رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. حامد أحمد المرواني

مساحة إعلانية

مقالات

1926

د. حامد أحمد المرواني

الاقتصاد في خطاب سمو الأمير.. الاستقرار قبل الأرقام

23 سبتمبر 2026 , 01:51ص

ما لفتني في خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أن الاقتصاد لم يُطرح باعتباره أرقام نمو وموازنات واستثمارات فحسب، بل باعتباره جزءاً من منظومة أوسع تبدأ بالأمن والاستقرار وتنتهي بحياة الناس ومعيشتهم.

فعندما تحدث سمو الأمير عن مضيق هرمز، وعن مرور نحو ربع تجارة الطاقة العالمية عبره، كان الخطاب يضع العالم أمام حقيقة اقتصادية شديدة الوضوح: قد تبدأ الأزمة في منطقتنا، لكن فاتورتها لا تتوقف عند حدودها. اضطراب ممر بحري واحد يمكن أن يرفع أسعار الطاقة والشحن والتأمين، ثم ينتقل أثره إلى تكلفة الإنتاج والغذاء والدواء، حتى يصل إلى مستهلك يعيش على بعد آلاف الكيلومترات من مصدر الأزمة.

وهنا تكتسب دعوة سمو الأمير إلى نظام إقليمي للأمن الجماعي بعداً اقتصادياً لا يقل أهمية عن بعدها السياسي. فالاستقرار ليس مطلباً سياسياً فقط، بل هو أصل اقتصادي. رأس المال يبحث عن الاستقرار، والاستثمار يحتاج إلى وضوح، والتجارة تحتاج إلى ممرات آمنة، وكلما ارتفعت المخاطر دفعت الاقتصادات والشعوب ثمنها.

لكن الجانب الأكثر أهمية بالنسبة لي في الخطاب كان حديث سموه عن الداخل القطري، حين أكد أن الصمود هو حصيلة ما يسبقه من تخطيط واستعداد واستثمار في الإنسان وفي القدرات الوطنية. هذه العبارة تختصر درساً اقتصادياً وإدارياً مهماً: الدول لا تبدأ الاستعداد للأزمة عندما تقع الأزمة.

ما فعلته قطر خلال السنوات الماضية من تعزيز قدرات مؤسساتها، وتأمين سلاسل الإمداد، وبناء الاحتياطيات الاستراتيجية، وتوسيع شبكة الشراكات الدولية، لم يكن عملاً تظهر نتائجه في الأيام العادية بقدر ما تظهر قيمته الحقيقية عندما تضطرب الأسواق والممرات التجارية.

واللافت أيضاً أن خطاب سمو الأمير لم يقدم الصمود باعتباره انغلاقاً أو اكتفاءً ذاتياً، بل جمع بين تعزيز القدرات الوطنية وبناء الشراكات الدولية الموثوقة. وهذه معادلة ذكية؛ فاقتصاد اليوم لا يستطيع أن يعيش منفرداً، لكنه يستطيع أن يقلل نقاط ضعفه وينوع خياراته حتى لا يصبح رهينة لمسار واحد أو مورد واحد.

وفي الوقت نفسه، جاءت رسالة الاستمرار في المشاريع التنموية والاستثمار في التعليم والصحة والتنويع الاقتصادي وفق رؤية قطر الوطنية 2030 لتؤكد أن إدارة الأزمة لا تعني تعطيل المستقبل. ولعل هذا هو الفارق بين اقتصاد يتعامل مع الأزمات بردود الأفعال، واقتصاد بنى مسبقاً القدرة على امتصاص الصدمات والاستمرار بعدها.

لقد حمل خطاب سمو الأمير رسالة اقتصادية تتجاوز قطر والمنطقة: السلام له عائد اقتصادي، والحرب لها فاتورة اقتصادية، والاستعداد المسبق هو التأمين الحقيقي للدول في عالم تزداد فيه الأزمات وعدم اليقين.

وفي تقديري، فإن قوة الرؤية التي طرحها سمو الأمير تكمن في بساطتها وواقعيتها: نسعى إلى السلام والحوار، لكننا في الوقت ذاته نبني قدرتنا على الصمود؛ ننفتح على العالم، لكننا نعزز قدراتنا الوطنية؛ ونتعامل مع أزمات الحاضر من دون أن نسمح لها بأن ترهن مستقبل الأجيال القادمة.

وهذه ربما تكون أهم رسالة اقتصادية في الخطاب كله: الدولة القوية اقتصادياً ليست الدولة التي لا تواجه الأزمات، بل الدولة التي تستعد لها قبل أن تصل إليها، وتخرج منها من دون أن تفقد بوصلتها نحو المستقبل.

مساحة إعلانية