رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رحلة القطار.. حين تمضي الحياة وتدعونا إلى الأمل “الحياة لا تنتظر المترددين، والزمن لا يعود إلى الوراء، ومن يدرك قيمة الرحلة، لا يضيع عمره في الوقوف على الرصيف.” ليست كل الرحلات تُقاس بعدد المحطات التي نعبرها، ولا بكل ما نراه من مناظر على جانبي الطريق، فبعض الرحلات تتحول إلى مدرسة للحياة، وإلى مرآة يرى الإنسان فيها نفسه، وأسئلته، ومصيره. وهذا ما فعله الأديب والمفكر توفيق الحكيم في مسرحيته الفلسفية «رحلة قطار»؛ إذ لم يجعل القطار مجرد وسيلة نقل، بل جعله رمزًا للحياة وهي تمضي في طريقها، لا تعبأ بما يحدث حولها، ولا تنتظر من يتردد في اتخاذ قراره. وتتجاوز المسرحية حدود الحكاية لتطرح سؤالًا يرافق الإنسان في كل مرحلة من عمره: هل نقود حياتنا بوعي، أم نترك الخوف والتردد يقودنا؟ فكم من فرصة ضاعت لأن صاحبها انتظر الوقت المثالي، وكم من حلم بقي حبيس التفكير، بينما كانت الحياة تواصل سيرها دون انتظار. ويذكرنا توفيق الحكيم بأن اختلاف الناس في آرائهم ومواقفهم أمر طبيعي، لكن الخطورة تكمن في أن يتحول هذا الاختلاف إلى سبب يشل الإرادة ويؤخر القرار. فالحياة لا تكافئ من يراقبها من بعيد، بل تمنح ثمارها لمن يملك الشجاعة في المضي، ويتحمل مسؤولية اختياره، ويتعلم من أخطائه قبل نجاحاته. كما يدعونا العمل إلى ألا نجعل الخوف من الفشل عذرًا للتوقف، فكل محطة تحمل درسًا، وكل تجربة تضيف إلى الإنسان نضجًا وخبرة. ولعل من أعظم ما يوقظه هذا العمل في النفوس أن قيمة الإنسان لا تقاس بما كان يحلم به، بل بما امتلك من شجاعة ليحوّل أحلامه إلى واقع. فكثير من الفرص تضيع لأن أصحابها استسلموا للتسويف، أو انشغلوا بالخوف من النتائج قبل أن يبدؤوا الطريق. ومن يدرك أن كل يوم هو محطة جديدة، لن يؤجل عملًا نافعًا، ولن يبخل بوقت يستطيع أن يتعلم فيه، أو يطور نفسه، أو يصنع أثرًا يبقى بعده. فالحياة لا تمنح النجاح لمن ينتظر اكتمال الظروف، وإنما لمن يبدأ بما يملك، ويؤمن أن الخطوة الأولى هي بداية الوصول. ولهذا يبقى الأدب العظيم حيًا؛ لأنه لا يكتفي بإمتاع القارئ، بل يوقظ ضميره، ويغرس فيه وعيًا جديدًا بقيمة الوقت، وأهمية المبادرة، والإيمان بأن مستقبل الإنسان لا تصنعه الظروف وحدها، بل تصنعه قراراته، وإصراره، وثقته بأن لكل رحلة غاية تستحق أن تُعاش.
