رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

خطوة إلى الأمام

نقترب من موعد انتخابات مجلس الشورى وهو النصف الثاني لسنة٢٠١٣، حسبما ورد في خطاب سمو الأمير، أمام مجلس الشورى. سمو الأمير وعائلته الكريمة، على المستوى الشخصي، قلما تجد مثلهم في حكام وأنظمة الدول العربية. فسمو الأمير حينما يغشانا في مجالسنا الخاصة لا يتمايز عنا — مع قدرته على ذلك — فهو يجلس على نفس المقعد الذي نجلس عليه، ويأكل من نفس "بادية التمر"، و"يتدخن" من نفس"المقبس" ويتحدث معنا بنفس الطريقة والأسلوب الذي نتحدث فيه مع بعضنا. وفي الحديث قد نختلف معه في المجلس مثلما نختلف في حديثنا مع بعضنا، فيكون فريق منا معه في وجهة النظر، وفريق مخالف، ولا نجد ولا يجد هو غضاضة في ذلك، وهذه صفة صعبة من صفات الكبار، تجدها فيه، جعلته وعائلته الكريمة عائلة قطرية بامتياز، قلباً وقالباً.. العائلة القطرية، التي هي المكون الأساسي للمجتمع القطري، تاريخياً، لم تكن مستبدة او منفردة برأيها. وبرغم أنه في عصر ما قبل النفط كان الحزم والشدة هي من سمات المجتمع، فإنه لم يكن هناك انفراد بالرأي — كما يصوره إعلامنا الغريب عنا — بل انني أزعم ان الفردية في الرأي في العائلة القطرية اليوم، هي أعم وأكبر مما كانت عليه قديما.. وإلى عهد قريب، في المجتمع القطري، لا يبنى بيت إلا ويبني معه مجلس خارجي يكون بمثابة برلمان صغير في الحي (الفريج)، يُناقش فيه ما قد يقع من إشكالات وأحداث على مستوى الحي (الفريج)، طبعا وبطريقتهم العفوية وبخصوصيتهم المجتمعية، وهذه دلالة واضحة على أن الشورى والتشاور هي سمة أصيلة ليست بالغريبة لا على العائلة القطرية، ولا على المجتمع القطري، ولعل الاجتماع الشهير بين قبائل قطر الذي عقد في مدينة الوكرة في القرن 19 للتفاوض مع البريطانيين لهو خير دليل على أصالة الشورى في المجتمع. الشورى تخفف من حمل المسؤولية وتوزع عبئها على الجميع، بشرط أن تحترم شروط هذه الشورى " لو اجتمعتما على رأي لما خالفتكما فيه" قالها الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر، وفيها إشارة إلى احترام رأي الأغلبية.. فإذا شعر المواطن بأنه جزء من صناعة القرار، فإن هذه ضمانة كافية لحسن تنفيذ هذا القرار، لأن من يوكل إليه التنفيذ سيعلم أن هناك عيونا كثيرة مجتمعية تراقبه وتحاسبه. ولأضربْ مثلاً قريباً على ذلك؛ وهو مطار الدوحة الدولي الجديد، بغض النظر عن الرأي في المشروع نفسه وموقعه وتكلفته. لقد كانت الرغبة هي أن يفتتح هذا المطار في ١٢/١٢/٢٠١٢، ومن حق القيادة أن تطلب هذا الطلب، وواجب على التنفيذيين الالتزام والتوافق مع الموعد، وهذه إحدى الأسس الإدارية التي لا يتسع المجال للتفصيل فيها، فماذا حدث؟ حدث أن الطلب لم يُنجز على الوجه الأكمل.. السبب لا يهم.. المهم انه لم يُنجز، ولو كان هذا الموعد مرتبطاً بأمور أخرى تعلمها القيادة ولا يعلمها المنفذون، لتعطلت مترتبات هذا الموعد.. في علم إدارة المشاريع هناك مبدأ بسيط في منطقيته، عميق في معناه، دقيق في نتائجه، يصور ما حدث في مطار الدوحة: — Project is not meeting interim deadlines is highly likely not to meet the final deadline as well(independent of what your project manager tells you).. المشروع الذي لا تنجز مراحله الأولية في أوقاتها، لن ينتهي في وقته المحدد، (بغض النظر عما يمكن ان يقوله لك أو يعتذر به مدير المشروع).. في مشروع المطار ليس هناك طرف ثالث يراقب مراحل التنفيذ للطرف الفني للمشروع، ولو أن الوجود الشعبي الرسمي كان حاضراً لكان الوضع مختلفاً تماما. وفي الحالات الكثيرة الأخرى المشابهة لمشروع المطار، القيادة والوطن يتضرران من غياب المشاركة الشعبية، لأنه يؤثر سلباً على متطلباتهما بل وعلى سمعتهما عالمياً. لا يفتأ البعض يوحي بأن المشاركة الشعبية ستحد من صلاحيات السلطة وتوقف التنمية، ذلك الغول الذي يخوفنا به من لا يريد أن تنجز المشاريع في مواعيدها المتفق عليها مسبقاً، ومن لا يريد الخير لهذا الوطن وأهله، فتخرج علينا أصوات هنا وهناك، بعضها يخافت وبعضها يجاهر، ترفض وجود البرلمان، وهؤلاء نسوا أو تناسوا أنهم إنما يطعنون في ثابت من ثوابت الوطن؛ اصطلح عليه المواطنون ألا وهو الدستور. هؤلاء لا يطعنون جزئياً في ثوابت الوطن كما يبدو، بل طعنهم هو كليٌ، فمن يطعن في مادة من مواد الدستور يسهل عليه أن يطعن في أي مادة أخرى، هو فقط يحتاج إلى أن تتهيأ له الظروف، إذن هي بالنسبة له فقط مسألة وقت وظروف.. إن المجتمع القطري بكليته؛ قيادته ومواطنيه نسيج واحد لا يتجزأ ولا ينفصل، متشابه في كل شيء وهو ليس غريباً على الحياة الشورية، ولا ينقصه إلا أن يشترك المواطن في صنع قراره، وهذا ما نتطلع اليه وننتظره في النصف الثاني من هذه السنة المباركة بإذن الله، يقود تحقيقه فيها من لا يستعلي أن يغشانا في مجالسنا، ولا يستعلي أن "يقعد" معنا فيها.

