رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحديث عن الإرهاب قديم ولكنه ازداد كثيرا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١ م في أمريكا، ولكن الحديث عن قطع الرؤوس وما تلاه من تعليقات على تلك الأفعال وبشاعتها بدأ مع داعش (الدولة الإسلامية) التي قامت بعدة عمليات قطع كان بعضها مصورا وتم عرضه في بعض القنوات التلفزيونية ولقي استهجانا كبيرا من الجميع، نظرا لبشاعته وأيضا مخالفته لقواعد الشرع وضوابط الأعمال الإنسانية المعروفة.
حاول الأمريكان وبعض مؤيديهم من الغربيين ومن العرب أيضا ربط هذه الثقافة المتوحشة (ثقافة قطع الرؤوس) بالمسلمين، وادعوا أن المسلمين وحدهم هم من يمارس هذه الأعمال الوحشية، وقد استغلوا ما قامت به الدولة الإسلامية عندما قطعت بعض الرؤوس علنا أسوأ استغلال، حيث ربطوا الإرهاب بكل مساوئه بالمسلمين، وأعتقد أن قطع تلك الرؤوس هو الذي ساعد أمريكا كثيرا على حشد عدد كبير من الدول لحرب داعش كما قالوا!
لكن التاريخ ووقائعه وأحداثه تؤكد أن الأوروبيين والأمريكان هم من بدأ ومارس تلك العادات السيئة، وهم - أيضا - من مارس الإرهاب بكل تفاصيله وأنواعه، وقد أشار الدكتور (نعوم تشومسكي) - وهو واحد من أكبر علماء أمريكا وفلاسفتهم، بل هو ظاهرة عالمية بحسب وصف جريدة نيويورك تايمز، وهو أمريكي يهودي، ولكنه يميل إلى الإنصاف والواقعية ولهذا فهو غير محبوب في بلده وأيضا في إسرائيل، يقول نعوم: إن أمريكا بلد إرهابي بحسب تعريفها للإرهاب، فهو - أي الإرهاب (هو التهديد أو استخدام العنف لتحقيق غايات سياسية أو دينية أو غير ذلك من خلال تخويف الناس ونشر الخوف في صفوف المدنيين وما إلى ذلك)، ويضيف: عندما نقارن بين ما تفعله أمريكا عسكريا في العراق وأفغانستان واستخدامها فلسفة (الصدمة والرعب) وبين ما تفعله حليفتها إسرائيل سنجد أنهما يمارسان الإرهاب بطاقته القصوى ضد المجتمعات والشعوب في العالم.
والمعروف أن أمريكا مارست حربا شرسة ضد الفيتناميين وقتلت منهم عشرات الآلاف، وفعلت الشيء نفسه في العراق وفي أفغانستان، كما أنها أسهمت مع إسرائيل في قتل آلاف الفلسطينيين، وما زالت تدعمها لقتل الشعب الفلسطيني وقلعه من أرضه!! وأمريكا فعلت كل ذلك بحجة محاربة الإرهاب والعنف في العالم!! والكل يدرك أن ما تقوله أمريكا لا صحة له على الإطلاق، وإلا لماذا صمتت عن جرائم بشار الأسد وكذلك جرائم الصهاينة في غزة وغيرها من الجرائم التي يتعرض لها المسلمون في أماكن كثيرة؟!
ويروي (جون سمث) وهو واحد ممن ترجم ما كتب عن أفاعيل الأمريكان بالهنود الحمر - سكان أمريكا الأصليين - وذلك خلال معركة (ساند كريك)، فقد ارتكب الجنود الأمريكان أفظع مجزرة في الهنود الحمر، حيث هشموا جماجمهم وسلخوا جلودهم وقلعوا أدمغتهم، كما بقروا بطون الحوامل وعذبوا الأطفال وفصلوا الرؤوس عن الأجساد!! ومع هذه الوحشية فقد احتفل الأمريكان بهذه المجزرة وأشاد بها الرئيس الأمريكي (تيودور روزفلت) وأثنى على شجاعة جنوده واعتبر أن القضاء عليهم ضرورة ملحة!!