690
| 04 أغسطس 2026
هناك قادة مُلهمون، وشخصيات استثنائية، ورجال أفذاذ، لا تقاس مكانتهم بطول سنوات الحكم، ولا بعدد المناصب التي تقلدوها، وإنما بما يتركونه من أثرٍ في أوطانهم، وبما يغرسونه في وجدان شعوبهم، وبما يصنعونه من تحولاتٍ تُغيّر مجرى التاريخ. هؤلاء لا يكتفون بإدارة الحاضر، بل يؤسسون للمستقبل، ويمنحون أوطانهم مكانةً تستحقها بين الأمم، فتغدو إنجازاتهم جزءاً من هوية الدولة، وذاكرة الشعب، ورواية الوطن للأجيال. ومن بين هذه الشخصيات الاستثنائية، يبرز المغفور له بإذن الله تعالى صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي ارتبط اسمه بمرحلةٍ مفصلية في تاريخ دولة قطر، شهدت انتقالها من دولة محدودة الإمكانات والحضور إلى دولة تمتلك مشروعًا وطنيًا متكاملاً، ورؤية استراتيجية جعلتها حاضرة في الاقتصاد والسياسة والثقافة والتعليم والإعلام والدبلوماسية، ومؤثرة في محيطها الإقليمي والدولي. ولم يكن هذا المشروع منفصلاً عن الإنسان القطري، بل كان الإنسان محورَه الأول وغايتَه الكبرى، وهو ما عبّر عنه سموه في أكثر من مناسبة، حين قال: «سيظل قلبي نابضاً بحب هذه الأرض وأهلها، فهي أول ما وقعت عليه العين، وأول ما التصق بالخيال». كما لخّص رؤيته في الحكم بقوله: «أشكر أهل قطر الذين كانوا معي طوال المسيرة، وساندوني، وكانوا خير عونٍ لي في مواجهة التحديات، وكان كل هدفي أن ينعموا بالرفاهية والخير والاستقرار والأمن». تكشف هاتان العبارتان أن العلاقة بين القائد والوطن لم تكن علاقة سلطةٍ وشعب، وإنما علاقة انتماء ومسؤولية، وحب متبادل، ورؤية جعلت رفاه الإنسان وكرامته وأمنه أساساً لكل مشروع تنموي. وعندما تسلّم سموه مقاليد الحكم عام 1995، كانت دولة قطر تمتلك مقومات واعدة، إلا أن كثيرًا من إمكاناتها لم يكن قد استُثمر بالصورة التي تليق بطموحاتها. ومنذ اللحظة الأولى، أدرك أن بناء الدولة لا يتحقق بإدارة الواقع كما هو، بل بصناعة واقع جديد، يستند إلى رؤية بعيدة المدى، ويؤمن بأن المستقبل يُبنى بالإرادة والعمل والتخطيط. ومن هذا المنطلق، لم ينظر سموه إلى القيادة بوصفها ممارسةً للسلطة، بل باعتبارها مسؤوليةً تاريخية وأمانةً وطنية، تُحتّم بناء اقتصادٍ قوي، وتعليم متطور، ومنظومة صحية متقدمة، ومؤسساتٍ حديثة، وبنية تحتية قادرة على استيعاب طموحات الأجيال المقبلة، مع الحفاظ على الهوية الوطنية، وترسيخ قيم الانتماء والعروبة. وبفضل ما امتلكه من فكر استراتيجي ورؤية استشرافية، استطاع خلال سنوات قليلة أن يضع الأسس الصلبة لنهضةٍ شاملة، امتدت آثارها إلى مختلف القطاعات، حتى أصبحت قطر نموذجًا في التنمية المستدامة، ودولة تمتلك حضوراً سياسياً واقتصادياً وثقافياً وإعلامياً يتجاوز مساحتها الجغرافية، ويمنحها مكانةً متقدمة بين دول العالم. ولم تقتصر هذه النهضة على الداخل، بل امتدت إلى صياغة دورٍ خارجي فاعل، عزّز مكانة قطر في القضايا الإقليمية والدولية، ورسّخ حضورها بوصفها دولةً تؤمن بالحوار والوساطة وصناعة