1730

| 14 مايو 2013

التفرد بالرأي

حتى لا يزعل أحد، ليس هذا المقال نقدا في كيوتل — أوريدو — أو غيرها ممن سيأتي ذكرهم هنا لكنه سيستخدم جانبا من بعض الفعاليات التي بنيت على التفرد بالرأي فأتت بالسلب على صاحبها لا بالايجاب، كمضرب للمثل. وأود التركيز على امر هنا، وهو ثقافة الاختلاف، فأنا حينما أختلف معك لايعني انك سيئ وانا افضل منك أو العكس، وانما يعني انني وأنت نختلف في النظر حول نقطة ما يكون فيها رأيي — كما أراه أنا — صوابا يحتمل الخطأ، ورأيك فيها — كما أراه أنا أيضا — خطأ يحتمل الصواب، وكذلك ينبغي أن يكون الحال بالنسبة لرأيك — كما تراه أنت طبعا — حول نفس النقطة. أتفقنا؟... إذاً فاسمعوا التالي: يكاد يجمع كثير من المراقبين من مواطنين وغير مواطنين، فنيين وغير فنيين، على أن شعار كيوتل الجديد هو شعار فاشل، لأنه يفتقر الى ابداع المدلول ومدلول الابداع، لغويا وشكليا، فهو مسخ من خليط من عدة شعارات لشركات منافسة وغير منافسة، لم ولن يغير هذه الحقيقة بهرجة احتفالات التدشين. كان يمكن لكيوتل، ان تشارك الناس في حثهم للتفكير معها حول ابداع شعار جديد بالمدلولات المطلوبة فحتما ستجد سيلا من الافكار الابداعية التي تغنيهم عن مسخ أوريدو، وهذا ما حدث في أولمبياد أتلانتا 1996 وقد كنا طلبة فيها حينذاك، فقد طلبت اللجنة المنظمة من الأهالي اقتراح شكل لـ "التعويذة" فجاءتهم اقتراحات عجيبة غريبة اختاروا منها شخصية كرتونية غريبة ابداعية لا تعرف ماهيتها، ثم طلبوا من الأهالي أيضا اقتراح اسم لها، فكان الأسم الذي لم يخطر على بال المنظمين هو هكذا: Whateezit وهذه الكلمة هي لفظ سؤال what is it أي ما هذا؟ فكان ابداعا في الشكل والاسم لم يسبقهم به أحد ولم يلحقهم به أحد كذلك. نفس المبدأ حدث في فعاليات أولمبياد لندن الأخيرة، أشرك المجتمع البريطاني فيها بكليته، حتى مستر بن. أما حدث إيراء — فصيحة — الشعلة فالكل كان شغوفا لمعرفة من الشخصية التي ستوريها، وكنا نتوقع — كما هو معمول عندنا — شخصية مشهورة أو الملكة اليزابيث أو أحد أبنائها، ولكن المفاجأة كانت أنهم أتوا بمجموعة أطفال أوروا الشعلة، وهذا رمز لمشاركة المجتمع بجيله القادم في هذا الانجاز، بل تعدوا هذا لمشاركة ذوي الاعاقات، وما قفز الملكة من الهوليكوبتر الا ابداع اخر. لا أريد أن استرسل في ذكر الأمثلة في هذا المجال حتى لا يزعل علي من أحب، المهم أن الفكرة وصلت. المشاركة رمز التحضر ويلازمها الابداع، والفردية أحد رموز التقهقر ويلازمها الخطأ، خصوصا في الرأي والقرار. المشاركة صواب وان أخطأ القرار، والفردية خطأ وأن أصاب القرار، فالأولى مبنية على أسس صلبة تمكنها من تجاوز الخطأ وقلبه صوابا، أما الثانية فقاعدتها هشة يتحول صوابها الى خطأ لا يمكن تداركه. هب أن شخصا لا يحسن السواقة أراد شراء حاجيات، فساق سيارة على الطريق السريع واشترى حاجياته ثم رجع بيته سالما، فهل ما فعله هذا صواب أم خطأ ؟ لا أظن أن عاقلا يقول أن ما فعله هذا الشخص صوابا، حتى وان قضى بقراره هذا حاجياته دون ضرر، لأنه ان استمر فيما ظنه صوابا فحتماً سيؤدي الى ما لا تحمد عقباه عليه وعلى غيره، بعكس السائق المتمرس المرخص له فهو مصيب بسياقته حتى وان ارتكب حادثا عابراً، وهذا ما نعني به خطأ القرار حتى وان أدى الى نتيجة صائبة. مع الأسف ثقافة التفرد بالرأي هي ثقافة عامة عندنا في قطر، فهي موجودة على كل المستويات، بما فيها محيط العائلة، ولا يغير من حقيقة هذا أي ادعاء أو أي بهرجة اعلامية تحاول تجميل وجه هذه الحقيقة المرة. على أنه كلما توسعت دائرة المسؤولية وارتفع أفق القرار كانت ثقافة التفرد أخطر وأكثر ضررا. وجود أدوات التفكير الجماعي كالذي يسمى بالثنك تانك او المناظرات العامة هي أدوات فعالة للمشاركة الجماعية وتوجيه القرار الوجهة الصحيحة، وهذه الادوات موجودة عندنا في قطر لكنها مع الأسف صور بلا روح، فلن تروي ظمأك صورة كأس مملوء بماء بارد. عظماء العالم الذين سجل التاريخ انجازاتهم سواء كانت انجازات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية او علمية أو غيرها، لم يكونوا يستطيعون تحقيق تلك الانجازات بفردية، وانما كانوا يقودون ويوجهون فرقاً أحدثت هذا الانجاز، لذا أنصفهم التاريخ وسجل تلك الانجازات بأسمائهم كونهم قادوا تحقيقها، وان لم يتفردوا بذلك. أما من بهرج الاعلام قراراتهم الفردية ورفعها فوق السحاب، فان هذا الاعلام نفسه، بعد أن غابوا، عاد ليحقرهم ويحقر تلك الانجازات، ولا أحتاج للتمثيل لأن الواقع المعاصر مليء بالأمثلة. لعل فشل شعار كيوتل لا يضر أحدا ولا حتى يضر أداء كيوتل نفسها، لكن القرارت الفردية المتعلقة بالمجتمع خطؤها يترك اثارا سلبية يصعب تداركها، وتضر صاحب القرار نفسه بتبعات في الدنيا وتبعات أمام ربه يوم القيامة. نحن في قطر بحاجة الى اشراك المواطن في القرار خصوصا فيما يتعلق بمعيشته اليومية وما يعانيه في سكنه وفي بيئته وعلى الطريق وفي مستشفاه وأمام محكمته وفي مدرسة أولاده، بل وحتى في مشاكله الخاصة. وظني أننا يلي أمرنا رجل أذنه وصدره مفتوحتان لما يجلب الصلاح والخير على الرعية، ويؤمن ايمانا حقيقيا بما نطلبه ويسعى لتحقيقه، لكن التأني في مثل هذه الأمور قد يضر أكثر مما ينفع.

