رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. فاطمة سعد النعيمي

* أستاذ التفسير وعلوم القرآن- كلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة قطر

مساحة إعلانية

مقالات

42

د. فاطمة سعد النعيمي

آيتان خيرٌ من ناقتين!

30 يوليو 2026 , 11:00م

في عالمٍ تتسابق فيه النفوس إلى جمع المال، ويتفاخر الناس بما يملكون من عقاراتٍ ومقتنياتٍ وثروات، يأتي الإسلام ليعيد ترتيب الموازين، ويعلّم الإنسان أن هناك ثروةً أعظم من كل ما يُقتنى. يقول النبي ﷺ: «فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيقرأ آيتين من كتاب الله خيرٌ له من ناقتين…». وليس المقصود بالمقارنة مجرد بيان مقدار الأجر، بل لفت الأنظار إلى أن ما يمنحه القرآن للإنسان من هداية لا يوازيه أعظم متاع في الدنيا.

ولم يكن اختيار الناقتين في الحديث اعتباطًا، فقد كانتا من أنفس أموال العرب وأغلاها قيمة، فكأن النبي ﷺ يخاطب الناس بما يعرفون من أعظم صور الثراء، ليقرر حقيقة خالدة: أن ما يُكتسب من كتاب الله أبقى وأغلى من كل مكسب مادي، لأن المال قد يفنى أو يُسلب، أما هداية القرآن فتبقى أثرًا في القلب، ونورًا في الطريق، وذخرًا يوم يلقى العبد ربه.

وهذا هو الميزان الذي يقرره القرآن الكريم، إذ يجعل الحياة الحقيقية حياة القلب بالإيمان، لا كثرة الممتلكات، قال تعالى: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: 122]. فالإنسان قد يملك أسباب الرفاه كلها، لكنه يظل مضطربًا إذا خلا قلبه من نور الوحي، بينما يجد المؤمن في آيات الله طمأنينةً لا تُشترى، ويقينًا لا تمنحه خزائن الأرض.

ومن اللافت أن الحديث ذكر آيتين فقط، ليؤكد أن الطريق إلى القرآن يبدأ باليسير الذي يداوم عليه صاحبه. فكم من آية أيقظت قلبًا غافلًا، أو غيّرت قرارًا، أو ردعت صاحبها عن معصية، أو فتحت له بابًا من الخير لم يكن يخطر بباله. ولذلك لم يأمر الله بمجرد القراءة، بل دعا إلى التدبر، فقال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]. فالتدبر هو الذي يحول الآيات من ألفاظٍ تُتلى إلى هدايةٍ تُعاش، ومن معلوماتٍ تُحفظ إلى قيمٍ تُوجّه السلوك.

ولعل من أعظم ما نحتاج إليه اليوم، وسط زحام الأعمال وسرعة الحياة، أن نستعيد علاقتنا اليومية بالقرآن، لا على أنه واجب يؤديه المسلم فحسب، بل على أنه مصدر الهداية الذي يعيد ترتيب أولوياته، ويمنحه القدرة على مواجهة الفتن، واتخاذ القرار الصحيح، والثبات على الحق. فالدقائق التي يقضيها الإنسان مع كتاب الله ليست وقتًا يقتطعه من حياته، بل هي التي تمنح حياته معناها الحقيقي.

إن الحديث النبوي لا يدعونا إلى المفاضلة بين القرآن ومتاع الدنيا فحسب، بل يدعونا إلى مراجعة ميزان القيم الذي نحيا به. فما قيمة ثروةٍ تنتهي بانتهاء العمر، أمام آيتين تورثان علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا، وقلبًا مطمئنًا، وأجرًا لا ينقطع؟ لذلك كان القرآن أعظم هدية من الله لعباده، وكانت كل آية يقرؤها المؤمن ويتدبرها خطوةً جديدة في طريق الهداية، وثروةً لا تنفد مهما تغيرت أحوال الدنيا.

 

عضو هيئة التدريس في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر

مساحة إعلانية