رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
المسيرات الشعبية إلى ميدان التحرير لم تكن مجرد روافد، ولكنها كانت أذرع الثورة الممتدة عبر القاهرة المحررة لتعلن "أنا الشعب"، وهو تعبير طال انتظاره، ولم يكن للمسيرات التي امتدت عشرات الكيلومترات وانضم إليها مئات الألوف، مجرد الشكل حيث ضمت الطفل والشيخ والسيدة ومن حولهم وبينهم شباب لا تملك إلا أن تزهو به وتدعو الله أن ينصر بهم جميعا وطنا أحبوه وضحوا بحياتهم وجهدهم وعرقهم في سبيل حريته، فاحتضنهم وخرج الشعب على الأرصفة ومن الشرفات يحيي مواكب النصر والإصرار ليؤكد أن "الثورة مستمرة" حتى تحقق أهدافها، هذا ما كان من أمر الشكل، أما من حيث المضمون فكما هي أذرع الثورة الممتدة في عمق القاهرة الشعب والجغرافيا، فقد حملت المسيرات رسائل بلا حدود.
الرسالة الأولى أنها تمت بسلام وبلا أي صدام، ورغم إعلان الجيش والشرطة أنهم سيخلون الشوارع، إلا أنه يبدو أن هناك إعلانا آخر بأن البلطجية يمتنعون، وهو شهادة أن الشباب والشعب مهما كان حجم الحشود، فهم في سلام وكل المنشآت أيضا طالما ليس هناك تدخل خارجي يفرض الدفاع عن النفس.
الثانية كانت رسالة الإصرار على أن اليوم ليس يوم احتفال ولكنه يوم لإعلان استمرار الثورة، يوم تعاقد جديد بين الشعب وشهدائه وبين الشعب وبعضه البعض، في كل أنحاء مصر، بأن الثورة مستمرة حتى تحقق أهدافها، وأنها لن تتوقف مهما قال البعض إنها دعوة غير أخلاقية أو حرض على الشباب، أو حاول بعض آخر سرقة الشرعية من حركة الشعب ونسبتها إلى فرع أنتجه التصويت الذي جرى وصار برلمانا، لا شرعية له أن انضم إلى مناورات الالتفاف على الثورة، أو محاولات إجهاضها تحت نفس الشعارات التي ترفعها الثورة.
والثالثة كانت تحطيم الأصنام التي صنعوها من تراب الأرض ودم الشهداء لينصبوا هذا أمينا للثورة أو يعلنوا أنهم حاملو أختام الثورة ليحكموا بأن هذا ثائر وهذا ليس بثائر، أو أنهم قد ملكوا الميدان أرضا وملكوا مفاتيحه، وأعلنت المسيرات مضمون الثورة أن ميدان التحرير ليس مجرد الأرض، ولكنه المعنى والروح، وروح التحرير هي الوقود الذي يحرك مئات الآلاف في كل شوارع مصر، هي الفكرة، أكثر منها الوجود فوق الأرض، وقد استدعى هذا تقاذفا بالشعارات، لم يرق إلى الصدام، ولكن خسر الإخوان الذين حاولوا إحالة الموقف إلى احتفالية، تارة بالأغاني الوطنية، وأخرى بإذاعة القرآن الكريم للحد من هتافات الحشود، ورفع البعض الأحذية في مواجهة منصتهم، وقذفوها بزجاجات الماء الفارغة، ورغم تدخل عديد من الخطباء لامتصاص غضب الحشود، ونداءات من شباب الإخوان بأن كل الشعب يد واحدة غير أن الهتافات ضد مرشد الإخوان العام لم تتوقف طيلة المسيرات.
ليس مطلوبا في هذه اللحظات أن نتحدث عن لماذا هذا الغضب، ويكفي أن نقرأ تصريحا لنائب المرشد تناقلته وكالات الأنباء والصحف: "أرجع خيرت الشاطر تأخر تسليم إدارة البلاد إلى المدنيين إلى المجموعات التي تحاول نشر الفوضى في مصر ". مؤكداً أن الجيش يرى ضرورة تسليم إدارة البلاد إلى سلطة مدنية"، لندرك أن أحدا لا يجني إلا ما تغرسه يداه.
وكانت رسالة مضمون وهدف الثورة في ثلاثية "عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية"، دلالة ثالثة في وحدة الشعار وشموله لمعنى الإرادة الشعبية التي قبلت بدفع الثمن وصبرت وصابرة طوال عام بأكمله من أجل تحقيقه وهو مازال يراوح مكانه ولم يجد من إرادة الإدارة لا الاستيعاب ولا القدرة على تحقيقه، بل مراوحة، أقرب للهروب منها عجزا في الأداء.
