رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مما لم يعد فيه أدنى شك أن الانتفاضة المباركة التي اندلعت في سوريا بكل عفوية وبراءة اقتداء بمثيلتيها في تونس ومصر ثم في ليبيا واليمن قد انبثقت كانبثاق النور من جنح الظلام لترفض الواقع المر الأليم الذي طوقها باختناقات، الاحتقانات المستمرة التي كان وما يزال الأحرار في الشام يتعرضون لأذاها من عصابات حكمت وتحكم بالدم منذ أربعة عقود وتكذب على شعبها وتوهمه والعالم أنها نظام ممانع مقاوم وأن ما يجري عليه اليوم من احتجاجات إنما هو مؤامرة خارجية تنفذ على يد جماعات إرهابية أو سلفية أو مندسين مما أدرك العالم كله أن هذه الادعاءات أو هي من خيط العنكبوت وأن سنين التغيير سوف تطول الظالمين في كل زمان ومكان وأن غلبة الحق هي الحقيقة التي لا يمكن لأي دولة ظالمة أن تغطيها ولو نجحت في ذلك بعض الوقت فإن حبل الكذب قصير وإن الفطرة هي التي ستقول كلمتها في نهاية الصراع، إذ أنها تعني بكل بساطة – كما قال العلماء – غلبة الخير والحق على الشر والباطل، وإذا كان الأمر كذلك، فهل يمكننا أن ننسى دور هذه الفطرة التي دفعت سيد شهداء أطفال سوريا حمزة علي الخطيب أن يقف بقامته البريئة خطيبا بليغا يزجي الحكم والنصائح ويلهم الملايين أفكارا نفيسة هي من صلب الفطرة النقية التي جبلوا عليها حتى قالوا: كلنا حمزة وأنشأوا صفحة باسمه لن نسكت لأجل براءتك ودموع أمك وأبيك، إنه حمزة الذي قتله الأوغاد وتفننوا في تعذيبه والتمثيل بجثته حتى قاموا بقطع عضوه التناسلي وقد شوهد جسده عندما سلم لأهله يوم الأربعاء الماضي 25 مايو من قبل زبانية الأمن المجرم وقد ظهرت على جسده كدمات في الوجه والساق وكسر في العنق وأثر طلقة رصاص اخترقت ذراعه واستقرت في خاصرته اليسرى وطلقة أخرى في اليمنى خرجت من ظهره وطلقة ثالثة في صدره، وقد رأينا هذا بأعيننا على صورة الفيديو ليس من القنوات فقط، وإنما بشكل واضح يدمي القلوب ويهز المشاعر هزا، أتدرون لماذا؟ فقط لأن الطفل حمزة ذا الثالثة عشر ربيعا أراد أن يصبح شابا وينضم إلى فئة الرجال كما ربته أسرته، أراد أن يشارك في تظاهرة يوم الغضب في 29 أبريل الماضي، في بلدة الجيزة مسقط رأسه بالقرب من درعا الصامدة فخرج مع المشاركين لفك الحصار عن المدينة فاعتقله المجرمون مع خمسة وعشرين من المتظاهرين ما يزال مصيرهم مجهولا، إنه حمزة الذي أكمل مشوار إخوانه الأطفال البسطاء الذين كانوا بفطرتهم البريئة سبب تفجير هذه الثورة الكبرى اليوم في سوريا، حيث دفعتهم عدوى الفتيان الثائرين في الدول العربية إلى ترديد الهتاف الشعب يريد إسقاط النظام ثم كتبوه على الجدران فما كان مصيرهم إلا الاعتقال في سجون درعا وقد ثبت أنهم عذبوا بقسوة متناهية إلى درجة أن قلعت أظافر أيديهم بل وأرجلهم ولما أراد ذووهم مراجعة السلطات ذهبوا إلى محافظ درعا وقابلوه وكذلك المسؤول الأمني وكانوا وضعوا عقالاتهم على الطاولة أثناء اللقاء كي لا ينصرفوا إلا بعد أن تقضى حاجاتهم أو هم سيبقون كذلك حتى يفرج عن أبنائهم كما هي العادة والعرف هناك وأهل درعا معروفون بالشهامة والكرامة والنخوة وهذا ما اعترف به الرئيس بشار في خطبته أمام مجلس الشعب، فما كان من المسؤولين هؤلاء إلا أن رموا عقالات رؤوسهم في القمامة ثم وجهوا لهم أقذع الألفاظ ومنها: هؤلاء ليسوا أولادكم انسوهم وائتوا بغيرهم وإذا لم تستطيعوا نحن نفعل بنسائكم ونأتي بالأولاد منهم!! وهنا رجع القوم إلى بيوتهم حانقين وقد أقسموا على الرد فبدأت التظاهرات وأخذ الجامع العمري الحزين اليوم دوره ثم انتقلت الشرارة إلى جميع سوريا وتصاعدت وتيرة الاحتجاجات حتى بلغت في جمعة حماة الديار قبل ثلاثة أيام إلى 132 بلدة ومنطقة وبؤرة وعمت سوريا كلها يوم سبت الشهيد حمزة المظاهرات المنددة بنظام القمع والوحشية الذي لا يستغرب منه هذه الجرائم ضد الإنسانية قديما وحديثا فقد نشأ على ذلك وإنما استمر بهذه الدموية ولولاها لما بقي سنة واحدة ويعرف ذلك الأحرار لا المنافقون.. إنه حمزة الشهيد الحي الذي نتذكر مع قصته سيد الشهداء حمزة أسد الله وأسد رسوله الذي كان قتله وحشي بن حرب قبل أن يسلم وقتل حمزتنا هؤلاء المتوحشون الجدد، ولئن قاتل حمزة بسيفين في غزوة بدر وفعل بالمشركين الأفاعيل فقد قاتل حمزتنا الفتى اليوم بلسانه وهتافه ضمن