رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
للأسف هناك في بلداننا حروب وصراعات، ولكن هذه الصراعات ليست للتنمية ولا للوحدة ولا لمشروع حضاري للأجيال ولا لإصلاح الأوضاع الإنسانية والصحية والخدمات والتعليم، ولكنها صراع الوصول لهذا الكرسي الذي هو مثل كرسي الحلاق لا يمكن أن يسمّر فيه زبون، فمنذ خروج الاستعمار من بلادنا بدأ هذا الصراع، نسمع شعارات براقة رنانة ولا نجد إلا عكسها، سمعنا في ثورة 23 يوليو شعارات، فتحولت إلى فقر ودمار اقتصادي وديون بالمليارات وأسلحة فاسدة وسجون وقهر وضياع القدس وغزة والضفة وهزائم متتالية ومغامرات، وما يجري في مصر هو ثمرة هذه الثورة التي أريد لها أن تحارب هوية وذاتية وتاريخ شعب عربي له تاريخ، واليوم مازال الناس يحصدون ثمرات هذه التجربة، وامتداد لنتائج الزرع السام القاتل، وهذا العراق تم قتل الملك فيصل الثاني شابا صغيرا وسحل ومثل بنوري السعيد وعبدالإله، وجاء بعده عبدالكريم قاسم واستمر الصراع والشيوعية والقتل والدمار والمغامرات، وفي عهد صدام حسين كبت وسجن وحروب فاشلة آخرها كارثة غزو الكويت التي خلفت وراءها خسائر وأزمات مازال الجميع يدفع ثمن فاتورتها إلى اليوم، وجاء بعده الأسوأ ديكتاتورية طائفية، وأصبح العراق ولاية إيرانية وخرج من دوره العربي.
وهذا اليمن عانى من الكهنوت والظلم والقهر والاستعلاء العنصري لأسرة متعصبة دمرت شعبها وتركت ميراثاً ثقافياً وفكرياً يقوم على الإقصاء والهيمنة باسم الدين والإسلام لخدمة هؤلاء، وحذفوا منه ما لا يوافق هواهم، وبقيت البلاد في الخراب، وثار الناس ولكن استمرت الثورة في صراعات بدون هوية وثقافة مستوردة وتضارب أفكار، فخريجو بغداد يريدون البعث وخريجو موسكو يريدون الشيوعية وخريجو مصر يريدون الناصرية، وبرزت تيارات إسلامية واستمر الصراع وقامت ثورات وصفيت عناصر وقتل من قتل، وفي جنوب الوطن تم القتل من قحطان وفيصل عبداللطيف ومحمد صالح عولقي وسيف الضالعي وسالمين وهكذا.
وليبيا ليست بأحسن حال، هناك ملك عاقل فاضل تم الانقلاب عليه وتولى القذافي، وصارت ليبيا في أسوأ الأحوال وصفى خصومه من الجيش واغتال الكثير وسخر أموال بلاده للحروب والمؤامرات وامتلأت السجون وحرم الشعب الليبي من أبسط حقوق الإنسان، وجاءت الثورة وتصارعت الفئات على الكراسي والسلطة تارة باسم القبلية وتارة باسم العنصرية وتارة باسم الدين، وعاشت الجزائر صراعات ومازالت النار تحت الرماد، وهذه سوريا ظلم وقهر وطائفية وقامت ثورة تقليداً للربيع، وما أن بدأت حتى تسللت لها أيدي تريدها للحرب فيما بينها واستنزافها، لإيصال سوريا لتكون أسوأ من العراق وصنع الجماعات المتطرفة على أيدي إيران والغرب لتخريب المعارضة السورية ولبقاء الصراع من جانب يدعمون المعارضة ومن جانب آخر يدعمون النظام، ولا ننسى السودان وصراع القبائل والخلافات وانفصال الجنوب، ومأساة دارفور وصراع الأحزاب القديمة والجديدة والكل لأجل الكراسي.
قامت ثورة الربيع، كما قيل، وما بعد الربيع عناصر طرحت شعارات ومارست سياسة الإقصاء وتنكرت لكل شعاراتها لأنها تحمل نفس ثقافة الحكم السابق، إنها كارثة، لقد انعزل هؤلاء بعد وصولهم للسلطة وأصابهم الكبر والغرور واعتبروا أنفسهم منقذين، وتنكروا لمشاكل بلدانهم وتنكروا لقضايا الأمة المصيرية، وعلى رأسها فلسطين السليبة، وتركوها للذئاب وضباع الإسرائيليين ينهشونها.
