رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفقد الغزال رغبته في الحياة، حين يقع في الأسر. والفارق بين الحصان البري والحصان المستأنس فارق كبير، فالأول ينطلق في البراري شامخاً ومثيراً للإعجاب، أما الثاني فإنه لا يتحرك إلا بأوامر من يمتطي صهوته. وفي حدائق الحيوان يتجمع الأطفال – دون خوف – أمام قفص الأسد الذي يبدو ذليلاً ومنكسر الروح، لكن الأطفال ومعهم الكبار لابد أن يصابوا بالرعب لو تخيلوا أنهم تائهون في غابة، يحكمها الملك – الأسد.
عشق الحرية كامن في قلب كل من الغزال والحصان البري والأسد، فبدون الحرية تصبح الحياة ذاتها بغير طعم، ولا شيء فيها يستحق عناء الاهتمام. هذا عن الحيوان، فما بالنا بالإنسان الذي يتصور أنه أرقى الكائنات؟. على امتداد الحضارة الإنسانية فوق سطح الأرض، لم يتوقف الصراع الطويل والمرير بين الذين يسلبون الآخرين حريتهم وبين من فقدوا هذه الحرية. غياب الحرية أبشع أنواع القهر. المنفى مرعب لأنه يقيد حرية الإنسان في العيش فوق أرضه التي يحبها، والسجن مرعب، لأن الإنسان في داخله لا يتحرك كما يشاء، وإنما يظل في دائرة، ينسى خلالها حركة الزمان، والقتل مرعب لأنه يلغي حرية الإنسان في أن يظل حياً مثل سواه من الناس الأحياء.
الدكتور زكريا إبراهيم واحد من أهم أساتذة الفلسفة الراحلين في عالمنا العربي، وقد أصدر سلسلة من الكتب العميقة، لكن أسلوبها سهل وجميل، وبالتالي فإنه ييسر على القارئ العادي قراءتها، ويختص كل كتاب من تلك السلسلة بدراسة مشكلة واحدة محددة، فهناك – مثلا - مشكلة الإنسان ومشكلة الحب ومشكلة الحياة، إلى جانب كتاب مشكلة الحرية، الذي صدر في طبعته الأولى سنة 1957 ثم توالت طبعاته بعد تلك السنة، وفي مقدمته للطبعة الأولى يرى الدكتور زكريا إبراهيم أنه: ليس في لغات البشر كلمة تخفق لها القلوب قدر ما تخفق لكلمة الحرية، ولكن ليس بين مشاكل البشر مشكلة حارت لها الأفهام قدر ما حارت لمشكلة الحرية، فالإنسان هو في الأصل موجود طبيعي، ولكنه بين الكائنات جميعا أشدها حنينا للتخلص من جبرية الظواهر، وأقواها نزوعا نحو التحرر من أسر الضرورة.
إذا كانت للحرية جوانب متعددة، فإن ما أشير إليه هنا يتعلق بالجانب السياسي وليس الفلسفي، حيث يواجه عشاق الحرية في كل مكان وزمان ما يواجهونه من سدود وقيود، تحاول التصدي لأشواقهم لها، وهذا ما صوره أجمل تصوير كثيرون من شعراء العالم، ممن عبروا عن أشواقهم وأشواق عشاق الحرية، وقاموا بحث الناس على عدم الاستسلام لما يفرضه الطغاة من الحديد والنار، ولعلنا نتذكر هنا البيت الشهير لأمير الشعراء العرب - أحمد شوقي: وللحرية الحمراء باب - بكل يد مضرجة يدق، وإذا كان الشعراء يبدعون ما يبدعون وهم يتصدون لقضايا سياسية معينة في زمان كل منهم، فإن ما يتبقى لنا مما أبدعوه يتمثل في القصائد التي تستطيع تجاوز الزمان الذي كتبت فيه، منطلقة إلى قلوب الناس في كل زمان ومكان، ومن هذه القصائد قصيدة الحرية للشاعر الفرنسي الكبير بول إيلوار، وهو ابن إحدى العائلات الفرنسية الكادحة، وقد ولد يوم 14 ديسمبر سنة 1895 ورحل عن عالمنا يوم 18 نوفمبر سنة1952 وخلال حياته لم يتوقف عن النضال الثوري ضد الطغاة والمحتلين، حيث كان أحد شعراء المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي الألماني لوطنه فرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية، وهذا ما تكرر في أرضنا العربية فيما بعد، حين انطلقت قصائد توفيق زياد ومحمود درويش وسميح القاسم وسواهم من شعراء المقاومة الفلسطينية الذين واجهوا بالكلمة المقاتلة آلة القمع الصهيوني في فلسطين العربية، وتبقى قصيدة الحرية لبول إيلوار قصيدة متجددة ونابضة بالحياة وبالعنفوان، لأنها من القصائد الرائعة التي استطاعت الخروج من زمان كتابتها، لكي يقرأها من لم يقرأها من أبناء الأجيال الجديدة في أرضنا وفي أراضي سوانا من المتعطشين للحرية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1749
| 04 يناير 2026
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1269
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
1044
| 07 يناير 2026