رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
* قبل سنوات وبعد أن اكتوت غزة بالرصاص المصبوب في أبشع اعتداء على شعب أعزل كتبت في هذه المساحة مقالي بعنوان (نفسي أشوف الأمير) وكانت الأمنية لفلسطينية تعيش على أرض قطر قدر لها أن تزور القطاع وترى وتلمس أيادي الخير التي شملت القطاع برعاية سمو الأمير وحرمه، والتقت بناس غزة المحاصرة التي تحفظ بكل المودة والحب والامتنان ما قدم من قطر وقت محنتها وهي تُضرب براً، وجواً، وبحراً وعالمنا العربي الجميل يتفرج على الموت المجاني والدم سواقي في الشوارع!
حفظ أهل غزة الموجوعة لقطر وقفتها وهي تتحدى الحصار وترفدها بعونها وتمنوا أن يلتقوا أمير قطر الذي واساهم وهم غارقون في جحيم النار، وظلت أمنيتهم التي كتبت عنها في خواطرهم معلقة حتى آن أوانها وتمت الزيارة، وتناقلت الأخبار حول العالم مدى الحفاوة، والحب الذي استقبلت به غزة زعيما عربيا أحس يوما بآلامها ودموع أحزانها، بينما العالم لا يحرك ساكنا وهو يشاهد مشاهد حرق غزة وكأنه يتسلى بمشاهدة (أفلام حرب النجوم). الحقيقة كلنا ابتهجنا لهذه الزيارة وليس الغزاويين فقط، ربما لأنها صورة مشرفة مصممة على كسر الحصار، ثم هي رسالة تقول بوضوح غزة ليست وحيدة ليستفرد بها الهمج المجرمون، ولعل من تابع الفضائية الفلسطينية خلال زيارة سمو الشيخ حمد وسمو الشيخة موزا لمس حجم الحب والتقدير اللذين تكنهما (غزة العزة) لسمو الضيفين العزيزين، ولن تنسى غزة زيارة أول زعيم عربي تحدى الحصار وعزز صمودها، ورمم كسورها، وربت على أوجاعها، وساهم في إعمارها، وسيظل الفلسطينيون يعيشون امتنانا قلبيا ربما يعجزون عن التعبير عنه لحمد الخير، وستظل أمهات غزة يدعون طويلا لأم جاسم التي غمرتهم بالحب والرعاية، (شكراً) قليلة ضئيلة، بل لا يوجد في قواميس اللغة ما يصلح لشكر نبضات النبل الإنسانية، ربما لأنها فوق الشكر، حفظ الله قطر وأميرها، وجعلها دوما يد خير تواسي الموجوعين وتعطف على آلام المحزونين، وتؤكد على لحمة الاخوة التي يظن البعض أنها ذابت، إن رسالة الحب بين غزة وقطر ستظل دوما نابضة في القلوب.
* عندما يخرج الناس بأطفالهم في العيد، المفروض أنهم يحاولون إسعادهم في جو أسري حميم، لكن قد ينقلب إحساس الفرح والبهجة إلى إحساس بالهلع والخوف والفزع عندما يضيع طفل في الزحام، هذا عن طفل، فماذا إذا ضاع تسعة أطفال بيوم واحد في (دريم بارك) تقول صديقتي ضاع ابني مني في الزحام الذي عمره ثلاث سنوات، حاولت الوصول إليه فلم استطع، الزحام على الألعاب كان شديداً لتوافر كوبونات الخصم، صرت أركض في كل اتجاه دون جدوى، مر نصف ساعة، ثلاثة أرباع الساعة والخوف يقتلني وقد أيقنت أنني لن أعثر عليه أبداً، هرعت إلى مشرفات الأمن على البوابة فقلن لي إن بلاغك هو التاسع لهذا اليوم، ركضن معي في كل مكان، في كل اتجاه، ولم نعثر عليه، وكنت في طريقي أجد نفس الهلع لمن ضاع أطفالهم، عندما مضت ساعة لم أجد بداً من الاتصال بـ999 طالبة نجدتهم، وصلوا بسرعة، بدأنا واخوته البحث من جديد وجدنا حذاءه ملقى في اتجاهين، تتبعنا الاتجاه فوجدناه قد توغل إلى أطراف الحديقة، ارتميت أرضا من الإعياء وأنا أدعو أن تجد باقي الأمهات أطفالهن لينتهي نزف الخوف والألم، هذه حكاية واحدة لأم كانت بالصدفة صديقتي وهنا أسأل إدارة دريم بارك هل ضروري من وجود الشرطة للوصول إلى الأطفال المفقودين، وهل ضروري أن تصاب الأمهات بكل هذا الفزع عند ضياع أطفالهن الذين يسلمهم الزوار إلى مسؤولي الأمن دون أن يبلغوا بأي وسيلة أن أبناءهم في أمان؟