3802

| 24 مارس 2013

نحن وتغريدة أردوغان المنهجية

منذ عدة أيام في توتر غرد رجب طيب اردوغان رئيس وزراء تركيا بتغريدة تعتبر لقطة تصويرية مختصرة تبين الملامح العامة لبرنامج اردوغان الاصلاحي في جانب الإعمار في بلده. التغريدة كانت:“@RecepT_Erdogan: أنني لست من مؤيدي الهوادة في الاستثمار لاعمار بلدي، ولا التوقف لالتقاط الأنفاس، هذا لا يعني التهور في الأداء، وإنما السير بتأن وحرص. ولكون اردوغان لايختلف عليه اثنان بانه شخصية اصلاحية طور بلده ونقلها من حال الى حال، فإنه ينبغي ان يُنظر الى الطرق التي سلكها فلعلها ان توصل الى نفس النتيجة. اردوغان لم يأت بنظريات اصلاحية جديدة ولم يخترع اساليب جديدة في الادارة والقيادة وإنما كما أجاب هو بنفسه، عندما سُئل عن كيف استطاع ان ينجز كل هذا الإصلاح وأن ينقل تركيا الى الريادة، فأجاب: فقط أوقفنا الفساد، اذن هو فقط أوقف الفساد. هناك قاعدة إسلامية يستخدمها الفقهاء في الفتوى، وهي عامة لكل مناحي الحياة، تقول: درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، بمعنى أنه لا يفيد جلب مصلحة ما، ما لم يُطهر الفساد أولا، فاذا طُهر الفساد فثمّ المصلحة. ولتبسيط تلك القاعدة الفقهية نمثلها بالجسد البشري، فالجسد اذا كان مريضا فإنه لاينتفع بشيء من الغذاء أو غيره، عالج المرض أولا فإذا شفي فحينئذ ينتفع الجسد بأي مصلحة غذائية او نفسية، وكذا هي الدولة لن تنتفع بأي مصلحة خارجية مالم تُشف من أي فساد داخلي. عودا لتحليل تغريدة اردوغان: “@RecepT_Erdogan: أنني لست من مؤيدي الهوادة في الاستثمار لاعمار بلدي، ولا التوقف لالتقاط الأنفاس، هذا لا يعني التهور في الأداء، وإنما السير بتأن وحرص. هذه التغريدة هي جلب مصلحة، لكنه بدأها بعد ان اوقف، أو حد كثيرا من أوجه الفساد. من يقرأ التغريدة يوحى اليه ان أردوغان متفرد برأيه أو أنه يقود شعبه "بالسلاسل" للإصلاح فهو لم يوردها بصيغة الجمع. والحقيقة ان القرار الجماعي عندهم في تركيا هو من البديهيات فالبرلمان معقود عندهم ولا يمر قرار الا من خلاله. يخصص اردوغان في تغريدته الإعمار، والإعمار ليس هو فقط انشاء ابراج وإنما يعني انشاء بنية تحتية وبنية فوقية معا. يذكر أردوغان في تغريدته: الإعمار بتأن وحرص: تأن: لاستدراك الأخطاء في بداياتها حرص: لاستدراك والتخفيف من الآثار الجانبية السلبية لهذا الإعمار مقارنة سريعة لوضعنا في مجال الإعمار من خلال تجربة اردوغان الإصلاحية تبين لنا التالي: بدأنا الإعمار بالبنية الفوقية قبل الانتهاء أو بدون توازٍ في الأعمار في البنية التحتية، فأصبح عندنا قصور شديد في البنية التحتية، ولو ركزنا الإنفاق المهول، الذي يصرف هنا وهناك، على البنية التحتية لوجدت ان كل متر مربع على خارطة قطر يصله الماء والكهرباء والطريق والخدمات الاخرى، في أي وقت من الأوقات. لم يؤخذ في هذا الإعمار رأي الشعب من خلال برلمان او مؤسسات مجتمع مدني مما أدى الى توجه الإعمار في الاتجاه الخطأ، في اتجاه بناء صروح لها منفعة ظاهرية او محدودة كالأبراج والصروح الرياضية، على حساب الصروح المهمة كالصروح الطبية والصروح العلمية الحكومية. لم يكن عندنا: تأنٍ: فارتكبت أخطاء، هدم وبناء وهدم وبناء، وانضمت مؤسسات حكومية لأخرى كأشغال والتخطيط ثم استقلت ثم رجعت لتنضوي تحت مؤسسات اخرى ثم استقلت وهكذا، وفوق ذلك عُين عليها بسرعة قيادات ضعيفة لا تستطيع تسيير هذه المؤسسات في الظروف الطبيعية فضلا عن تسييرها في تلك الظروف الإدارية غير المستقرة. ولاحرص: فانتهكت التنمية المستدامة وجُرفت اراض طبيعية ومساحات كان يمكن تجنبها بسهولة وتحقيق الغرض في مساحات اخرى مناسبة، وعلى غراره انتهكت حقوق كثير من المواطنين باستملاكات اكتنفت على اخطاء مكانية وأخطاء في التعويضات المالية. ليس عيبا ان تُرتكب الاخطاء، لكنه ليس من العقل والحكمة الاستمرار في ارتكاب نفس تلك الأخطاء، وشيمة العاقل هي الاستفادة من الخطأ والاستنارة من تجارب الآخرين، وهذا الذي نرجوه ونظنه ونتمناه من مسؤولينا. تغريدة اردوغان تلك هي اختزال لمنهجه في الاصلاح الذي كان عماده وقف الفساد بكل أشكاله، ومن يريد سلك منهج الاصلاح ينبغي أولا أن يبنيه كما بناه أردوغان وعلى غرار ما قررته القاعدة الفقهية الإسلامية: درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة. بقي مبدأ مهما ذكره اردوغان في التغريدة: "الاستثمار لإعمار بلدي" وهذا ما ينبغي أن يفرد له مقال خاص أو ينبري أحد الزملاء الكتاب للكتابة عنه.

