رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع مطلع القرن العشرين بدأ ميدان علم النفس يزخر بالعديد من مقاييس الذكاء التي اهتمت –على العكس من اختبارات جالتون- بقياس ما يسمى بالذكاء المكتسب والذي يعكس عادة ما يكتسبه الفرد من خبرات ومعارف ومعلومات ومن أشهر المقاييس التي ذاع صيتها في تلك الفترة ستانفورد، بينيه ومقياس وكسلر لذكاء الراشدين.
إن المتتبع لنشأة مقاييس الذكاء في علم النفس وحتى السبعينيات من القرن العشرين لا يستطيع أن ينكر النجاح الباهر الذي حققته حركة القياس العقلي في علم النفس وذلك بتقديمها لأول مرة مجموعة من المقاييس والاختبارات الموضوعية المقننة التي تتسم بالثبات والصدق أمكن الاعتماد عليها في قياس القدرات العقلية المختلفة عند الأفراد وعلى رأسها مقياس الذكاء وهناك العديد من الفوائد التي نتجت عن استخدام الباحثين لاختبارات الذكاء، منها مثلاً: استخدام اختبارات الذكاء لمفهوم نسبة الذكاء وهو مفهوم لم يكن موجوداً من قبل، بحيث أمكن الاعتماد عليها في تصنيف الأفراد إلى فئات حسب نسب ذكائهم ومن ثم التنبؤ بمدى كفاءتهم في الأعمال والمهام التي يناط إليهم بها.
كما أثبتت اختبارات الذكاء نجاحاً عالياً في قدرتها على التنبؤ بالتحصيل الدراسي، بحيث أمكن الاعتماد عليها في إلحاق الأطفال بنوع التعليم الذي يتناسب مع قدرتهم ولم يقتصر استخدام اختبارات الذكاء في مجال التعليم الدراسي فحسب، بل امتد ليشمل مجالات أخرى مثل التقييم الإكلينيكي والاختبار المهني، حيث ساعد على استخدام مقاييس الذكاء في تقييم العديد من البرامج العلاجية وبرامج قبل وبعد العلاج أو التدريب.
هل طفلي ذكي؟
والسؤال الذي يشغل بال كل أب وأم هو: هل أستطيع قياس ذكاء طفلي؟ وإذا تبين أنه ذكي فكيف يمكنني الحفاظ على نعمة الذكاء؟ بل وتنميتها؟ وهل تظل نسبة الذكاء للفرد ثابتة سني حياته؟
الواقع أن الإجابة عن هذا السؤال ما زالت مطروحة محوطة بكثير من النقاش، فلم يتفق بعد علماء النفس على رأي قاطع فيها، نظراً لأن هناك الكثير من العوامل التي تحول دون قياس نسبة ذكاء الفرد الواحد بشكل دقيق في مراحل النمو المختلفة، كما أن العوامل الانفعالية وظروف البيئة تؤثر في الشروط التي يجري فيها الاختبار ولكن رغم ذلك كله يمكن القول بوجه عام إن نسبة الذكاء تظل ثابتة في مختلف سني حياته المختلفة، لكن هناك بعض الفرص لتنمية الذكاء وتفعيله.
ويرى العلماء أن الذكاء مفهوم مجرد، فهو لا يشير إلى شيء مادي أو ملموس يمتلكه الشخص الذكي ولكنه مفهوم نصف به السلوك والتصرفات التي تصدر عن الفرد.
خصائص الذكاء:
1- الذكاء تكوين فرضي، فهو لا يشير إلى شيء مادي ملموس يمتلكه الشخص ولا يلاحظه مباشرة ومن ثم لا يقاس قياساً مباشراً ولذلك نستدل عليه عن طريق آثاره أو النتائج المترتبة عليه.
2- الذكاء عامل مشترك بين جميع العلميات العقلية ويسهم فيها بدرجات متفاوتة وهذا العامل يمثل الجانب المعرفي من الشخصية، أي قدرة الشخص على فهم معالم بيئته واكتشاف الصفات الملائمة للأشياء والأفكار وعلاقة بعضها ببعض.
3- الذكاء استعداد يرثه الفرد عن أبويه وأجداده ولذلك فإن خاصية الذكاء تلازم الشخص طوال حياته وتعد من الصفات الثابتة نسبياً في شخصية الفرد وليس معنى هذا أن البيئة لا تؤثر في الذكاء واستغلال هذا الموروث إلى أقصى درجة ممكنة، بل إنها قد تكون عاملا مساعدا أو مثبطا للذكاء.
4- نمو الذكاء:
أكدت نتائج اختبارات الذكاء أنه ينمو ويقف عند سن السادسة عشرة تقريباً وهي نتيجة قد تكون مثيرة للدهشة إلى حد ما، فقد كانت السن المضبوطة التي يتوقف فيها الذكاء هي سن الرابعة عشرة وبينيه Pinet يجعله في سن الخامسة عشرة وأوتسن يجعله في سن الثامنة عشرة وقد قامت دراسات أخرى أثبتت ذلك منها دراسة "بلادر" والتي تبين منها ثبات الذكاء عند سن الخامسة عشرة.