أقترح ضرورة توافر ميكروفونات في جميع أركان الحديقة للنداء للإعلان عن فقد طفل بمواصفاته وألوان ملابسه، كذلك ضرورة توافر العدد الكافي من حراس الأمن للبحث عن المفقودين، وضرورة التشديد على مخارج ومداخل الحديقة المختلفة، والتأكيد على حراس البوابة بعدم السماح لأي طفل في عمر الثانية أو الثالثة أو أكثر بقليل بالخروج من البوابة منفردا وقد أحسوا أنه ضائع من ذويه، وكذا ضرورة التنبيه في فترات متقاربة من خلال إذاعة داخلية على الآباء للانتباه لمن بصحبتهم من أطفال في هذا العمر، وعدم تركهم منفردين لأي سبب كان، ولا أبالغ لو طالبت زيادة على ما سبق بضرورة توافر كاميرات للتصوير في جميع أنحاء المتنزه أسوة بما نراه في الخارج وذلك لتسهيل عملية البحث عن المفقودين، وحتى لا ينقلب يوم العيد البهيج إلى يوم خوف وفزع ولا يقدر ذلك إلا من ضاع منه طفل، ولا أنسى أن أقول إن المسؤولية الأولى في الحفاظ على الأطفال من الضياع بقلب الزحام هي مسؤولية الأهل في المقام الأول، راجية للجميع عيداً سعيداً آمناً، وكل عام وكل أسرنا بخير.
رسائل إلى من يهمه الأمر
* إلى سعادة وزير الأوقاف
بعد التحية نتوجه لك شاكين متظلمين من أسعار الحج الجديدة براً وجواً، ونسأل: هل سيصبح (القرض) من البنوك في الأعوام القادمة هو السبيل الوحيد لتأدية فريضة الحج نظراً للأرقام الفلكية التي حددها المقاولون؟ وإذا كان القادرون يشكون من تكاليف الحج المرتفعة بل المجحفة فكيف بالغلابة الذين يضعون الريال على الريال؟ ثم لسعادة وزير الأوقاف أن يتصور الحجاج الحالمين بالحج والذين لم تعد وسيلتهم لتحقيق الأمنية إلا بقرض ربوي، الأمر يحتاج إلى تدخل سعادة الوزير شخصيا، فما دفعه الحجاج هذا العام فوق التصور أو التخيل وليرحم المقاولون الحجاج ليرحمهم ربهم.
* قال لي سمعت أحدهم يقول الزميلة دون أن يفطن لوجودي (أنا لو ما ربحت مائة ألف في الطلعة، يقصد الحجة ما أطلع، ده كان من فترة فكم تراه يربح الآن؟ والغريب أن الجميع يملأ الصحف بدعواه إنه إنما يخرج بالحجيج ابتغاء الجزاء والأجر! أي جزاء وأي أجر، عايزين تجمعوا فلوس الناس في الدنيا وكمان في الآخرة، اتقوا الله في الناس.
* مكيفات مع كل الشعائر، وفي كل مكان، غرف نوم فاخرة فيما يسمونه (الحج الفاخر) لا تعب ولا مشقة ولا جهد ولا تحمل، رفاهية فوقها رفاهية! بالله عليكم هل هذا حج؟
* إلى السادة المسؤولين في (وقود)
غياب الأنابيب وعدم توافرها في مراكز البيع أزعج أسراً كثيرة فمن غير المعقول أن تأخذ وقود إجازة في العيد يعني (بلاش الناس تطبخ) وكان المفروض أن تتوافر كميات إضافية لدى كل مراكز التوزيع بدل اختفائها، لقد أربك اختفاء الأنابيب بيوتا كثيرة لعدم توافر الغاز لأن عربة التوزيع لم تصل، مطلوب ممن يشتغل بخدمة الجمهور أن يكون دوما في مكانه ليوفر خدمة مدفوعة الأجر، الإذاعة تعمل، وكيوتل تعمل، والمستشفيات تعمل، ومراكز التسوق تعمل وكل ما يخص خدمة الجمهور يعمل، فلماذا تغيب وقود عن عملها المنوط بها ولماذا لا يكون هناك حساب لمن أهمل خدمة حيوية كالوقود في يوم كيوم العيد، وعكر على الناس بهجتهم.
