رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ عدة ليال حضرت ندوة بعنوان: كاتب المقال بين الحرية والمسؤولية، تكرر فيها ترديد مقولة سيدنا عمر لسيدنا عمرو بن العاص "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم أحرارا" وردت هذه المقولة في الندوة في عدة سياقات مختلفة، كلها ابتعد عن تعريف حقيقة الحرية.
تتعدد تعريفات الحرية بتعدد المتحدثين والمعقبين ولو انك سَألت عن معنى محدد للحرية فستختلف اليك الاجابات باختلاف مشارب المسؤولين، وقد تعرّف الجريمة او التعدي على أنها حرية، فالمثلية الجنسية تعتبر حرية شخصية وهي ليست كذلك وانما هي جريمة تعدٍ على المجتمع وفيها فناء للعائلة، والسخرية من الاديان تعتبر حرية تعبير وهي ليست كذلك وإنما هي شتيمة يعاقب عليها القانون، وسماها القرآن سباً ونهى عنها حتى للأصنام التي تعبد من دون الله فقال "ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله".
الخلط في تعريف الحرية يشبه تماما الخلط في تعريف الارهاب او تعريف العدالة او حتى تعريف المال العام، بل ويشبه حتى الخلط في تعريف الحب أو الخلط في تعريف الرومانسية.
هناك مقولة تقول: حريتك تنتهي عند بداية حرية الاخرين، وهذه المقولة خاطئة ولا شك، فالحرية لا تنتهي وليس لها حدود، فاذا قيدت انتفى عنها وصف الحرية، وانما اختلط على قائل هذه المقولة الفرق، فسمى التعدي حرية، فهل انت حر مثلا في مد يديك في جيوب الآخرين؟ بالطبع لا.
أحد مظاهر الحرية الذي لا يحد ولا يقيد هو حرية التعبير، انت حر في تعبيرك حتى في الطعن في الدين (الطعن شيء مختلف عن السب والشتم) وقد طُعن في الدين أمام الرسول صلى الله عليه وسلم ونقلها لنا القرآن فقالوا "إن هذا إلا أساطير الأولين" والشيخ محمد الغزالي رحمه الله كان يقول لا مانع من السماح لأي حزب أو فكرة تحمل أي معتقد، شيوعية كانت او غير شيوعية، شريطة أن تمنحني حرية الرد عليها، فإن لم استطع أن أسحقها فهي أحق مني بالبقاء.
هكذا تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع خصومه، قل فيّ ما شئت لكن امنحني حق الرد، ولهذا السبب لم تصمد حججهم الواهية أمام قوة حجته صلى الله عليه وسلم فأرادوا إسكاته بالقوة "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك" صدق الله العظيم، هكذا حينما تعجز قوة المنطق يأتي منطق القوة، وبمنطق القوة لا جدال في أن الثور أقوى من الإنسان، فحجب الرأي أو الرأي الآخر هو منطق قوة تستخدمه سلطة أو جهة أو حتى مؤسسة إعلامية، وهو منطق حيواني لا يصمد طويلا.
إذاً الحرية لا تقف عند حد ولا تقيد بشرط وهي شيء مختلف تماما عن التعدي وعن الجريمة التي سميت ظلما بالحريات الشخصية أو بالحريات التعبيرية. تعريف الحرية ببساطة هو عكس العبودية وهي شعور وليست حالة ظاهرة، أي أنه يمكن ان يشعر الانسان انه حر وهو في ظاهره عبد، كسيدنا بلال مثلا، والعكس صحيح، ويشعر انه حر وهو مقيد وراء قضبان كابن تيمية رحمه الله حينما قال "ما يفعل اعدائي بي؛ جنتي في صدري، وسجني خلوة ونفيي سياحة وقتلي شهادة"، وهناك أبيات رائعة للشيخ القرضاوي حول هذا المعنى يقول:
ضع في يدي القيد ألهب أضلعي
بالسوط ضع عنقي على السكين
ِلن تستطيع حصار فكري ساعة
أو نزع إيماني ونور يقيني
فالنور في قلبي وقلبي في يدي
ربي وربي ناصري ومعيني
وإذا سلمنا بأن تعريف الحرية هو عكس العبودية فإذاً يلزمنا بداءةً تعريف ماهية العبودية.