إن لقمة العيش الكريمة التي يريدها الإنسان المصري ليست معجزة مستحيلة، ولكنها تريد من يقتنع بحق الإنسان فيها، إنها المقدمة الأولى لحرية الإنسان في الاختيار، إنها بوابة الإحساس بالعزة، إن شعار ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعباد، وشعار ارفع رأسك فوق أنت مصري، لم يعد لهما من سبيل إلا برفع الغبن عن لقمة الخبز المباشرة التي يحتاجها الإنسان. وإذا كان المدخل إلى هذا توازن بين الأجور والأسعار، فإن البوابة الرئيسة إليه هي أمن المواطن. إن حرية لقمة العيش وأن يجد الإنسان قوت يومه، هي الحرف الأول من الأمن القومي، وآخر الأحرف القدرة القتالية لجيشه، لقد تحمل الشعب المصري ما يقرب من 45 عاما منذ حرب 1967 أن يكون قوته عند حد الكفاف، ولكن يومها كانت صرخة المواطن أن كيلو اللحمة أصبح "بجنيه" وهو يتجاوز السبعين جنيها اليوم، بل تجاوزت الأسعار إلا أن الطعام الرئيس للإنسان المصري "الفول والخبز والملح والزيت والسكر والشاي" صار عبئا اقتصاديا على الأسرة متوسطة الحال.
إن مطلب الحرية لا يعني بأي حال التنازل عن الهوية الوطنية أو القبول بأي صورة من صور الإرهاب الفكري مستوردا من الشرق أو من الغرب، إن هتاف الشباب "بالحرية حتفضل مصر غالية عليه" فد حققه بالفعل، لقد شكل الشباب غرف عمليات تلقائية يحددون بها من يختارون لمجلس الشعب، وكانوا يناقشون عبر الإنترنت والهاتف الأسماء، ويختارون، ولكن القصور لم يكن في الاختيار، القصور كان في طبيعة البضاعة المعروضة واتساقها مع حجم الأعداد المطلوبة. وهي ذات المشكلة في اختيار الرئيس، فالكل في حيرة مما هو مطروح، وحديث أن أي رئيس يمكن أن نغيره، يصطدم بحقيقة أن "حامد كرزاي" مازال في أفغانستان واحة الدم والديمقراطية الأمريكية، ومازال عند نفس النقطة يسعى للحوار مع "طالبان" كما نقلت وكالات الأنباء، أي أن كلا الطرفين موجود، ومازالت أفغانستان دون الخطو للأمام، ولا يحاجج أحد بأن مصر ليست أفغانستان، ولكنها هي ذات التجارب وذات النتائج المتوقعة، أو هو الدم.
إن مطلب الحرية عميق بعمق الحياة. وليس مجرد كلمة ننطقها فتتحقق.
إن مطلب العدالة الاجتماعية من الجدية بمكان، يلزم معه رؤية للاقتصاد المصري المهلهل، والذي لا يمكن به لا تحقيق تنمية جادة ولا عدالة اجتماعية، مما يعني أن العصب الرئيس للأمن القومي المصري غائب أو هو بيد أجنبية.
إن ذلك يفرض ضرورة استمرار الثورة حتى تجد مرفأ لها تستقر عليه، إن الأدوار قائمة تنادي من يتولاها، ولكن الانشغال عنها بالصراعات الباقية من النظام القديم تعصف بها من كل جانب.
لقد نجح الشباب رغم مسؤوليات استمرار التظاهر، في أن يجد بفكر جديد معادلة التعامل مع الإدارات القائمة بهدف التغيير، إن المظاهرات التي أطلقوا عليها الفئوية، واستخدام الاحتشاد في مواجهة أي قرار يمس لقمة العيش، هو خروج عن نمط الحياة والسلوك المعتاد من الشعب المصري، وأكثر من هذا وأعمق، لم تكن النظرة إلى المواقف والأزمات من باب الأنا أو المصلحة مباشرة، بل يفكر فيها بعمق، ويربط بين المواقف ومعنى الظلم، ويعظُم قيمة المعلومات، واكتسب الثقة في النفس إلى حد أنه لا يخشى من القادم حتى وإن كان يركن حتى الآن إلى التجربة والخطأ. ويملك قراءته الخاصة لنتائج الانتخابات الأخيرة، ويقبل بها ويبحث عما بعدها وحجم ما ترتب عليها من مسؤوليات جديدة على كاهله، وهذا أيضاً معنى استمرار الثورة، بل هو المعنى العملي لما أطلق عليه نجيب محفوظ "الثورة الأبدية".
إن هذه الأنماط الجديدة على الشعب المصري من حيث الفكر والسلوك، والإحساس بالمسؤولية وحتى عمق الزمن اللازم لتحقيق الغايات العليا، تم تجاوزه وبحده وبإجماع عام في المضمون الخامس للمسيرات الشعبية، وهو النداء الصارخ "يسقط يسقط حكم العسكر"، وهو أمر يجب تناوله بمنتهى الجدية.