1091

| 29 يناير 2013

ماهية الحرية و ماهية العبودية

منذ عدة ليال حضرت ندوة بعنوان: كاتب المقال بين الحرية والمسؤولية، تكرر فيها ترديد مقولة سيدنا عمر لسيدنا عمرو بن العاص "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم أحرارا" وردت هذه المقولة في الندوة في عدة سياقات مختلفة، كلها ابتعد عن تعريف حقيقة الحرية. تتعدد تعريفات الحرية بتعدد المتحدثين والمعقبين ولو انك سَألت عن معنى محدد للحرية فستختلف اليك الاجابات باختلاف مشارب المسؤولين، وقد تعرّف الجريمة او التعدي على أنها حرية، فالمثلية الجنسية تعتبر حرية شخصية وهي ليست كذلك وانما هي جريمة تعدٍ على المجتمع وفيها فناء للعائلة، والسخرية من الاديان تعتبر حرية تعبير وهي ليست كذلك وإنما هي شتيمة يعاقب عليها القانون، وسماها القرآن سباً ونهى عنها حتى للأصنام التي تعبد من دون الله فقال "ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله". الخلط في تعريف الحرية يشبه تماما الخلط في تعريف الارهاب او تعريف العدالة او حتى تعريف المال العام، بل ويشبه حتى الخلط في تعريف الحب أو الخلط في تعريف الرومانسية. هناك مقولة تقول: حريتك تنتهي عند بداية حرية الاخرين، وهذه المقولة خاطئة ولا شك، فالحرية لا تنتهي وليس لها حدود، فاذا قيدت انتفى عنها وصف الحرية، وانما اختلط على قائل هذه المقولة الفرق، فسمى التعدي حرية، فهل انت حر مثلا في مد يديك في جيوب الآخرين؟ بالطبع لا. أحد مظاهر الحرية الذي لا يحد ولا يقيد هو حرية التعبير، انت حر في تعبيرك حتى في الطعن في الدين (الطعن شيء مختلف عن السب والشتم) وقد طُعن في الدين أمام الرسول صلى الله عليه وسلم ونقلها لنا القرآن فقالوا "إن هذا إلا أساطير الأولين" والشيخ محمد الغزالي رحمه الله كان يقول لا مانع من السماح لأي حزب أو فكرة تحمل أي معتقد، شيوعية كانت او غير شيوعية، شريطة أن تمنحني حرية الرد عليها، فإن لم استطع أن أسحقها فهي أحق مني بالبقاء. هكذا تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع خصومه، قل فيّ ما شئت لكن امنحني حق الرد، ولهذا السبب لم تصمد حججهم الواهية أمام قوة حجته صلى الله عليه وسلم فأرادوا إسكاته بالقوة "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك" صدق الله العظيم، هكذا حينما تعجز قوة المنطق يأتي منطق القوة، وبمنطق القوة لا جدال في أن الثور أقوى من الإنسان، فحجب الرأي أو الرأي الآخر هو منطق قوة تستخدمه سلطة أو جهة أو حتى مؤسسة إعلامية، وهو منطق حيواني لا يصمد طويلا. إذاً الحرية لا تقف عند حد ولا تقيد بشرط وهي شيء مختلف تماما عن التعدي وعن الجريمة التي سميت ظلما بالحريات الشخصية أو بالحريات التعبيرية. تعريف الحرية ببساطة هو عكس العبودية وهي شعور وليست حالة ظاهرة، أي أنه يمكن ان يشعر الانسان انه حر وهو في ظاهره عبد، كسيدنا بلال مثلا، والعكس صحيح، ويشعر انه حر وهو مقيد وراء قضبان كابن تيمية رحمه الله حينما قال "ما يفعل اعدائي بي؛ جنتي في صدري، وسجني خلوة ونفيي سياحة وقتلي شهادة"، وهناك أبيات رائعة للشيخ القرضاوي حول هذا المعنى يقول: ضع في يدي القيد ألهب أضلعي بالسوط ضع عنقي على السكين ِلن تستطيع حصار فكري ساعة أو نزع إيماني ونور يقيني فالنور في قلبي وقلبي في يدي ربي وربي ناصري ومعيني وإذا سلمنا بأن تعريف الحرية هو عكس العبودية فإذاً يلزمنا بداءةً تعريف ماهية العبودية. من خلال سياق القصة التي دفعت سيدنا عمر لقوله، وبكل عفوية، عبارته الشهيرة "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم أحرارا؟!" يستجلي بكل وضوح تعريف العبودية، فقد روي أنه حينما سبقت فرس القبطي فرس ابن سيدنا عمرو بن العاص اعتلاه بالسوط وقال: اتسبقني وأنا ابن الأكرمين؟! (وهو فعلا ابن أكرمين، لكن هذا لا يتيح له التسلط) ذلك القبطي لم يكن عبدا مملوكا لابن سيدنا عمرو، ولم يصفه ابن سيدنا عمرو بأنه عبده مملوكه، فلماذا إذاً قال سيدنا عمر "متى استعبدتم الناس"؟ والجواب هو أن الفعل وهو التسلط كان بمثابة جوهر الاستعباد، ولأن القبطي حرّ، ادرك هذا المعنى ولم يرض به، رفع مظلمته لسيدنا عمر وتكبد مشقة السفر من مصر إلى المدينة لأنه أيقن أن هناك حرّا سينصفه (على فكرة، نادي السباق والفروسية عندنا يكرر نفس هذه الحادثة باستمرار لكن بصورة مختلفة، وهناك مجموعة عبيد قائمون على ذلك) الاستعباد هو التجاوزات على الناس ماديا او معنويا فقط لانك (ابن الأكرمين) أو لأي نوع من انواع الطبقية الاجتماعية التي تسوغ لك هذا التجاوز، والحر هو من لا يقبل بهذه التجاوزات وان لم يغير الواقع، وقد قالت العرب قديما "الحر حر وإن مسه الضر" أما العبد فهو من يقبل راضيا بهذه التجاوزات. اتابع بعض المرشحين الكويتيين من انصار الشيخ ناصر المحمد، قال هذا المرشح وهو يفند ادعاء خصوم الشيخ بنهب المال العام والذين عرضوا صوراً لمجموعة من السيارات الفارهة تخص الشيخ ناصر، قال "هو شيخ وابوه شيخ ومن حقة ومهوب غريبة تكون عنده هذي السيارات" انتهى، فإن كان هذا هو السبب الوحيد لامتياز حصوله على هذه السيارات فقد لخص هذا المرشح معنى الاستعباد وهو التجاوز كنتيجة طبقية لا غير، وهذا المرشح ينطبق عليه حقيقة العبد لأنه قبل راضيا بهذا التجاوز. قد نتحدث في كثير من الامثلة الواقعية في مجتمعنا القطري لنفرق فيها بين الحرية والاستعباد، لكن المثال الحي الذي لا يمكن تجاهله هذه الايام هو تجاوز واستبداد طيران القطرية من خلال دخول الدولة كشريك مع مجموعة هؤلاء الشركاء واستبداد الشركة بالمطار والشحن واحتكار الملاحة الجوية ورفعها لسياط الاسعار على المواطن وسياط انتهاك حرمة الدين وانتهاك مشاعر الوطن وبنود الدستور بترويجها للمحرمات، كل ذلك يعتبر نوعا من استعباد المواطن حسب تعريف سيدنا عمر والذي اصطلحت عليه الأمم المتحدة في دستورها كأول بند في بنود حقوق الإنسان، ورفض استبداد القطرية هذا هو شعور حر داخلي للمواطن تمثل في مقاطعتها تماما كشعور ذلك القبطي الحر الذي رفض ان يكون عبداً لابن الأكرمين. بعيدا عن القطرية، وبعيدا عن كل التعريفات الرنانة لمعنى الحرية، أسقط هذا المقياس في تعريف الحرية على واقعك وسيتضح لك تماماً معنى كلمة الحرية في الندوة المعنونة "كاتب المقال بين الحرية والمسؤولية" وماهية الحرية المفترض ان تمنح لكتاب المقالات، وستختبر أيضا أي حديث منمق عن الحرية في المجتمع، ومن خلال هذا المقياس ستعرف أيضا هل أنت حر أم انك عبد تساق. wasm03@yahoo.com Twitter: @lahdane