من خلال سياق القصة التي دفعت سيدنا عمر لقوله، وبكل عفوية، عبارته الشهيرة "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم أحرارا؟!" يستجلي بكل وضوح تعريف العبودية، فقد روي أنه حينما سبقت فرس القبطي فرس ابن سيدنا عمرو بن العاص اعتلاه بالسوط وقال: اتسبقني وأنا ابن الأكرمين؟! (وهو فعلا ابن أكرمين، لكن هذا لا يتيح له التسلط) ذلك القبطي لم يكن عبدا مملوكا لابن سيدنا عمرو، ولم يصفه ابن سيدنا عمرو بأنه عبده مملوكه، فلماذا إذاً قال سيدنا عمر "متى استعبدتم الناس"؟
والجواب هو أن الفعل وهو التسلط كان بمثابة جوهر الاستعباد، ولأن القبطي حرّ، ادرك هذا المعنى ولم يرض به، رفع مظلمته لسيدنا عمر وتكبد مشقة السفر من مصر إلى المدينة لأنه أيقن أن هناك حرّا سينصفه (على فكرة، نادي السباق والفروسية عندنا يكرر نفس هذه الحادثة باستمرار لكن بصورة مختلفة، وهناك مجموعة عبيد قائمون على ذلك)
الاستعباد هو التجاوزات على الناس ماديا او معنويا فقط لانك (ابن الأكرمين) أو لأي نوع من انواع الطبقية الاجتماعية التي تسوغ لك هذا التجاوز، والحر هو من لا يقبل بهذه التجاوزات وان لم يغير الواقع، وقد قالت العرب قديما "الحر حر وإن مسه الضر" أما العبد فهو من يقبل راضيا بهذه التجاوزات.
اتابع بعض المرشحين الكويتيين من انصار الشيخ ناصر المحمد، قال هذا المرشح وهو يفند ادعاء خصوم الشيخ بنهب المال العام والذين عرضوا صوراً لمجموعة من السيارات الفارهة تخص الشيخ ناصر، قال "هو شيخ وابوه شيخ ومن حقة ومهوب غريبة تكون عنده هذي السيارات" انتهى، فإن كان هذا هو السبب الوحيد لامتياز حصوله على هذه السيارات فقد لخص هذا المرشح معنى الاستعباد وهو التجاوز كنتيجة طبقية لا غير، وهذا المرشح ينطبق عليه حقيقة العبد لأنه قبل راضيا بهذا التجاوز.
قد نتحدث في كثير من الامثلة الواقعية في مجتمعنا القطري لنفرق فيها بين الحرية والاستعباد، لكن المثال الحي الذي لا يمكن تجاهله هذه الايام هو تجاوز واستبداد طيران القطرية من خلال دخول الدولة كشريك مع مجموعة هؤلاء الشركاء واستبداد الشركة بالمطار والشحن واحتكار الملاحة الجوية ورفعها لسياط الاسعار على المواطن وسياط انتهاك حرمة الدين وانتهاك مشاعر الوطن وبنود الدستور بترويجها للمحرمات، كل ذلك يعتبر نوعا من استعباد المواطن حسب تعريف سيدنا عمر والذي اصطلحت عليه الأمم المتحدة في دستورها كأول بند في بنود حقوق الإنسان، ورفض استبداد القطرية هذا هو شعور حر داخلي للمواطن تمثل في مقاطعتها تماما كشعور ذلك القبطي الحر الذي رفض ان يكون عبداً لابن الأكرمين.
بعيدا عن القطرية، وبعيدا عن كل التعريفات الرنانة لمعنى الحرية، أسقط هذا المقياس في تعريف الحرية على واقعك وسيتضح لك تماماً معنى كلمة الحرية في الندوة المعنونة "كاتب المقال بين الحرية والمسؤولية" وماهية الحرية المفترض ان تمنح لكتاب المقالات، وستختبر أيضا أي حديث منمق عن الحرية في المجتمع، ومن خلال هذا المقياس ستعرف أيضا هل أنت حر أم انك عبد تساق.