وكما تحدث التاريخ عن فظائع الأمريكان فقد تحدث أيضا عن فظائع الفرنسيين زمن احتلالهم للمغرب العربي، فعندما دخلوا قرية اكواري في إقليم مكناس قطعوا رؤوس الأهالي وكانوا يضعونها على شاكلة رؤوس الحيوانات التي يصطادونها، وقد عملت فرنسا من صور هذه الرؤوس طابعا بريديا وكان ذلك في عام ١٩٤٩م، وفي عام ١٩٥٧ كرر الفرنسيون فعلتهم الشنعاء ولكن هذه المرة كانت في الجزائر، حيث كانوا يقطعون رؤوس الفرنسيين ويلتقطون صورا لهم وهم يحملون بعض تلك الرؤوس!! وقد شارك الإسبان في حفلات قطع الرؤوس وكان ذلك مع المغاربة وكانوا يحملونها بأيديهم بعد قطعها!!
إذن ثقافة قطع الرؤوس بدأها الأمريكان والغربيون وعلى نطاق واسع وبتشجيع من حكوماتهم، أما الدواعش فقد كانوا تلامذة صغارا على موائد الأمريكان والغرب، كما أن أفعالهم وجدت استنكارا كبيرا من المسلمين بعكس ما كان موجودا عند دعاة حرب الإرهاب قديما وحديثا، فقد توغل أولئك في الإجرام وبكل صنوفه، قتلوا وقطعوا الرؤوس وبقروا بطون الحوامل واغتصبوا النساء وفعلوا أكثر من ذلك، ولم يتوقفوا عن ارتكاب فظاعاتهم حتى الآن، إن حصار العراق زمن صدام تسبب في موت حوالي مليون طفل، كما أن حصار غزة حاليا تسبب وسيتسبب في موت الآلاف، فوق أن الأمراض والفقر والبطالة ستصبح هي الأصل في غزة، يحدث كل ذلك برضا ومساعدة الأمريكان وبعض دول الغرب!!
أليس هذا إرهابا بكل معنى الكلمة؟ أليس قتلا للأبرياء؟! هو كذلك كما قال نعوم تشومسكي - وهو يهودي أمريكي - قال: إن القتل الغاشم للمدنيين الأبرياء هو إرهاب وليس حربا على الإرهاب.
الأمريكان وحلفاؤهم بيدهم مكاييل عدة ويكيلون بحسب أهوائهم، فالذي لا يوافق أهواءهم فهو إرهاب تجب محاربته وحشد الآخرين ضده، أما الذي ينسجم مع مخططاتهم وأهوائهم فهو عمل جليل يستحق الإشادة والتبجيل وذلك على غرار دفاعهم عن جرائم الصهاينة في غزة، وصمتهم عن جرائم بشار الأسد وما شابه ذلك من الجرائم التي يغضون الطرف عنها أو يقفون مع فاعليها، أما الحجج والتبريرات فهي جاهزة، وما على الآخرين إلا القبول والسير في ركاب الأمريكان!!
لا نعذر الدواعش على ارتكاب المجازر بأي صورة ولكننا لا نقبل القول بأن الإسلام دين الإرهاب ولا بأن المسلمين إرهابيون، لأننا لو أجرينا مقارنة سريعة بين ما فعله الغرب والأمريكان وبين ما فعلته داعش لوجدنا أن الفارق هائل بين الاثنين، ستكون داعش مجرد تلميذ صغير مبتدئ أمام الإرهاب الغربي والأمريكي!! ومع هذا كله لم يقل المسلمون إن الديانة النصرانية ديانة إرهابية ولم يقولوا أيضا إن كل الغربيين وكل الأمريكان إرهابيون، وهذا يؤكد أن المسلمين أكثر إنصافا واعتدالا من غيرهم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4266
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
1512
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1140
| 28 سبتمبر 2026