الجهاد المدني السلمي مع رفاقه متبعا توجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الجهاد باللسان مقرون مع جهاد النفس والمال ولكنه قوبل بالنار والتعذيب والتمثيل، كما كانت هند بنت عتبة قبل إسلامها قد شقت بطن حمزة ولاكت كبده وكما قطع المشركون أنف حمزة وأذنيه ومثلوا به حتى قال الرسول: ما وقفت موقفا قط أغيظ من هذا لأن حمزة كان أعز فتى في قريش وأشدها شكيمة أفلا نحزن على حمزة الخطيب الذي هو سيد شهداء أطفالنا اليوم والذين يبدو أن السلطة الآثمة والشبيحة الوحوش مستمرون في مسلسل قتل الأطفال، وقد عرفت الآن من الإعلام وقنواته كيف أن هجمات هؤلاء الهمج على مدينة تلبيسة التابعة لحمص قد أسفرت عن مقتل الطفلة هاجر تيسير الخطيب، وهي أيضا من آل الخطيب طفل وطفلة خطيب وخطيبة سيرتعان في الجنة ليروا جناتهم وقاتليهم في النار، وكذلك سقطت الطفلة نادية صفوع وعبده بعجة والملازم الحر بسام كلاس شهداء إذ كان هذا الأخير يريد إنقاذهم لقطع الشارع وهم ينزلون من الحافلة لدى ذهابهم إلى المدرسة، إنه عصر الشهداء رحمهم الله إضافة إلى العديد الذين جرحوا في هذا الهجوم الدنيء ثم يقولون لك إن الرئيس منع إطلاق الرصاص! ليت هذا الرئيس عرف أن العرب قالوا في أمثلتهم: إن أشر الناس من يحسن القول ولا يحسن الفعل وهذا ما أدركه الرئيس الروسي ميديديف في اجتماع الدول الثماني فقال: نريد من الرئيس بشار أفعالا لا أقوالا فحتى حلفاؤهم عرفوهم كما هو الشأن في القذافي، إن بشار لم يقرأ سياسة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي بين صفات الحاكم الناجح بأنه الذي يكون ليّنا في غير ضعف قويا في غير عنف!
تلك الذكرى الغضة لحمزة الخطيب الذي يبدو أنه تربى على تحمل المسؤولية وزرع الثقة بنفسه فقام ببعض واجبات هم المسلمين ضد الظالمين ونصرة لإخوانه الأطفال والمستضعفين مع خمسة وعشرين طفلا قتلوا في الأحداث من بين أكثر من ألف وثلاثمائة شهيد وشهيدة فضلا عن الجرحى والمفقودين والمعتقلين، فأين دعاة حقوق الأطفال، والدول الكبرى ومنظمات حقوق الإنسان؟ وأين مجلس الخوف لا الأمن؟ وأين الجامعة العربية بموقفها الجبان ومنظمة المؤتمر الإسلامي الشكلية للأسف الشديد؟ حيث سياستها مع النظام المجرم، أين هي من قول الله تعالى في الدفاع عن حق الأطفال ونصرتهم وتخليصهم من الظالمين (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها..) "النساء: 75".
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من رفع علينا السلاح فليس منا، وإن الذين يعذبون الناس في الدنيا يعذبهم الله في الآخرة"، ما أقسى قلوبكم فأنتم أشد حتى من المستعمر الفرنسي الذي احتل سوريا ولم يعذب الأطفال فقال شوقي:
وللمستعمرين وإن ألانوا
قلوب كالحجارة لا ترق
وأما حمزة فيقول لكم:
بلاد مات فتيتها لتحيا
وزالوا دون قومهم ليبقوا
إن لذة الانتقام لا تدوم سوى لحظة كما في المثل الإسباني وإن حمزة لن يكون بازارا في سوق المزايدات لأن الأمن لا يتحمل قتله، كما أن أحد أبواق النظام يقول: ولكنه سيبقى وقودا للثورة والتغيير يبث روح العزة كما بثها السلف من قبله، سلاما يا حمزة يا رائد بطولات الأطفال ويا صديق خالد سعيد في مصر ستحيون فينا كما في قلب حطان بن المعلى:
وإنما أولادنا بيننا
أكبادنا تمشي على الأرض
لَيْلةُ القدْر
ليلةُ القدْرِ في زمانِ الأَضاحيغرِقتْ بالدَّماءِ والأتراحِفالشّآمُ الذَّبيح رهنُ سيوفًٌوَالعِراقُ الجريحُ رهنُ رِماحٍوبلِيبيا الشقاقُ ثم بمصرٍويَمانٍ مباضع الجَرّاحِطال... اقرأ المزيد
492
| 02 يوليو 2016
ذكِّرونا
ذكِّرونا مَواقِفَ السابقيناوَدَعُونا مِن خِدْعَةِ القاعِدينافالنُّفوسُ الكِبارُ تَهْوَى السَّجاياوَهْيَ تَأْبى مَصائِرَ المُرْجِفيناالثباتَ الثباتَ فهو كَلَيْثٍيَبعثُ الحَزْمَ والبطولة فيناوالمُنى... اقرأ المزيد
604
| 01 يوليو 2016
أنا حُرٌّ
ذوَّبَتْني حتى غدَوْتُ خيالا فاجِعاتُ السَّلامِ حالاً فحالا أنا حُرٌّ والذلُّ عندِيَ كفرٌ فَهَبوني عَيْشَ الجهادِ مَجالا وَخُذوني... اقرأ المزيد
411
| 30 يونيو 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2235
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1125
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
636
| 12 أكتوبر 2026