رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في السنوات القليلة الماضية ومع النهضة العمرانية التي يشهدها السوق العقاري ودخول مبان ومشاريع جديدة للاستخدام، فاق العرض الطلب في فئات مختلفة من المباني وبالأخص المباني الإدارية، حيث إن الفائض في المباني الإدارية حالياً يحتاج أكثر من خمس سنوات حتى يتم امتصاصه من خلال العرض والطلب في هذه الفئة.
كما أن خلال تلك السنوات الماضية أصبح هناك فائض في المعروض من الوحدات السكنية سواء كانت شققا أو فللا، مما أدى إلى بلوغ تراجع العائد الإيجاري على مدى السنوات الماضية نسبة 30% أو يزيد قليلاً عن أسعار القمة التي بلغها العائد الإيجاري في بداية عام 2015، ومن بعدها بدأ التراجع الذي أصاب المباني الإدارية أولاً، ثم تبعته أسعار إيجارات الفلل السكنية، ومن ثم انخفاض إيجارات الشقق السكنية، واصبح السوق العقاري هو سوق مستأجرين حيث أصبح المستأجر في وضع تفاوضي أقوى من المالك، وبدأنا نشهد عروضا من قبل شهر أو شهرين وحتى ثلاثة مجاناً، وربما أكثر من ذلك في القطاع الإداري، بالإضافة إلى نزول أسعار القيمة الإيجارية.
ومن وجهة نظر المستهلك هذا يشكل واقعاً جيداً لأنه يوفر عليه مبلغاً قيما من دخله، ويتيح له خيارات أفضل من حيث الموقع والمساحة وحالة المبنى.
وقد رأينا انخفاضاً في نمو مؤشر أسعار المستهلكين (Consumer Price) في دولة قطر ابتدأ من 2016 وحتى 2020، وذلك لما تشكله نسبة الإنفاق على الإسكان في تحديد نمو هذا المؤشر.
وقد أدى التراجع في العائد الإيجاري إلى تراجع في أسعار الأراضي في معظم أنحاء الدولة بنسب متفاوتة حسب مواقعها واستخداماتها.
كما أدى الإعلان عن الخطة العمرانية الجديدة بما لها من الإيجابيات التنظيمية في نواح عدة، إلى انخفاض أسعار الأراضي الفضاء الخاصة بالعمارات في قلب الدوحة، وذلك لاشتراطات المساحة المتعلقة بعدد الأدوار المسموح ببنائها في قطعة الأرض بالإضافة إلى تقليص نسبة البناء كحد أقصى إلى 50% أو 45% بناء على موقعها ومساحتها، بعد أن كانت نسبة البناء المسموح بها كحد أقصى 60% مما قلل مساحة الاستغلال الأمثل من الناحية الاستثمارية لتلك الأراضي مما سبب تراجعاً في أسعارها، ومع إطلالة جائحة كورونا أو COVID - 19 وما سببته هذه الجائحة من إغلاق وتحديد نشاط بعض الأعمال التجارية شهدنا تراجعاً في أسعار المحلات التجارية من حيث تكلفة إيجار الباب الواحد وبلغ التراجع في المعدل حوالي 20%، أما بالنسبة للفلل الخدمية بلغ التراجع في حدود 30 إلى 35% من القيمة الإيجارية السابقة. كما شهدنا انعدام طلب القفلية أو الخلو في شوارع تجارية مميزة كشارع سلوى التي كان يطلبها بعض المستأجرين لترك هذه المحلات لمستأجر آخر، ويعد هذا تصحيحاً جيداً يخفف أعباء مزاولة الأنشطة التجارية في هذه المواقع.
من أهم العوامل المؤثرة على القطاع العقاري بمجمله من ناحية العرض والطلب هو العامل الديمغرافي (Demography) وهي المختصة بعلم السكان من ناحية الكثافة السكانية وتوزيعها ونموها بالاضافة إلى طبيعة السكان المتعلقة بالتعليم والثروة وحجم العائلة ومدة إقامة المستأجرين في الدولة ومدى شعورهم بالثقة في استقرارهم المالي والوظيفي.
