رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حظي الخطاب الأول لصاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، باهتمام كبير من جميع وسائل الإعلام العربية والعالمية التي تنافست على قراءة مضمون الخطاب وتحليله وتفسيره وتأويله، وقد تقاطعت تلك القراءات في بعض الأحيان وتباينت أحيانا. غير أن أهمية الخطاب تكمن في عنصرين مهمين، أولهما أنه كان بمثابة إيذان بشروق شمس القيادة الشابة من دوحة العرب لتسطع أنوارها على العالمين العربي والإسلامي، وثانيهما أنه يبلور ملامح المرحلة المقبلة لنهج الحكم الذي اختاره أمير الشباب. صحيح أن جوهر الخطاب أكد أن الثابت والراسخ في سياسة سمو الأمير المفدى أنها ستكون امتدادا لنهج سمو الأمير الوالد، خصوصا في المبادىء والثوابت والمسلمات. لكن مع التمايز في الأسلوب والتكتيك والأدوات التي تحاكي تطلعات الشباب وروح العصر.وتتجلى هذه الروح في مضمون الخطاب الذي يستخلص منه اثنتا عشرة نقطة تغطي جميع القضايا التي تهم الداخل والخارج.
لقد اختار سمو الأمير تميم أن يبدأ خطابه بالوفاء لأمير العز مشيدا بما صنعه سموه من إنجازات رائدة بلغت حد المعجزة الحقيقية في جميع المجالات، ملخصا سمات حكم صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بأنها علامة فارقة في تاريخ قطر، شهدت ثورة متدرجة وشاملة انتهت بإنجازات عملاقة، واصفا سموه بأنه شخصية فريدة تجمع الحكمة والعاطفة وحسن التخطيط والتدبير ويحظى بمحبة شعبه وله مكانة خاصة في قلوب الجميع.
هذه المكانة اكتسبها سمو الأمير الوالد لأنه ـ كما يقول سمو الأمير تميم ـ تولى القيادة في قطر حين كانت دولة عالقة في الماضي غير قادرة على النهوض والتطور، فوضع مشروعا إصلاحيا ونموذجيا تحولت معه قطر من دولة بالكاد تعرف على الخريطة إلى دولة راسخة البنيان وفاعل رئيسي في السياسة والاقتصاد والإعلام والثقافة على مستوى العالم. ولذلك فإن باني دولة قطر الحديثة ورائد قطر ونهضتها غادر منصبه في خطوة غير مسبوقة وهو منتصب القامة وفي قمة عطائه.
نجاح سمو الأمير الوالد بتحقيق معجزة النهضة التي أبهرت العالم، أثارت حسد الحاسدين الذين أساؤوا لقطر وأهلها. وعلى هذا الأساس جاءت النقطة الأولى في الخطاب وهي الأولوية التي حددها سمو الأمير تميم بالحفاظ على موقع قطر الذي ارتقى من دولة تصارع على بقائها ونموها إلى دولة راسخة المكانة والبنيان. وقد أوضح سموه أن الحفاظ على مكانة قطر يقوم على مبدأ تحقيق الفائدة لأهل قطر وإفادة الآخرين مع شرط بالغ الأهمية وهو تجنب الغرور لأنه يقود إلى الأخطاء بينما التواضع الذي عرف به القطرييون هو سمة الأقوياء الواثقين من أنفسهم.
وجاءت النقطة الثانية لتكون العنوان الأبرز لعهد سموه وهو العدل والإنصاف، حيث قال سموه: إن ما يصنع الولاية الرشيدة عند الأمة هو العدل والصدق والقدوة الحسنة، مستلهما من القرآن الكريم الآية الكريمة: "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل".
أما النقطة الثالثة فكانت إعلان سمو الأمير المفدى استجابته لنداء الواجب وعزمه على حمل الراية التي سلمه إياها سمو الأمير الوالد بكل فخر واعتزاز على رفعها عاليا تماما مثل فعل الأسلاف العظام. وهو بذلك يؤكد عزيمة على إدارة شؤون البلاد بكل مسؤولية واقتدار. وجاء برنامج عمل سمو الأمير في المرحلة المقبلة في مضمون النقطة الرابعة التي تضمنها خطاب سموه وهي رؤية قطر 2030 واستراتيجياتها الوطنية وخططها التنفيذية. وهذه الرؤية تضع مصلحة قطر وشعبها على رأس سلم الأولويات التي تشمل الإنسان والمجتمع والاقتصاد والسياسة والهوية والثقافة. قد باتت الرؤية واستراتيجياتها معلومة من الجميع خصوصا وأن العمل جار على تنفيذها وفق خطط خمسية تضمن الارتقاء بجميع مقومات الدولة إلى أعلى المستويات العالمية، وتحقيق أرفع معدلات الرفاهية والنماء والازدهار للشعب القطري.
النقطة الخامسة تناولت موضوعا التبس على البعض، ولذلك كان لابد من توضيحه، وهو أن تغير شخص الأمير في دولة قطر لايعني أن التحديات والمهام قد تغيرت لأن قطر أصبحت دولة مؤسسات، وهذا معناه أن مسؤولية كل وزارة ومؤسسة وهيئة أن تقوم بواجباتها وفقا للقانون بغض النظر عن المسؤول أو الشخص الذي يديرها. وبالتالي فإن استمرار العمل وفقا للأطر القانونية، يتطلب عملا دوؤبا لمواجهة التحديات التي تشمل الاستثمار في صناعة النفط والغاز والبنى التحتية وتنويع مصادر الدخل والاستثمار الواثق لصالح الأجيال. وقد شدّد سموه على أن التحدي الأبرز يبقى تنمية الإنسان بوصفه أغلى ثروات الوطن.