5- توزيع نسبة الذكاء
دلت البحوث على أن توزيع نسب الذكاء في أي مجتمع إنساني يتبع المنحنى الاعتدالي ويمكن توضيح هذا التوزيع في الجدول التالي:
مستويات الذكاء
نسبة الذكاء
النسبة المئوية لعدد الأفراد
عبقري
ذكي جداً
ذكي أو فوق المتوسط
عادي أو متوسط الذكاء
غبي أو أقل من المتوسط
غبي جداً
ضعيف مورون
أبله
معتوه
140 فأكثر
120-140
110-120
90-110
80-90
70-80
50-70
25-50
أقل من 25
0.25%
6.75%
13%
60%
13%
6%
0.75%
0.19%
0.06%
6- الفروق بين الجنسين في الذكاء:
إن جنس الطفل "كونه ذكراً أو أنثى" يؤثر في نشاطه العقلي وذلك لسببين، أولهما أنه من المحتمل أن توجد روابط جنسية في الموروثات تختلف في تحديد أدوار كل من الجنسين وما يربط بها من قدرات.
وقد اهتم كثير من الباحثين ببحث الفروق بين الجنسين في مستوى الذكاء وقد وجد هؤلاء الباحثون عندما قارنوا بين درجات الذكاء التي حصل عليها الذكور وتلك التي حصل عليها الإناث أن التميز يميل إلى مصلحة أحد الجنسين تارة ولمصلحة الجنس الآخر تارة أخرى.
مقاييس الذكاء:
ارتبطت نشأة مقاييس الذكاء من الناحية التاريخية بازدهار حركة القياس العقلي التي بدأها جالتون في أواخر القرن التاسع عشر، فقد اهتم جالتون بقياس ما يسمى بالذكاء الموروث عند الأفراد، حيث تأثرت بحوثه بنظرية شارلز دارون في النشوء والارتقاء كما تأثرت بقوانين مندل في الوراثة التي ظهرت في ذلك الوقت. وانعكس اهتمام جالتون بدراسة الاستعدادات الوراثية والأولية لمفهوم الذكاء في تقديمه
مجموعة من المقاييس والاختبارات العقلية التي تعتمد على مقياس زمن الرجع وهو المفهوم الذي رأى جالتون أنه يكشف عن الجوانب البيولوجية والفسيولوجية لمفهوم الذكاء.
ورغم النجاح والشهرة التي حققتها مقاييس الذكاء في العديد من الميادين، غير أن حركة القياس العقلي وما صاحبها من ظهور اختبارات لقياس الذكاء أسهمت، إلى حد كبير، في إهمال الباحثين لدراسة طبيعة هذا المفهوم من الناحية النظرية وحتى الآونة الأخيرة ارتفعت أصوات كثير من الباحثين تنادي بإعادة النظر فيما تقيسه اختبارات الذكاء الحالية، حيث تتسم بكثير من جوانب القصور والتي تتلخص فيما يلي:
1- افتقار معظم اختبارات الذكاء إلى إطار نظري تقف عليه. يظهر ذلك في أن نشأة اختبارات الذكاء في علم النفس جاءت تلبية لحاجة عملية خاصة بمتطلبات المجتمع، فغني عن الذكر أن ظهور اختبار ستانفورد-بينيه جاء استجابة لطلب الحكومة الفرنسية توفير أداة موضوعية للكشف عن الأطفال المتأخرين عقلياً، كما قدم وكسلر مقياسه المعروف بمقياس وكسلر لذكاء الراشدين أثناء عمله في مستشفى بلنيو، حيث شعر بضرورة الحاجة إلى أداة موضوعية لتقييم المرضى من الناحية الإكلينيكية. كذلك أثارت ظروف الحرب العالمية الأولى والثانية كثيراً من المشكلات الخاصة باختبار وتصنيف آلاف المجندين في الجيش، مما ساعد على ظهور اختبارات الذكاء الجمعي والتي كان لها أثر فعال في مواجهة هذه المشكلات.
2- ترتب على نجاح وانتشار اختبارات الذكاء إهمال الباحثين تعريف هذا المفهوم من خلال إطار نظري معين، بل ذهب البعض إلى القول بأن تعريف الذكاء هو ما تقيسه اختبارات الذكاء وذلك ليؤكدوا الوضع الراهن لتعريف هذا المفهوم ومدى الحاجة في المستقبل لنظريات جديدة تكشف عن الجوانب المختلفة لمعنى الذكاء.
3- إن تحليل أسئلة وبنود اختبارات الذكاء الحالية على اختلاف أنواعها يكشف عن وجود تشابه كبير في مضمون الأسئلة، فرغم حدوث تقدم كبير في نظريات القياس العقلي ونماذج جديدة مثل نظرية السمات الكامنة، غير أن التقدم في نظريات القياس العقلي لم يصاحبه تقدم يذكر في مضمون المقاييس والاختبارات النفسية وذلك لافتقارها لنظرية سيكولوجية خاصة في تعريف الذكاء.