ومما سبق سرده يمكننا تلخيص ما حصل في القطاع العقاري من الربع الثاني لـ 2015 إلى بداية الربع الثاني في 2021 بالآتي:
1) تراجع العائد على رأس المال في السوق العقاري واستقراره عند 5 إلى 6% سنوياً من رأس المال المستثمر.
2) تراجع أسعار إيجار الفلل بنسبة 30 إلى 35% عن أسعار الذروة في 2015.
3) تراجع الاستثمار في القطاع العقاري وبالأخص في مناطق الدوحة وزيادته في منطقة الوسيل، وذلك لسعي ملاك الأراضي لتخفيف عبء رسوم منطقة الوسيل عن كاهلهم من خلال بيع الوحدات السكنية والإدارية المطورة أو تأجيرها.
4) تصحيح أسعار المحلات التجارية في الشوارع التجارية ومن المؤمل أن ينعكس ذلك على أسعار السلع والخدمات.
5) أدت زيادة المعروض العقاري إلى تحفظ البنوك في التمويل العقاري على المطلق وتركيزها على تمويل المستثمرين العقاريين ذوي الطابع المؤسسي والكفاءة في إدارة العقارات.
6) تراجع أسعار الأراضي الفضاء على حسب المناطق بمتوسط 15 إلى 20% مما أتاح الفرصة للشراء بصورة أكبر للراغبين في الاستثمار أو السكن.
7) فائق كبير في المساحات الإيجارية المعدة للاستخدام الإداري ومن المتوقع زيادة هذا الفائض واستمراره لسنوات قادمة.
في أكتوبر 2020 اتخذت الحكومة خطوات لتشجيع الاستثمار العقاري من خلال سن بعض القوانين من أهمها:
1) إتاحة 16 منطقة حق انتفاع بالعقار لمدة 99 سنة، متاحاً للمواطنين القطريين ولغير القطريين من مقيمين وغير مقيمين.
2) إتاحة 9 مناطق تملك حر لغير القطريين سواء كانوا مقيمين أو مستثمرين من الخارج.
3) حق التملك الحر للوحدات السكنية داخل المجمعات السكنية والمحلات التجارية داخل المولات.
4) السماح للشركات غير القطرية بالتملك بنفس المناطق المحددة ضمن قرار مجلس الوزراء.
5) منح الإقامة لملاك العقارات التي لا تقل قيمتها عن 730 ألف ريال قطري (ما يعادل 200 ألف دولار أمريكي)، بحيث يحصل مالك العقار من هذه الفئة على إقامة له ولأسرته بدون مستقدم طيلة مدة تملكه للعقار.
6) يحصل مالك العقار الذي لا تقل قيمته عن 3 ملايين و650 ألف ريال (مليون دولار أمريكي) على مزايا الإقامة الدائمة التي تشمل الصحة والتعليم والاستثمار في بعض الأنشطة التجارية.
في بداية الربع الثاني لهذا العام 2021 شهد السوق العقاري تطوراً انعكاساً لثلاثة أمور أساسية:
1- القوانين التي اتخذتها الحكومة لتشجيع الاستثمار العقاري في أكتوبر 2020.
2- انحسار تأثير جائحة كورونا على السوق من خلال الاجراءات التي اتخذتها وزارة الصحة.
3- زيادة الطلب على العقارات لتلبية احتياجات تنظيم قطر لكأس العالم 2022 من خلال إبرام إدارة الإسكان العقود مع الملاك في أماكن متفرقة.
للأسباب السابقة بدأ زيادة الطلب على العقارات السكنية بصورة ملوحظة.
وقد أدى هذا الأمر إلى زيادة أسعار الإيجارات السكنية في مناطق معينة بصورة طفيفة واختفاء عروض الأشهر المجانية. كما ارتفعت إيجارات الشقق في منطقة اللؤلؤة بمتوسط حوالي 20% وذلك لزيادة الطلب عليها.