13369

| 31 يناير 2012

المحاكم والفساد فى قطر

كاتبنا المشهور فيصل المرزوقي كسب قضيته التي استغرقت اربعة عشر شهرا في المحاكم القطرية، فأرسلت له تغريدة في تويتر اهنيه على كسب القضية بهذه السرعة القياسية، فرد علي يشكرني ويقول مستنكرا استطالتها: انها اربعة عشر شهرا يابوعيسى. تسعون في المائة من اصحاب الحقوق في المحاكم القطرية يودون لو أن قضاياهم تنتهي في مدة ما انتهت به قضية فيصل المرزوقي، وتسعون في المائة من التسعين يودون لو يتنازلون عن ربع حقوقهم ان لم يكن عن النصف في سبيل ان ينتهي النظر في قضاياهم. آكلوا حقوق الناس يعلمون هذا النوع من الفساد في المحاكم القطرية فيدفعون خصومهم قسرا الى المحاكم ليضيع الحق في التطويل، ثم اذا حكم القاضي لهم، قسطه على عشرات الاشهر ان كان الحق ماليا، ولست بحاجة لأن ادلل على ذلك فالوضع مكشوف ومعروف. انعكس هذا الفساد على مؤسسات الدولة فترى فساداً في البلدية وظلما للمواطن وتأخراً في المشاريع وتحميل المسؤولية على المقاول، وفساداً في الصحة وجوراً على المواطن واخطاءً طبية غبية، وفساداً في التعليم وضياع الحقوق العائلية وغير ذلك في باقي مؤسسات الدولة التي لو قامت المحاكم بدورها كما ينبغي لارتدع المفرطون والمتلاعبون. معالي رئيس مجلس الوزراء صرح في اللقاء التشاوري مع غرفة التجارة أن 80 % من القضايا المرفوعة ضد الدولة تخسرها الدولة، وهذا دليل على ما أقوله من استشراء الفساد في مؤسسات الدولة، فالمسؤولون في تلك الاماكن يظلمون المواطنين وهم امنون بانه لن تصل اليهم شخصيا يد العدالة فإما أنه سيكون قد تقاعد أو أحيل أو رقي او أن الوزارة هي التي ستتحمل في نهاية المطاف وبذلك تكون الدولة قد خسرت مرتين، علما بأن هذه ال 80 % المشار اليها لا تمثل كل من له حق على الدولة، فكثير من اصحاب الحقوق يتجنبون المحاكم اما بتوكيل امرهم الى الله او بتنازلهم عن جزء كبير من حقوقهم، وحتى الساعة لم نسمع ان حوسب مسؤول في وزارة خسرت وزارته قضية عدلية. في المحاكم كلما اعترضت على اهمال القاضي رفع في وجهك شعار: القاضي ليس فوقه الا الله. وهذه مقولة حق لكنها تستخدم في باطل، فهي مقولة تعني الا يتدخل احد في قناعات القاضي حسب ما تقوده اليه الشواهد والأدلة، لكنها لا تعني ان يتكاسل القاضي في دراسة ملفات القضية فيؤجل دون سبب منطقي أو يحول دون قرينة او يقضي بعدم اختصاص بعد مضي أربع سنوات، أو اذا اقتضى القاضي ان يكتب الحكم في شهر يونيو أي قبل الاجازة القضائية بشهر فإنه يؤجله الى ما بعد الاجازة الى اكتوبر ليأتي زميل له قاض اخر فيستلم القضية من البداية ثم انتظر يا صاحب الحق حتى يتكرم ويكتب الحكم. كيف تعطل المحاكم لمدة ثلاثة أشهر كإجازة قضائية فتعطل جميع قضايا المواطنين؟ هل يقف الناس عن المطالبات في هذه المدة؟ ثم ان هذه الاجازة فعليا هي خمسة أشهر لا ثلاثة، شهر قبل الاجازة تؤجل فيه النشاطات الى ما بعد الاجازة، وشهر بعد الاجازة بحجة "خلينا ناخد نفس دا احنا لسة جايين من الاجازة" قال لي احد الاصدقاء ان محاكم دبي قررت انها في هذا العام ستغلق جميع القضايا حتى 2010، فذهبت الى موقعهم على الانترنت واذا به موقع غاية في الكفاءة والتقنية وخدمي بصورة فذة واذا هو يحتوي على رؤية المحاكم ورسالتها التي تقول "تحقيق العدالة من خلال الدقة والسرعة بالفصل في التسوية والفصل في الدعاوى وتنفيذ الأحكام وتوثيق المحررات، بالاعتماد على كوادر وطنية مؤهلة ونظم وإجراءات وتقنيات متطورة." وكذلك يوجد به قيم وتوضيح لهيكلية العمل والقوانين والاسئلة المتكررة وسهولة استخدام وغيرها مما يهم كل من له علاقة بمحاكم دبي. ثم انتقلت للبحث عن موقع المحاكم القطرية، وبعد اعادة البحث اكثر من مرة وجدت الموقع، ماذا تتوقعون أول ما يفاجيء من معلومات في موقع محاكم قطر، سأنقل لكم ماذا رأيت في صدر الموقع كما هو "زيارة طلاب كلية احمد بن محمد العسكرية للمجلس الأعلى للقضاء" ومع هذا الخبر صورة للطلاب ومعهم بعض اعضاء المجلس؟! ما أهمية هذا الخبر للزائر لمن له أي علاقة قانونية بالمحاكم؟ ثم على نفس الموقع في الزاوية العليا وبشكل واضح يوجد رابط مكتوب فيه " مواقيت الصلاة في دولة قطر" هناك كلمة اخترعها اطفال قطر ليست لها أي معنى وتقال في موقع لا يتناسب مع سياق الحديث لكنها اصبحت لديهم ذات دلالة قوية وهي كلمة "ش دخل" وهذه الكلمة قفزت في ذهني عندما رأيت رابط مواقيت الصلاة في موقع المحاكم القطرية اعرف ان هناك قضاة قطريين مخلصين لا يعجبهم هذا الحال، لكن الفساد اذا وصل الى الجهاز القضائي فهذا اخطر ما يمكن ان تواجهه الدولة الحديثة الساعية للتقدم والرقي، لانها ستكون كما قال الشاعر: إلى الماء يسعى من يغص بلقمة فإلام يسعى من يغص بالماء Wasm03@yahoo.com

