رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الشيخة الدكتورة لولوة آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

246

الشيخة الدكتورة لولوة آل ثاني

الانتماء.. ما بين الهوية والمسؤولية قطر بقلبي سيرة... عز وأمجاد الإباء

30 أغسطس 2026 , 12:00ص

حين يرفرف العلم في سماء الوطن، نستحضر ذاكرة أجيال، وحكاية أرض، وتضحيات رجال، وحلما يتوارثه الأبناء عن الآباء. فالعلم رمز تختصر فيه هوية الوطن، والوطن ليس مكانا نعيش فيه فحسب، بل معنى يسكن فينا، وذكريات تشكل وجداننا، وأمانة نحمل مسؤولية الحفاظ عليها. ومن هنا يبدأ الانتماء الحقيقي؛ شعوراً بالحب والوفاء، يتحول إلى عمل وسلوك وأثر.

الانتماء من أعمق المشاعر التي تصوغ علاقة الإنسان بالحياة؛ فهو ليس مجرد ارتباط بمكان أو جماعة، وإنما إحساس بالامتداد، وشعور بأن للإنسان جذورا تمنحه الهوية، وقيما تستحق أن يحافظ عليها، ومجتمعا يشعر تجاهه بالمسؤولية. وحين يكون الانتماء واعيا وناضجا، فإنه يتحول من شعور داخلي إلى أفعال تصنع أثرا حقيقيا في حياة الإنسان ومن حوله.

فالإنسان لا يولد مكتمل الهوية، بل تتشكل ملامحه شيئاً فشيئاً من خلال أسرته، ودينه، وثقافته، وبيئته، ووطنه، والتجارب التي يعيشها. ومن هذه الدوائر تتكون علاقته بذاته وبالآخرين، ويتحدد ما يستحق منه الوفاء والحماية والعطاء. ولذلك فإن الإنسان الذي يعرف جذوره يكون أكثر قدرة على معرفة موقعه في الحياة، وأكثر ثباتا حين تتغير من حوله الأشياء.

لكن الانتماء لا يعني التعصب، ولا يمنح الإنسان حق إلغاء المختلف عنه. فالانتماء حين يفقد وعيه يتحول إلى انغلاق، أما حين يقترن بالحكمة، فإنه يصبح مساحة للتكامل والاحترام، ويحفظ للإنسان هويته دون أن يجعله عدوا للآخر. فالاختلاف بين الناس لا ينبغي أن يلغي ما يجمعهم من إنسانية وقيم مشتركة.

ولهذا فإن حب الوطن لا يُقاس بكثرة ما نقوله عنه، بل بما نفعله من أجله. فالمواطن الحقيقي لا يسأل فقط: ماذا أعطاني وطني؟ بل يسأل أيضا: ماذا أستطيع أن أقدم له؟ فالإخلاص في العمل، واحترام النظام، وحماية الممتلكات، ومساعدة الآخرين، والمشاركة في البناء، والمحافظة على مقدرات الوطن، كلها صور صادقة للانتماء لا يحتاج إلى شعارات.

وتبدأ جذور هذا الشعور منذ الطفولة؛ في الأسرة والمدرسة والبيئة، حيث يتعلم الإنسان معنى المسؤولية. فما نغرسه اليوم في نفوس الأبناء سيصبح غدا سلوكا ينعكس على المجتمع والوطن.

وفي النهاية، لا يكون الانتماء الحقيقي تعلقا بالماضي فقط، بل أمانةً تجاه المستقبل. فنحن لا نرث الأوطان لنستهلك خيراتها، وإنما نحمل مسؤولية أن نتركها أكثر أمناً ووعياً وجمالاً مما وجدناها.

فالانتماء أن تعرف جذورك، وتحفظ قيمك، وترد الجميل، وتدرك أن ما تحبه حقا تصبح مسؤولا عن حمايته وبنائه؛ لأن الوطن الذي نسكنه اليوم هو الأمانة التي سيعيش فيها أبناؤنا غدًا.

«وللأوطانِ في دمِ كلِّ حُرٍّ … يدٌ سلفتْ ودَينٌ مستحقُّ» 

                  الشاعر أحمد شوقي

اقرأ المزيد

مساحة إعلانية