ومن المرجح أن تستمر زيادة الطلب على الإسكان بصفة عامة بنسب معقولة وتدريجية حتى بداية موعد انطلاق كأس العالم لكرة القدم في قطر.
ولكن ماذا قد نستشرف ونتوقع للسوق العقاري في قطر بعد 2022؟
عوامل كثيرة لا بد أن تؤخذ في الحسبان ستؤثر في السوق العقاري من أهمها:
1- ماذا سيحدث للعقارات السكنية وبالأخص الشقق التي تم استئجارها أو بناؤها لكأس العالم لكرة القدم، حيث ان هناك الآلاف من الشقق التي تم استئجارها من خلال الإسكان لعقود مدتها 5 سنوات في لوسيل؟ وهل سيتم إخلاء شقق وعقارات مستأجرة حالياً في مناطق مختلفة من قطر وإحلال الموظفين في هذه العقارات الجديدة في لوسيل، مما قد يسبب فائضاً في العقارات بتلك المناطق مع العلم أن إدارة الإسكان دائماً كانت عادلة جداً في التعامل مع الملاك.
2- ماذا سيحصل لشقق في منطقتين في قطر الأولى 6000 شقة أو وحدة سكنية تبنى حالياً جنوب الوكرة، ومئات الشقق في منطقة شارع الرفاع قرب مول قطر ستستخدم كلها لخدمة تنظيم كأس العالم، هل سيتم تحويلها لعقارات ذات نفع عام كالتعليم أو الصحة ولنا في تجربة الأولمبياد الآسيوي خير مثال حيث أصبحت المنشآت المقامة حينها تابعة لمؤسسة حمد الطبية، واستفاد منها المواطنون والمقيمون.
3- مع انتقال أفرع البنوك الرئيسية والوزارات إلى منطقة لوسيل، كيف سيتم معالجة وإشغال العقارات التي تشغلها حالياً.
4- نهج المؤسسات المالية والبنوك في التمويل العقاري في المرحلة المقبلة.
5- الارتفاع العالمي في أسعار المواد الخام التي تدخل في قطاع الإنشاء العقاري بسبب انجلاء جائحة كورونا، كالنحاس والبلاستيك والخشب.
6- ارتفاع أسعار الشحن في عموم العالم وبالأخص من الصين حيث شهد ارتفاع الشحن بأكثر من ستة أضعاف خلال العام ونصف العام السابق وإلى متى سيستمر؟
7- حركة النشاط التجاري والاستثماري في قطر والتطور في عدد السكان انعكاساً لهذا النشاط.
في المجمل أعتقد أنه من العدل أن نقول إن هناك رؤية لاستقرار السوق العقاري بعد عام 2022، وقد تكون هناك زيادة طفيفة وبشكل تدريجي ومحدودة في الأسعار بما يخدم المستثمرين والمستهلكين ولكن هذا كله يعتمد على العوامل التي ذكرناها سابقاً.
وهنا أود أن أتوجه ببعض المقترحات التي قد تسهم في استقرار سوق العقار وتوجيهه في الطريق الصحيح بما يخدم مصالح الجميع:
1- التخطيط لكيفية استغلال العقارات التي سيتم استخدامها واستئجارها لكأس العالم لكرة القدم، بعد انتهاء البطولة وقد يكون هذا موجوداً ولكن ليس لي به علم.
2- تشجيع البنوك ضمن ضوابط على تمويل الاستثمار العقاري بنسب فوائد معقولة.
3- زيادة المناطق المتاحة لحق الانتفاع من العقار والتملك الحر لغير القطريين في قطر.
4- العمل على تقليص الرسوم في منطقة لوسيل حيث إنها منطقة مفتوحة وتخدم جميع من في دولة قطر وليس قاطنيها فقط، وهي المنطقة المرشحة لاستقبال معظم الاستثمار العقاري في دولة قطر في المرحلة المقبلة.
5- العمل على زيادة الاستثمار الخارجي المباشر بالدولة (Foreign Direct Investment) (FDI).
6- العمل على وسائل تخفف من ارتفاع تكلفة مواد البناء والشحن.