39571

| 11 يناير 2012

لولا مؤسسة قطر لتحول برشلونة إلى نادٍ صغير

اما الصورة فهي تظهر رئيس نادي برشلونة وهو يبتسم ابتسامة وقورة نوعا ما يصافح د. سيف الحجري الذي بدا بكامل هندامه تعلو رأسه قبعة وقد تفتق وجهه عن ابتسامة قوية طوت خده حتى كاد ان يصل الى أذنه، يقف بينهما الاستاذ احمد السليطي رئيس تحرير الوطن وهو أيضاً بهندام كامل ويبتسم ابتسامة يكسوها الرضا والارتياح، ولو قدر لي ان أضع اسما لهذه الصورة لأسميتها "الابتسام" وحقيقة لم استطع ان اقلب الصفحة وراوحت النظر بين العنوان وبين الصورة المعبرة، مرة تلو مرة، واعتقد ان موقفي هذا كان موقف كل مواطن ومواطنة رأوا الصورة وقرأوا العنوان. تساءلت في نفسي هل هذا الخبر هو بمثابة مدح في مؤسسة قطر ام هو قدح فيها؟ هل المراسل الذي جاء بالخبر وصاغه هو ذكي الى حد بعيد بحيث انه استطاع ان يمرر القدح ام هو غبي الى حد بعيد بحيث صاغ الخبر على هذه الهيئة؟ ام انه لا هذا ولا ذاك؟ ثم واصلت القراءة فإذا بي امر بمطب وهو جملة في الخبر تقول "...يعولون على عقد الرعاية من أجل در استثمارات هائلة خلال الفترة المقبلة....." ثم واصلت القراءة فإذا بحفرة كبيرة اخرى تقول"... انه لولا الاموال القطرية، ما استطاع النادي الاسباني البحث عن صفقات جديدة تهدف الى دعم تفوق النادي أوروبيا وعالميا..." لاحظ: أموال قطرية..دعم نادٍ إسباني... ليتفوق أوروبيا وعالميا..!! فانطلق تساؤل قوي بداخلي، واعتقد بانه بداخل كل مواطن، لماذا؟ وما الفائدة التي تعود على المواطن من استخدام هذه الاموال القطرية، (كما وردت في الخبر)؟ وهل خلت قطر من الإشكالات المالية بين الخاص والعام حتى تذهب الاموال القطرية الى برشلونة؟ معروف ان عقد الرعاية تضعه شركات تجارية على هكذا نوادٍ تهدف منه الدعاية والتسويق لزيادة مبيعاتها، فتربح هذه الشركات أضعاف ما تدفعه في اتفاقية وعقد الرعاية، لكن اي تسويق تجاري تريده مؤسسة قطر، خصوصا انها كما يقال مؤسسة غير ربحية أصلا. احيانا تستطيع ان تعلق او تناقش مسألة ما، أو ان تنتقد تصرفا ما، وقد يسعفك الكلام والتعبير، واحيانا تقف محتارا عاجزاً عن الفهم وعاجزا عن التعبير، وهذا الذي حدث لي عندما سمعت لاول مرة من قبل بعقد الرعاية هذا ثم الآن عندما قرأت العنوان " لولا مؤسسة قطر لتحول برشلونة الى نادٍ صغير" وشاهدت صورة "الابتسام" في الخبر، التي تضم الرئيس وسيف واحمد كل يبتسم على طريقته، فسكت و" السكوت في معرض الحاجة كلام" وحتى هذا المقال لم استطع ان اكمله. wasm03@yahoo.com