wasm03@yahoo.com
Twitter: @lahdane
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
1644
| 23 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1122
| 21 مايو 2026
كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة منذ جمهورية أفلاطون. قبل أفلاطون عرف المصريون القدماء والأشوريون والبابليون، أن المدينة الفاضلة لا تتحقق على الأرض بل في السماء. من هنا جاءت كثير من آثارهم، مثل المسلات المصرية والأهرامات، التي ترتفع مثلثة النهاية، دليلا على الانطلاق إلى السماء. في الوقت نفسه وضعوا كثيرا من القوانين، مثل قوانين حمورابي البابلي من أجل الحياة الأفضل. هل حققت القوانين اليوتوبيا؟ لم تحققها كاملة، ومن ثم يظل اجتهاد الإنسان في البحث عن عالم أفضل. رغم كثرة ما كُتب عن اليوتوبيا، أو تأليفه عن جزر أو بلاد خيالية، فإن الأدب والرواية في المقدمة، ترى في الديستوبيا أو المدينة الفاسدة مجالا أكثر. الجانب الخفي في هذا أن الأدب يُعنى بما هو جانح، أكثر مما هو سويّ. في الكتابة عن الجانح قد يرى البعض، أنه حافز للبحث عن الأجمل، لكن في رأيي أن القارئ العادي وهو يقرأ ذلك، يشعر بالإزاحة عن نفسه، ثم ينطلق يمارس حياته، وتبقى معه متعة القراءة. دائما أقول إن الأدب لا يغير العالم. الأدب يصنع إنسانا سويا. تغيير العالم يتم بالفكر والعلم والحروب للأسف. حين تنظر إلى اكتشاف أمريكا وما فعله المستعمرون الجدد، من إقامة مدن أو أماكن لهم، باعتبارها أرض الميعاد، التي تسربت فكرتها من اليهودية إلى بعض المذاهب المسيحية ذلك الوقت، تدرك ما فعلوه من إبادة للهنود الحمر السكان الأصليين، أو ما ظلوا يفعلونه عبر الزمان بالزنوج الذين كان يتم جلبهم من أفريقيا، في رحلات شهدت عليها الكتب فيما بعد والأفلام، وهكذا فما تصوروا أنهم يفعلونه من يوتوبيا، رآه الإبداع بأنه ديستوبيا وقام بتخليده في الروايات والأفلام فلم تضع الحقيقة. وهكذا سيكون مصير ما تفعله أمريكا والدولة الصهيونية بالشرق الأوسط الآن. رغم أن اليوتوبيا حلم لا يتحقق، وأن الطريق إليه يحقق جمالا كثيرا لكن غير نهائي، فهناك أنظمة سياسية عرفها العالم اعتبرت ما تفعله هو اليوتوبيا، وتم حرق الكتب والكتاب المعارضين، أو سجنهم أو نفيهم من البلاد، وهرب الكثيرون من دول مثل المانيا النازية وإيطاليا الفاشية والاتحاد السوفييتي بعد الثورة البلشفية والصين بعد الثورة الشيوعية. وحدث ذلك في دول عربية رفعت شعار الجمهورية مثل مصر أو سوريا أو العراق أو ليبيا. طبيعة الإبداع التي لا يفهمها كثيرون ممن بيدهم الأمر، من أنه يُعنى بما هو جانح، ومن هنا تأتي الدراما والحركة في العمل، والمتعة من قراءته أو رؤيته فيلما أو مسرحية، جاء القصور في فهمها سببا رئيسيا في عذاب المبدعين. وصل القصور إلى درجة أن الكثيرين يتصورون أن ما تقوله شخصيات الرواية، هو رأي المؤلف، وليس السبب فيه هو الصدق الفني في تصوير الشخصية، بين أحلامها وكوابيسها وقدرتها على التعبير. وزاد الأمر تعقيدا الآن مع الثورة الرقمية. مئات المنصات تقدم ما تراه نهائيا في تقدير الأمور، والإقبال عليها أكثر مئات المرات من الإقبال على الكتب، خاصة حين تستخدم ألفاظا غير مألوفة في الفضاء العام أو حركات مثيرة. وصارت المنصات الرقمية مجالا واسعا لحرب جديدة. يظل بينها الإبداع محاصرا، وقد تصيب الكآبة أصحابه، وقد تدفع البعض إلى محاولة استخدام هذه المنصات بنفس الطريقة الجذابة، لكن المبدع الحقيقي يعرف أن ساعات وأيام الخلوة مع ما يبدع من أحداث وشخصيات، هي العالم الحقيقي. هي اليوتوبيا الضائعة يشعر بها وحده مع الله، وإن جاء الإبداع ديستوبيا، وليس دعاية لأحد أو هجوما عليه.
1116
| 21 مايو 2026