأكثر من ستة أضعاف خلال العام ونصف العام السابق وإلى متى سيستمر؟
7- حركة النشاط التجاري والاستثماري في قطر والتطور في عدد السكان انعكاساً لهذا النشاط.
في المجمل أعتقد أنه من العدل أن نقول إن هناك رؤية لاستقرار السوق العقاري بعد عام 2022، وقد تكون هناك زيادة طفيفة وبشكل تدريجي ومحدودة في الأسعار بما يخدم المستثمرين والمستهلكين ولكن هذا كله يعتمد على العوامل التي ذكرناها سابقاً.
وهنا أود أن أتوجه ببعض المقترحات التي قد تسهم في استقرار سوق العقار وتوجيهه في الطريق الصحيح بما يخدم مصالح الجميع:
1- التخطيط لكيفية استغلال العقارات التي سيتم استخدامها واستئجارها لكأس العالم لكرة القدم، بعد انتهاء البطولة وقد يكون هذا موجوداً ولكن ليس لي به علم.
2- تشجيع البنوك ضمن ضوابط على تمويل الاستثمار العقاري بنسب فوائد معقولة.
3- زيادة المناطق المتاحة لحق الانتفاع من العقار والتملك الحر لغير القطريين في قطر.
4- العمل على تقليص الرسوم في منطقة لوسيل حيث إنها منطقة مفتوحة وتخدم جميع من في دولة قطر وليس قاطنيها فقط، وهي المنطقة المرشحة لاستقبال معظم الاستثمار العقاري في دولة قطر في المرحلة المقبلة.
5- العمل على زيادة الاستثمار الخارجي المباشر بالدولة (Foreign Direct Investment) (FDI).
6- العمل على وسائل تخفف من ارتفاع تكلفة مواد البناء والشحن.
7- وضع قانون وآلية لإنشاء صناديق الاستثمار العقاري (Real Estate Investment Trust) (REIT) وطرحها في سوق قطر للأوراق المالية أسوة بالأسواق العالمية حيث سيتيح إنشاء مثل هذه الصناديق للمستثمرين الوصول إلى محافظ متنوعة من الأصول المدرة للدخل، كما سيتيح لصغار المستثمرين الراغبين في الاستفادة من الاستثمار العقاري بمبالغ متواضعة، كما هو الحل في الأسهم وتمكن الشركات المحترفة في الاستثمار العقاري بإدارة الأصول العقارية لصالح حملة الأسهم في الصناديق الاستثمارية وتتيح سهولة التخارج من الاستثمار العقارية. حيث إنه يحول الاستثمار في العقارات إلى آلية تشبه الاستثمار في أسهم الشركات.
وأخيراً إن الاستثمار في العقار هو من أهم المجالات التي يلجأ إليها المواطنون لزيادة دخولهم وسوق العقار في قطر مستقر ومشجع في المجمل إذا قورن بالعوائد المالية في الاستثمار العقاري خارج قطر في الوقت الحاضر.
باحث اقتصادي
المفاوض القطري والياباني.. دروس في بناء الثقة
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة... اقرأ المزيد
7227
| 15 سبتمبر 2026
غلاء هرمز.. بين كلفة الأزمة واستغلالها
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة... اقرأ المزيد
5430
| 13 سبتمبر 2026
حين يتحول التدقيق الداخلي إلى أداة للتخويف
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد... اقرأ المزيد
10899
| 06 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8934
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4851
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4167
| 23 سبتمبر 2026