1634

| 12 سبتمبر 2011

عقلي صغير لا يستوعب النصح

جلست ابنتي الصغيرة بجانبي وأنا مشدود أشاهد برنامجا في قناة ناشيونال جيوقرافك، فسألتني: يبه "أبي" هذي "أهذه" قناة مسلمة؟ قلت: لا، قالت: كافرة؟ قلت: لا، قالت بتعجب: شلووون "كيف"؟ قلت: هي تييب "تأت ب" أشياء زينة، قالت: يعني مسلمة، قلت: نعم…لا لا..، فزادت حيرتها وزاد عجزي عن الاجابة بمنطق تفكيرها وماذا يمكن ان نعني بالمسلم أو الاسلامي وغير الاسلامي، فتجاهلت جميع النظريات التي توجب النقاش مع الطفل والنزول الى مستواه العقلي وعدت لمشاهدة البرنامج وسكت عنها وتركتها وحيرتها. العالم عند ابنتي الصغيرة ينقسم الى فسطاطين، فسطاط اسلام وفسطاط كفر. قناة تبث اناشيد وبرامج دينية: قناة مسلمة، قناة تبث غير ذلك: قناة كافرة، مذيعة محجبة: مذيعة مسلمة، مذيعة غير محجبة: مذيعة كافرة، رجل يدخن: رجل كافر، رجل يكره التدخين: رجل مسلم، وهكذا هي العقول الصغيرة، ليس فيها الا لونان اللون الابيض واللون الاسود، اما ان تكون معي والا فانت ضدي، وقد سبق ابنتي الصغيرة في ذلك فيلسوف زمانه جورج بوش الابن حيث قال مقولته الشهيرة: ان لم تكن معنا فانت ضدنا. هذان اللونان، الابيض والاسود هما مع الاسف السائدان في حواراتنا الوطنية.. عفوا!..هل قلت حواراتنا الوطنية؟... هل عندنا حوارات وطنية اصلا؟... لا أظن، هل عندنا شيء يشبه ذلك لكنه غير ظاهر؟ لا أدري أعود الى مسألة الحوار عندنا — اذا اصطلحنا على انه حوار — والذي يكسوه غالبا اللونان الابيض والأسود، بمعنى انك اذا وافقتني الرأي فانت معي وإذا خالفتني فأنت ضدي، وينبغي ان أقرر حقيقة هنا وهي اننا لله الحمد في قطر حتى الآن في مأمن من ردة الفعل العنيفة تجاه من يخالف في الرأي، واذا حدثت حالات شاذة في هذا الشأن فهذا لايعني التعميم، حتى وان أخطأ البعض وعمم تلك الحالات الشاذة الا ان الشاذ يثبت القاعدة كما يقرر المناطقة. كثير من المسؤولين عندنا اذا استديت رأيا يخالف رأيه او توجهه العام ولصغر عقله فانت عنده اما حاقد، او مغرر بك، او جاهل، او ربما انك تتمنى موقعه لكن "ماحصل لك"، وقد قال لي مرة أحد المسؤولين الكبار وكنت قد قابلته صدفة وأخذ يناقشني في بعض ماكتبت قال "لا تحاول ان تكون رأساً فإن الرأس كثير الصداع" إشارة منه الى ان أهدافي من الكتابة لا تتعدى الا انني اود ان أكون "رأساً"، وسوء الظن هذا هو اخطر مرض في اي حوار او نقاش فهو يُجهز على اي فرصة للاستماع او التعديل او التطوير. لذلك ترى صورة انك ضدي اذا خالفتني الرأي تأتي على هيئة الصفح، والصفح هنا ليس بمعنى العفو ولكن بمعنى الضرب صفحا عن رأيك وعدم الالتفات له، مما قد يعتبر عدم الاحترام لرأيك، الامر الذي يتعدى الى عدم الاحترام لشخصك، تماماً كما لو أني قلت لابنتي الصغيرة ان قناة ناشيونال جيوقرافك كافرة، لكانت أسكنتها الفسطاط الآخر ولضربت عنها صفحا. واذا كان عدم الاحترام لشخصي او لرأيي كمواطن يتأتى من شخص مثلي فهذا ليس فيه اي مشكلة، فكل له الحق لأن يحترم او لا يحترم رأيا ما، او شخصا ما. لكن ان يتأتى عدم الاحترام لرأيي هذا كمواطن من مسؤول او من الدولة نفسها فهذا امر غير مقبول البتة، خصوصا اذا كان رأيي هذا في امر يؤثر على مصيري ومستقبلي. هذا الضرب صفحا برأي المواطن يستبين في كثير من القضايا في مختلف جوانب الوطن، لكن مثاله الصارخ يظهر في قضيتين رئيسيتين تشكلان حاضر ومستقبل المواطن باجياله الحالية واللاحقة، الا وهما التعليم بما فيه التعليم العالي وجامعة قطر، والصحة، ولن افيض في الاعتراضات والآراء التي طرحت وتطرح من قبل المواطنين حول هاتين القضيتين ومدى الإمعان في الاعراض من قبل المسؤولين عن آراء المواطنين لان الكل يعلم ويعاصر ما يحدث. محض الخطأ ان ينظر الى رأي المواطن