نعم الجيش هو القلب الصلب لمصر. ولا أعتقد أن التمييز بين الجيش وقيادته في هذه الآونة أمر حقيقي، ولكنه غلاف من السلوفان نغطي به الحقيقة، فالمجلس العسكري هو من وافق على نهج مواجهة الشباب بالقتل، وعناصر من خيرة القوات المسلحة نفذت الأمر.
التباطؤ ليس إلى حد التواطؤ، ولكن التباطؤ والتواطؤ، أديا إلى جرائم القتل والسحل والاعتقال والمحاكمات العسكرية، وزاد الطين بلة الصمت دون حساب المسؤولين عن عمليات القتل.
حركة الشعب تطالب بإسقاط حكم العسكر، نتيجة الجرائم المسكوت عنها، والبديل تقديم موعد انتخاب الرئيس.
والإخوان يطالبون بإنهاء حكم العسكر، حسب الاتفاق، والبديل لديهم ولدى العسكر محدد.
العسكر أضعف من إعلان موقف محدد، ويتعاملون بذات منهج النظام السابق، "دع الزمن يتكفل بالعلاج"، ولم يعد هذا المنهج صالحا للتعامل مع حالة اليقظة بعد يناير 2011، والضعف ينتج سوء القرار ويزيد من مبررات المطاردة الشعبية لهم.
والمجلس الاستشاري الذي ضم أعضاء حاولوا إحداث توازن بين خياري أيهما يسبق الدستور أم الانتخابات ومع نتائج استفتاء السامري، أسقطته تصرفات المجلس العسكري فقد قيمته لدى الشعب، وفقد مصداقيته وصار بتصريحات رئيسه ومواقف أعضائه.
الخيارات القادمة أحلاها مر علقم. والأقرب إلى الحدوث صدام آخر، ودم حول لجنة الدستور بعد صدام الرئيس.
قال السامري إنه لا يجب صياغة دستور تحت حكم العسكر، أليس هو قائد ومفكر الانقلاب على الثورة.
لا أتوقع سلاما قريبا ولكن الأقرب إلى الحدوث صدام بين طرفين رفضا حكم العسكر ولأسباب اختلاف أخرى، وما أكثرها.
فهل يبلغ المجلس العسكري الرشد ويقرر محاكمة علنية لقاتلي الثوار، أم أنه حتى يأخذ هذا القرار يحتاج معجزة من السماء؟
وإذا اتخذ هذا القرار هل سيصدقه الشعب؟
للأسف الآن لا إجابة، غير أن الشعب مازال ينادي بسقوط حكم العسكر ويطالب بذلك خلال ثلاثة أشهر بينما برنامج المجلس العسكري ينتهي بعد خمسة أشهر، وفارق المضمون صار مجهولا ولا يحمل من مفاجآت غير العرق والدم والدموع.
الآن نحن في طريق اختلطت فيه الأوراق، يفوز البعض على المدى القريب، بينما يحفل الوطن باحتمالات المواجهات الحادة بين القوى داخله، واحتمال أن تفوز الثورة على المدى البعيد قائم في الأفق.
الثمن باهظ جدا، فهل يعيد شباب الثورة ترتيب الأوراق من جديد، ويحسم أمره بمواصفات الرئيس، أم إنه سينفتح الباب ليدخل منه مسيلمة الكذاب ليكمل ما فعله السامري.
الفارق بين الغباء والعبقرية أن للعبقرية حدود.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4899
| 05 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1509
| 09 أغسطس 2026
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه. مفارقة تهز الخيال أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها. وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم. سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر. دول دُمرت وشعوب شُردت لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل ببطء بهدوء ومن داخل النظام نفسه كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم. ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما). صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا. كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر). تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة. وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !! زهران ممداني ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر. دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين هل توقفت القصة هنا؟ لا لم تتوقف ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر عبدالرحمن السيد اسم عربي واضح مسلم من أصول مصرية فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها. وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين أوباما ممداني عبدالرحمن السيد ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية. ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي. المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس نحو مؤسساتها نحو جامعاتها نحو إعلامها نحو مجالسها المحلية نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه. وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !! ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟ هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول إنهم أمريكيون ولدوا فيها درسوا في مدارسها يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها يدفعون ضرائبها يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده إذا خسر سيأتي غيره وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال قبل عقود كان السؤال هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟ وحدث ثم جاء السؤال هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟ وحدث والسؤال اليوم هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟ نعم بات ذلك ممكنا لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟! هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟ اليوم قد يضحك البعض من السؤال لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها. وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين قد يكتب جملة أكثر إثارة: بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.
1332
| 11 أغسطس 2026