السلام، إلى جانب إسهاماتها في دعم التعليم والثقافة والعمل الإنساني، وهو ما منح التجربة القطرية بُعدًا حضاريًا تجاوز حدود التنمية التقليدية. وفي السياق ذاته، شكّل تأسيس قناة الجزيرة ودعمها محطةً مفصلية في تاريخ الإعلام العربي؛ إذ لم يكن المشروع الإعلامي مجرد إنشاء مؤسسة إعلامية، بل كان رؤيةً هدفت إلى توسيع فضاء حرية الرأي، وإيجاد منبر عربي قادر على نقل الرواية العربية إلى العالم، وتعزيز حضور قضايا الأمة في المشهد الإعلامي الدولي، لتصبح الجزيرة واحدة من أبرز المؤسسات الإعلامية العالمية وأكثرها تأثيراً. لقد كانت نهضة قطر، في جوهرها، مشروعاً متكاملاً لبناء الدولة الحديثة، ارتكز على الاستثمار في الإنسان، والإيمان بالعلم، والانفتاح على العالم، والتمسك بالهوية الوطنية والعربية، وهي المبادئ التي صنعت التحول الكبير الذي شهدته البلاد، وأرست دعائم مسيرة واصلت تقدمها بقيادة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، حفظه الله، الذي استكمل المشروع الوطني، وحافظ على مساره، وعزّز حضوره وإنجازاته. رحل القائد المؤسس… ورحل رجل الدولة الذي ارتبط اسمه بمرحلةٍ فارقة من تاريخ الوطن، لكنه ترك إرثاً لا يقاس بالمباني والمشروعات وحدها، وإنما بما رسخه من قيمٍ في القيادة، وما زرعه من ثقةٍ في الإنسان، وما بناه من مؤسسات، وما صنعه من مكانةٍ لدولة قطر بين الأمم. لقد غرس فأثمرت الأجيال، وأسس فاكتمل البنيان، وأثبت أن الأوطان تُبنى بالإرادة الصادقة، والعمل الدؤوب، والإيمان بالإنسان قبل كل شيء. ولذلك، فإن من يترك وطناً شامخاً، وشعباً يعتز بمنجزاته، وإرثاً وطنياً وحضارياً ممتداً، لا يغيب أثره برحيله، بل يبقى حاضراً في ذاكرة الوطن، وفي مسيرة الدولة، وفي وجدان كل من شهد تلك المرحلة أو عاش ثمارها. رحل الأب الحنون، ورحل باني نهضة قطر، وبقيت النهضة شاهدةً على رجلٍ جعل من العروبة شموخًا، ومن الوطن رسالةً، ومن خدمة الإنسان غايةً لا تنتهي.
324
| 20 يوليو 2026
مساحة إعلانية
-تاريخ للعرب والإسلام لا يمكن أن نقرأه ثم...
4368
| 23 أغسطس 2026
كل عام وقبل العودة إلى المدارس يبدأ الاستعداد...
3075
| 25 أغسطس 2026
ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو حاجة...
2208
| 23 أغسطس 2026
بين سوق واقف في قلب الدوحة ومدينة لوسيل...
1959
| 19 أغسطس 2026
رحيل الأم لهو أشد المصائب وفقدها فقدان لكل...
1356
| 20 أغسطس 2026
اليوم تبدأ منافسات دورينا، وتبدأ معها حالة الترقب...
1278
| 20 أغسطس 2026
الاقتصاد سلسلة مترابطة تبدأ من المصدر، وتمر بالنقل...
1227
| 20 أغسطس 2026
بحكم أن أحد أفراد أسرتي يتلقى العلاج في...
867
| 25 أغسطس 2026
تروي الأسطورة أن مدينة طروادة صمدت سنوات أمام...
843
| 19 أغسطس 2026
في التاسع عشر من أغسطس من كل عام،...
570
| 19 أغسطس 2026
مع اقتراب العودة إلى المدرسة، تبدأ الأسر في...
462
| 24 أغسطس 2026
أصعب العجز أن يضع أحدهم ثقته في يدي،...
441
| 23 أغسطس 2026
مساحة إعلانية