وتناولت النقطة السادسة في خطاب سموه أولوية النهوض بالاقتصاد الوطني، وبناء المرافق العامة وتطوير الخدمات، وقطاع الشباب والرياضة، وإعادة هيكلة الوزارات لتقليل الازدواجية، بحيث تكون جميع المجالات العامة تحت مسؤولية وزارات واضحة ومحددة.
وفي النقطة السابعة سلّط سمو الأمير المفدى الضوء على قضية بالغة الأهمية وهي الشفافية والجودة، حيث قال سموه: "عندما يتعلق الأمر بالتنمية البشرية لايقتصر الموضوع على مفهوم النمو كزيادة في معدل دخل الفرد بل يصبح الموضوع تحسن أدائه ونبل قيِّمه وجديته وإنتاجيته في العمل وإخلاصه لوطنه". وهكذا يرسم سموه الحد الفاصل بين النمو وبين التنمية الشاملة المستندة إلى جودة العمل والإنتاج وليس تخمة الثروة. ولذلك يوضح سموه أن الثروة دون معايير للتنمية تؤدي إلى إفساد الفرد ونشوء الشخصية الاتكالية وغير المنتجة. ويحدد سموه السبيل للوصول إلى الغاية المنشودة بتطوير الاستثمار في مجالات الصحة والتعليم والثقافة والرياضة،
مشددا على النجاح ليس بحجم الاستثمار بل بالنتائج والمخرجات. وهذا الأمر يستدعي الشفافية والتوقف باهتمام كبير عند النتائج داعيا إلى عدم التهاون إذا لم تؤت الاستثمارات النتائج المطلوبة، وذلك حتى لاتتحول الفائدة المرجوة إلى ضرر.
وحتى لايبقى هذا الموضوع البالغ الأهمية موضع تأويلات ملتبسة، فقد تحدث سمو الأمير بصراحة متناهية عن سبب عدم الحصول على النتائج المرجوة وقال: لاتتحقق النتائج المرجوة إذا حصل سوء تخطيط أو سوء إدارة أي باختصار سوء أداء ورعت تقارير غير صحيحة والتستر على أمور لايجوز التستر عليها وتحتاج إلى المعالجة الفورية.
هذا الوضوح الذي يبشرنا بعصر الشفافية والجودة أضاف عليه سمو الأمير المفدى نقطة أخرى لاتقل أهمية وهي عدم المجاملة في التعيينات، حيث قال: "لايجوز أن يعتبر أحد أن له حق أن يتعيّن في منصب أو وظيفة عمومية دون أن يقوم بواجباته تجاه المجتمع والدولة".
تقوم سياسة قطر الخارجية، على احترام قطر لالتزاماتها الإقليمية والدولية بما فيها الوعود الشفوية والعقود والمعاهدات، وقد حرص سمو الأمير على تحديد ماهو أعمق من ذلك حيث قال: نحن قوم نلتزم بمبادئنا وقيمنا، لانعيش على هامش الحياة، ولانمضي تائهين بلا وجهة ولاتابعين لأحد ننتظر منه توجيها لأنه أصبح السلوك المستقل من المسلمات في قطر التي تملك رؤية واضحة.
فقد كانت بشرى لكل المظلومين والمضطهدين في العالمين العربي والإسلامي، حيث أعلن سمو الأمير المفدى أن أبواب قطر مشرعة أمام كل مظلوم وأمام كل طالب حق، مؤكدا أنها ستبقى كعبة المضيوم، مثلما قالها مؤسس الدولة الشيخ جاسم بن محمد ورددها بعده سمو الوالد، وستبقى قطر على هذا العهد في نصرة المظلومين. وعلى هذا الأساس يأتي انحياز قطر إلى قضايا الشعوب العربية والوقوف مع تطلعاتها للعيش بحرية وكرامة بعيدا عن الفساد والاستبداد.
وفي موازاة ذلك النقطة الثامنة تكرس الانفتاح والتوازن في العلاقات الدولية والإقليمية، وذلك استنادا إلى مبدأ الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة في الانفتاح على دول الشرق والغرب في أمريكا وأوروبا وآسيا وإفريقيا. مع الحرص على الحفاظ على أفضل العلاقات مع جميع الحكومات والدول.
إن ما تضمنه خطاب سمو الأمير يعتبر برنامج عمل متكامل للعهد الجديد في قطر، والذي سيكون عهدا ذهبيا ساطعا بفضل روح العصر وحيوية الشباب التي أضافها سموه على النهج العريق المستمد من رؤية سمو الأمير الوالد. وسيبقى هذا الخطاب مرجعا لكل الإعلاميين والدبلوماسيين والمهتمين بالشأن القطري.
قطر تضيء شعلة الحلم العربي في كأس العرب
كان العقد الأخير حافلا بالأحداث المؤلمة على مستوى الوطن العربي، ارتفع فيه منسوب الفرقة والشرذمة بين الدول العربية... اقرأ المزيد
3175
| 30 نوفمبر 2021
1 نوفمبر.. يوم أصبحت الجزيرة أبرز صناع التاريخ في المنطقة
في العقد الأخير من القرن الماضي كانت الصحافة الورقية في الوطن العربي تعيش عهدها الذهبي قبل أن تدخل... اقرأ المزيد
2664
| 01 نوفمبر 2021
كتارا تعيد الثقافة العربية إلى المشهد العالمي
صدر القرار الأميري بتأسيس الحي الثقافي كتارا بتاريخ 9 ديسمبر 2010، وقد جاء القرار ليبعث الأمل في نفوس... اقرأ المزيد
4232
| 23 ديسمبر 2020
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9351
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
1530
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1116
| 06 أكتوبر 2026