7- وضع قانون وآلية لإنشاء صناديق الاستثمار العقاري (Real Estate Investment Trust) (REIT) وطرحها في سوق قطر للأوراق المالية أسوة بالأسواق العالمية حيث سيتيح إنشاء مثل هذه الصناديق للمستثمرين الوصول إلى محافظ متنوعة من الأصول المدرة للدخل، كما سيتيح لصغار المستثمرين الراغبين في الاستفادة من الاستثمار العقاري بمبالغ متواضعة، كما هو الحل في الأسهم وتمكن الشركات المحترفة في الاستثمار العقاري بإدارة الأصول العقارية لصالح حملة الأسهم في الصناديق الاستثمارية وتتيح سهولة التخارج من الاستثمار العقارية. حيث إنه يحول الاستثمار في العقارات إلى آلية تشبه الاستثمار في أسهم الشركات.
وأخيراً إن الاستثمار في العقار هو من أهم المجالات التي يلجأ إليها المواطنون لزيادة دخولهم وسوق العقار في قطر مستقر ومشجع في المجمل إذا قورن بالعوائد المالية في الاستثمار العقاري خارج قطر في الوقت الحاضر.
باحث اقتصادي
هل نقيس ساعات التدريب.. أم قيمة التغيير؟
قد تنجح مؤسسة في تنفيذ خطتها التدريبية بنسبة مائة في المائة، وتحقق العدد المستهدف من البرامج والمتدربين والساعات،... اقرأ المزيد
90
| 10 أغسطس 2026
مقومات نجاح التوطين في القطاع الخاص
لا يختلف اثنان على أن القطاع الخاص أحد أهم ركائز الاقتصاد، فهو المحرّك الرئيس للنمو، والشريك الأساسي في... اقرأ المزيد
192
| 10 أغسطس 2026
قطر وسلطنة عُمان.. علاقات أخوية راسخة
تعكس الزيارات المتبادلة على أعلى المستويات بين دولة قطر وسلطنة عمان، حرص القيادة الحكيمة في كلا البلدين، على... اقرأ المزيد
60
| 10 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
8391
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4851
| 05 أغسطس 2026
منذ أن رفع الإنسان عينيه نحو السماء، لم يتوقف عن سؤال محوري يتكرر بصور مختلفة: أين نقف؟ وعلى أي أرض نسير؟ قد يبدو السؤال بسيطاً في ظاهره، لكنه في الحقيقة من أكثر الأسئلة التي حيّرت الفلاسفة، وأربكت العلماء، وأشعلت الجدل بين الحضارات. والأعجب من ذلك أن هذا الاستفهام ما زال حتى اليوم يثير انقساماً فكرياً واسعاً، رغم كل ما بلغته البشرية من تقدم هائل في علوم الفضاء والاستشعار عن بُعد. فهل الأرض كرة كاملة؟ أم أنها مفلطحة عند القطبين وأقرب إلى الشكل البيضاوي؟ أم أن هناك من يرى أنها ليست كذلك أصلًا، وإنما هي سطح واسع لم نفهم تمام كنهه بعد؟ إن المتأمل المنصف لا يستهين بأي سؤال، ولا يقدس رأياً لمجرد شيوعه؛ فتاريخ العلم كله قائم على مراجعة المسلّمات. لقد كان الناس يعتقدون أن الشمس تدور حول الأرض ثم تبدلت الصورة، وظنوا أن الذرة أصغر جزء في الكون حتى انقسمت إلى عالم أعجب، وكانوا يرون الزمن ثابتاً حتى جاء أينشتاين ليجعله قابلاً للتمدد والانكماش. وهذا يدلك على أن العلم ليس كتاباً أُغلق، بل رحلة استكشاف لا تنتهي. النموذج العلمي السائد تتبنى المؤسسات العلمية في العالم أن الأرض ليست كرة تامة، بل جسم مفلطح قليلًا عند القطبين ومنتفخ عند خط الاستواء، وهو ما يُعرف في الفيزياء بـ "القطع الناقص الدوراني" ويستند هذا النموذج إلى صور الأقمار الصناعية، وحسابات الجاذبية، وملاحة الطائرات والسفن، والقياسات الدقيقة مما جعله الأكثر قبولاً في المجتمع العلمي. لماذا يستمر الجدل؟ في المقابل، ترى فئة أخرى أن كثيراً مما يُقدَّم للناس يعتمد على الثقة بالمؤسسات أكثر من اعتماده على التجربة الشخصية المباشرة. ويطرح أصحاب هذا الاتجاه أسئلة من قبيل: كيف يشعر الإنسان بوجود دوران الأرض؟ ولماذا يبدو الأفق مستقيماً؟ وهل تعكس جميع الصور الفضائية الواقع كما هو؟ قد يختلف الباحث مع هذه التساؤلات أو يوافقها، لكنها تبقى جزءاً من حركة الفكر الإنساني التي لا يجوز مصادرتها بالسخرية؛ فالعلم الحقيقي لا يخاف من السؤال. المقاربة القرآنية ومن اللافت أن القرآن الكريم لم يجعل الشكل الهندسي للأرض قضية إيمانية، ولم يربط الهداية بأبعادها؛ بل وجَّه الإنسان إلى ما هو أعظم وأشمل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. دعا القرآن إلى التفكر في التكوين، ولم يفرض نموذجاً هندسياً محدداً. ولهذا نجد ألفاظاً مثل "مدّ الأرض"، "دحاها"، و"سطحت"، وهي تعابير تناولها المفسرون بطرائق متعددة دون أن يجعلوا منها سبباً للتنازع أو الخلاف. عالم الأراضين السبع… أبعاد تتجاوز الإدراك ومما يزيد الأمر ذهولاً وتأملاً، أن النص القرآني لم يقف عند حدود هذه الأرض التي نعيش عليها ونقيس أبعادها، بل أشار إلى أبعاد وعوالم أخرى بوضوح في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. إن هذا التماثل بين السماوات والأراضين يفتح الباب أمام أسئلة أكثر عمقاً وأشد إبصاراً: هل أرضنا هذه مجرد طبقة واحدة من منظومة أعظم؟ وهل الأراضين الأُخرى طبقات جيولوجية داخلية، أم أبعاد كونية موازية لا نراها بأعيننا ولا تدركها مراصدنا؟ لقد أشار المفسرون الأوائل - كابن عباس رضي الله عنهما - إلى أن في كل أرض خلقاً وعوالم لا نعرف حقيقتها. واليوم، تقترب الفيزياء النظرية الحديثة من هذا المفهوم حين تتحدث عن "الأبعاد المتعددة" و"الأكوان الموازية"، مما يثبت أن محاولة حصر "الأرض" في شكل هندسي مجرد (كرة أو سطح) قد يكون تبسيطاً قاصراً لواقع كوني معقد جداً لم نكتشف منه إلا القشور. هل الحقيقة أكبر مما نتصور؟ يخبرنا التاريخ أن الإنسان كثيراً ما ظن أنه وصل إلى نهاية المعرفة، ثم اكتشف أنه كان في بدايتها فقط. فلعل أجيال القرن القادم سيبتسمون لبعض نقاشاتنا اليوم كما نبتسم نحن لنظريات القرون الوسطى، وربما يكتشف العلم مستقبلاً أن توصيف الأرض أعقد بكثير من مجرد حصرها في كلمات مثل "كرة" أو "بيضة" أو "سطح"؛ فالطبيعة لا تُختصر في المصطلحات. إن المشكلة الحقيقية ليست في شكل الأرض، بل في شكل العقول؛ فهناك من يحوّل الرأي العلمي إلى عقيدة جامدة لا تُناقش، وهناك من يتخذ النظرية غير المثبتة يقيناً مطلقاً، وكلا الطرفين يبتعد عن روح البحث العلمي السليم. فالقيمة الكبرى ليست في الوصول إلى الشكل النهائي، بل في بقاء العقل حراً يجمع بين الإيمان، والتواضع، والبرهان.
969
| 06 أغسطس 2026