مأساتنا في هؤلاء الساسة الذين استخدموا الطائفية والعنصرية والمذهبية والعرقية ونشروا ثقافة الكراهية والحقد بين الشعوب، وأصبحنا كما قال العراقي مسبحة انفرطت في زحمة، وسيستمر الصراع إلى أن يقبل الجميع بالحوار والمشاركة وعدم الإقصاء والشورى، لا يستطيع الليبراليون أن ينفردوا بالحكم ولا يستطيعون إقصاء الإسلاميين أو إنكار وجودهم مهما حاولوا عبر الإعلام والقمع لأن هؤلاء جزء من المجتمع وهويته وتاريخه، ولابد من الحوار معهم وإشراكهم وقبول الليبراليين بهوية الأمة، فهذا تاريخ ولا يمكن لأمة أن تخرج من جلدها لتلبس جلدا غريبا، وعلى الإسلاميين أن يعرفوا أنهم لا يستطيعون الانفراد وعليهم أن يبعدوا من أذهانهم أنهم يحكمون باسم الله وأنهم الأوصياء على الإسلام وماداموا أرادوا الكراسي مثل غيرهم فليقبلوا بالمشاركة وتقديم برنامجهم عبر الحوار، وأن يحدد المعتدلون رأيهم في الجماعات المتطرفة بصراحة وقوة والتيارات الإسلامية مضطربة في أهدافها، ولا حوار بينها وسياسة الإقصاء بينها عميقة، وكذلك اليسار بعد ذهاب روسيا وحلف وارسو وتغير الصين.
ما يجري الآن هو حروب استنزاف وتدخل جهات كالغرب وحليفته إيران لتمزيق وتدمير الدول العربية والهيمنة عليها، وتغيير الخريطة وفق برنامج برنارد لويس وهيمنة إسرائيل وضمان أمنها واستمرارها، فهنا لابد من القول للجميع لابد من شراكة وحوار العقلاء وتحديد مسألة الاستقرار وعدم القبول بالفوضى الأمنية وحمل السلاح ورفض الإرهاب الذي هو مستورد ورفض الطائفية والعرقية وثقافة التقسيم والانفصال وتدمير الأمة، كل هؤلاء الذين يحملون شعارات التقسيم والطائفية والمذهبية هدفهم الكراسي ويضللون الشعوب.. وأجهزة الإعلام والمواقع وشبكات التواصل تخدمهم لصالح أجندات، وليس أمام الجميع إلا إصدار عفو شامل عن جميع المخالفين ممن لم يكونوا من الجماعات المعروفة بالإرهاب، وليس الملفقة لها التهم ولرموز الأنظمة لما قبل الربيع، وتبني منهج يوسف عليه السلام لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لي ولكم وهو أرحم الراحمين، ومنهج رسولنا الكريم من العفو والصفح والاهتمام بمستقبل الأجيال والتنازل والتضحية لصالح الأمة، وندعو الله أن يحفظ شعوبنا وساستنا وعلماءنا ومثقفينا من فيروس ومرض الكراسي ونشوة السلطة.
مصالح الصراعات والنفوذ الدولي
تمر المنطقة اليوم بأصعب مراحلها وظروفها ومن ذلك عودة النفوذ الأجنبي في قرارات المنطقة. أصبحت العراق اليوم وهي... اقرأ المزيد
850
| 01 مايو 2017
الربيع والثمرات المرة
يوم قام الربيع كان هناك حماس واندفاع، وكانت وسائل الإعلام تصّور ذلك أن الأمـة قد وصلت إلى ما... اقرأ المزيد
708
| 22 مارس 2017
محنة الأمة والإعلام العربي
أمتنا اليوم تمر بمحنة كبيرة وهي بإذن الله عابرة وليست خالدة لأن التاريخ لا يقف عند مرحلة معينة،... اقرأ المزيد
1093
| 07 مارس 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4263
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3207
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1128
| 28 سبتمبر 2026