طبقات فوق الهمس
* عناق القلوب في العيد أجمل ما في العيد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
2880
| 01 مارس 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2808
| 27 فبراير 2026
في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ الروح، تتبدّى حقيقةٌ لا تخطئها البصيرة: أن الزمن لا يستقيم على حال، وأن الحياة لا تعرف السكون ولا الجمود. الدهر نهرٌ جارٍ، لا يستقر على ضفة، ولا يكرر إنتاج موجةً مرت. وما الأمس إلا ظلٌّ انزوى، وما الغد إلا وعدٌ يتشكّل في رحم الغيب. بقاء الحال من المحال… ليست عبارةً تُقال، بل قانونٌ يسري في الذرّة كما يسري في الفرد والمجتمعات والدول، في القلب كما في العروش. الإنسان يتقلّب كما يتقلّب الليل والنهار؛ عافيةٌ تعقبها شدة، وغنىً يعقبه فقر، وسلطانٌ يليه أفول، وربما فرج لا يعقبه ضيق بل فتح من الله ونصر. من سنن الله الخالدة التدافع، ولولا هذا التدافع، وهذا الاختلاف الذي فطر الله الناس عليه، لتوقّفت عجلة الوجود، وتجمدت المعاني في قوالبها. رمضان يعلّمنا فلسفة الحركة في أروع صورها. نجوع فنشعر بضعفنا، ثم نفطر فندرك قيمة النعمة، وفضل الله علينا بالعافية.. نقوم الليل فتتهدّل أجسادنا، ثم تستقيم أرواحنا. هو تدريبٌ على تقبّل التحوّل، وعلى أن نعيش اللحظة مدركين أنها لن تعود. في سورة يوسف، تتجلى هذه السنّة في رؤيا ملكٍ أرقته صورةُ الزمن وهو يأكل بعضه بعضًا: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾. لم تكن الرؤيا سوى تجسيدٍ لسنن التحول، ولدورة الحياة: خصبٌ يعقبه جدب، ووفرةٌ يعقبها قحط، ثم عامٌ يغاث فيه الناس. هكذا يكتب الله الفصول، لا على صفحة الطبيعة فحسب، بل على صفحة القلوب أيضًا. يوسف عليه السلام لم يقرأ الرؤيا قراءةَ متصوّفٍ يستسلم للغيب، بل قراءةَ حكيمٍ، بتدبر ويستعدّ له. علّم الناس أن التغيير لا يُدفع، لكنه يُدار. وأن الرخاء ليس زمنَ الدعة والترف، بل زمنَ الادّخار. وأن الشدة ليست نهاية، بل جسرٌ إلى عامٍ يُعصر فيه العنب وتفيض فيه السنابل، ويعم الخير الجميع. من هنا نفهم قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه: «الدهر يومان، يومٌ لك ويومٌ عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر». إنها معادلة التوازن: تواضعٌ عند الامتلاك، وثباتٌ عند الفقد. فالبطر يعمي، واليأس يقصم، وكلاهما انحراف عن سنّة التدافع. وقد قالوا: «إنَّ مع اليومِ … غدًا»، لأن الخير والشر يتعاقبان كما يتعاقب المدّ والجزر، والفرج والضيق. ولأن اللحظة التي تضيق اليوم قد تتسع غدًا بما لم يخطر على قلب بشر، وقد يحصل العكس. يا من يظنّ أن الفرح دائم، تذكّر أن الشمس تميل إلى المغيب. ويا من يظنّ أن الحزن أبديّ، تذكّر أن الفجر لا يتخلّف عن موعده. الزمن ليس خصمًا، بل معلّم؛ يأخذ بيد من يفهم حكمته، ويؤدّب من يركن إلى وهم الثبات. رمضان إذن ليس شهر العبادة فحسب، بل شهر الفلسفة الهادئة؛ شهرٌ نُعيد فيه ترتيب علاقتنا بالزمن، كيفما تكون تقلباته، ونتعلم أن نعيش بين قطبين: بين الشكر والصبر، بين العمل والتوكّل، بين التخطيط والرضا. فالدهر يومان… والمؤمن العاقل هو من يقرأ يومه قراءة عابر سبيل، المتدبر، المتحوط لا قراءة المالك، ويتعامل مع النعمة كأمانة، ومع المحنة كرسالة. وبين هذا وذاك، يبقى اليقين الأعظم: أن الأرزاق بيد الله، وأن الأيام دول، وأن في تقلّبها سرًّا من أسرار الرحمة، لو دام لنا الرخاء لفسدت النفوس، ولو دام الضيق لانكسرت الأرواح. فالحمد لله على يومٍ لنا…نشكر والحمد لله على يومٍ علينا…نصبر فكلاهما طريقٌ إليه سبحانه … كيفما تكون الحال …. ختم الله بالصالحات أيامكم
1062
| 26 فبراير 2026