المخالف في قضيتي التعليم والصحة او في أَي قضية أخرى على انه اما متخلف، او قاصر علم لا يستوعب هذه القرارات والإجراءات، سيما وان جاءت هذه القرارات بنتائج خطأ تتلوها نتائج خاطئة تتلوها نتائج اكثر خطأ. فإذا نظرت الي ان خالفتك وانا في دائرة الوطن او ان نصحتك على انني من الفسطاط الآخر، فثق بأنك صغير في عقلك طفولي في تفكيرك فلن تستوعب النقد ولن تستوعب النصح، فان شئت فأبقِ على هذا المنطق في عقلك او فاصرفه. والذي يبهرني ويبهر غيري هو كيف لا يبصر هؤلاء النتائج المتلاحقة الخاطئة لقراراتهم الخطأ ومن ثم يعدلون مساراتهم بناء على ذلك. البعض يعتقد بنظرية المؤامرة التي تجبر هؤلاء المسؤولين على الاستمرار في الخطأ رغما عنهم، وانا استبعد ذلك، لكني اعتقد بنظرية كاريكاتير السباق بين قاربين احدهما لفريق ياباني والآخر لفريق عربي، والذي انتشر في الانترنت، والذي يبين الفرق في العقلية وفي منطقية التفكير بين فريق القارب العربي وفريق القارب الياباني، فنحن في فريق القارب العربي مع الاسف، ويمكن الرجوع لهذا الكاريكاتير للاستيضاح. ان قضية من يخالفني فانه ضدي او قضية الفسطاطين، والتي هي مع الاسف منتشرة عندنا، هي ليست فقط خطرة على المواطن ولكن خطورتها تتعدى الى الوطن فقد تجر الوطن الى تبعات لايرتضيها احد. احترام رأي المواطن هو ضمنيا احترام لهذا المواطن وهو ايضا احترام لهذا الوطن وخوف عليه، وهو امر يقره الدستور ويفرضه القانون والشرع ويحتمه الواقع وتستدعيه مصلحة الوطن، حتى وان خالف رأي المواطن هذا التوجه العام او العرف المعمول به، ولقد تأخرت الدولة كثيرا في استجلاب رأي المواطن ومناقشته والأخذ بخيره مما أساء ويسيء لهذا الوطن ويضر به. يقول تعالى "فبشر عبادِ، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه" الزمر، وهذه البشرى ليست فقط في الآخرة ولكنها أيضاً بشرى الفلاح اي التطور والتقدم في الدنيا. فمتى ستكبر العقول وتخرج من دائرة الفسطاطين وتستوعب الرأي الأخر وتستوعب النصح. wasm03@yahoo.com

2297

| 05 سبتمبر 2011

alsharq
من المسؤول؟ (3)

بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا...

4500

| 06 مايو 2026

alsharq
حرية الصحافة بهامش الأمان.. لا بعدد ما يُنشر

في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر...

4038

| 07 مايو 2026

alsharq
هل تعيش بقيمة مستأجرة؟

كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم...

1977

| 05 مايو 2026

alsharq
اختراعات ليست في محلها

من المواضيع المهمة التي لطالما تكلمنا عنها مراراً...

843

| 11 مايو 2026

alsharq
"شبعانون" أم "متخمون"؟.. حين سرقت "الوفرة" طعم السعادة

لو عاد الزمن بأحد أجدادنا، ودخل بيوتنا اليوم،...

777

| 05 مايو 2026

alsharq
وقف سرديات الفرقة

تُعد وسائل التواصل الاجتماعي فضاءات رقمية ذات حدين...

768

| 07 مايو 2026

alsharq
حديث غزة!!

شاهدت منذ أسابيع معرضا رائعا للفنان عبد الرازق...

756

| 07 مايو 2026

alsharq
اكتب وصيتك قبل أن يأتي أجلك

منذ أن خلق الله الإنسان وهو يعيش بين...

717

| 08 مايو 2026

alsharq
الأزمات.. المخاض الذي تُولد منه أعظم القرارات

اشتدي أزمةُ تنفرجي.. قد آذن ليلكِ بالبلج وظلامُ...

573

| 09 مايو 2026

alsharq
كيفية قراءة السياسة الأمريكية

منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في...

564

| 07 مايو 2026

alsharq
البحث عن السكينة.. «العقيدة» الملاذ لمواجهة الألم النفسي؟

في عصر يتسم بالسيولة الرقمية والتسارع المذهل، وجد...

465

| 06 مايو 2026

alsharq
قبل أن تلهث وراء المفقود

زيارة سريعة لعدد من المرضى في أي مستشفى،...

441

| 07 مايو 2026

أخبار محلية