رحيل الأمير الوالد... حين يغيب القائد ويبقى الأثر
ليست كل حالات الرحيل متشابهة، فهناك من يغادر الحياة فيطوي الزمن صفحته، وهناك من يرحل ويبقى حاضرًا في... اقرأ المزيد
474
| 14 يوليو 2026
هل ترجل الفارس؟
هل ترجَّل الفارس بعد أن أدى الأمانة وصان الأمة؟... هل ترجَّل الفارس الأب الذي لم يبخل على هذا... اقرأ المزيد
174
| 14 يوليو 2026
الأمير الوالد حمد بن خليفة.. أمير الإنسانية
يُعد صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، مهندس النهضة القطرية الحديثة والأب... اقرأ المزيد
228
| 14 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في رحيل الرجال العظام لا تُطوى صفحة من تاريخ البشرية، بل يُفتح فصلٌ جديد في ذاكرة الأمم. وحين يترجل قائد بحجم الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، طيب الله ثراه، فإن الحديث لا يكون عن سيرة رجلٍ فحسب، بل عن قصة وطن أعاد تعريف نفسه بطريقة مختلفة، وعن إرثٍ تجاوز جميع الحدود والجغرافيا ليترك أثره في الإنسان أينما كان. رحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وبقيت بصماته شاهدة على مرحلةٍ صنعت الفارق في تاريخ قطر الحديث والمنطقة والعالم. لقد كان رحمه الله من أولئك القادة الذين لا يكتفون بإدارة الحاضر، بل يغامرون بصناعة المستقبل. وحين تسلم زمام المسؤولية والقيادة عام 1995، كانت قطر دولة واعدة، لكنه رأى فيها ما هو أبعد من ذلك بكثير، رأى وطناً قادراً على أن يكون رقماً مهماً وصعباً في الاقتصاد والسياسة والإعلام والتعليم والتنمية الإنسانية ونصرة المظلوم وصوتاً للحرية. ومن الإنصاف للتاريخ أن يُقال إن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله لم يبنِ مشاريع إسمنت وحديد فقط، بل بنى ما هو أهم، بنى الفكرة. فكرة أن الدولة الصغيرة في مساحتها يمكن أن تكون كبيرة في تأثيرها، وأن الثروة الحقيقية ليست في الغاز والنفط وحدهما، بل في الإنسان والعلم والمعرفة والاستثمار في العنصر البشري. ولذلك شهدت قطر في عهده نهضة تعليمية غير مسبوقة وتحولت إلى مركز عالمي للجامعات والبحوث والابتكار، فصارت المعرفة جزءاً من مشروعها الوطني لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات. ولم يقتصر اهتمامه بالتعليم على أبناء وطنه فحسب، بل امتد أثره إلى آلاف المدارس والمبادرات التعليمية حول العالم. فقد آمن بأن التعليم هو الطريق الأقصر لمكافحة الفقر والجهل وفتح آفاق المستقبل أمام الشعوب، فدعمت قطر في عهده برامج ومشروعات تعليمية وصلت إلى ملايين الأطفال والشباب في مناطق عديدة من العالم، ومنحت فرصة التعلم لمن حُرموا منها بسبب الحروب أو الفقر أو النزوح. وهكذا تحولت رسالة التعليم من مشروع وطني إلى رسالة إنسانية عابرة للحدود، كان أثرها ممتداً في حياة أجيال كاملة ستبقى شاهدة على هذا العطاء. وفي الجانب الإنساني لم يكن حضوره مقتصراً على حدود وطنه. فقد امتدت يد قطر إلى مناطق الأزمات والكوارث، حاملةً الغذاء والدواء والتعليم والأمل. وساهمت في دعم الشعوب المنكوبة ورعاية اللاجئين، وتمويل المبادرات التنموية حول العالم، حتى أصبحت المساعدات الإنسانية القطرية عنواناً معروفاً في كثير من بقاع الأرض. لقد آمن رحمه الله بأن قيمة الدول تُقاس أيضاً بما تمنحه للإنسانية من خير ورحمة. أما في الإعلام فقد ارتبط اسمه بتحولٍ تاريخي غيّر المشهد الإعلامي العربي بشكل خاص والعالمي بشكل عام، حين انطلقت تجربة إعلامية جعلت من حرية الرأي والنقاش مساحةً أوسع مما عرفته المنطقة من قبل، فكان لذلك أثره العميق في تشكيل الوعي العام وإيصال الصوت الذي كان لا يجد طريقاً للوصول. واقتصادياً قاد مشروعاً استراتيجياً جعل قطر من أبرز القوى الاقتصادية العالمية في مجال الغاز الطبيعي المسال، وفتح أبواب الاستثمار الدولي على مصراعيها، حتى أصبحت الدوحة اسماً حاضراً في كبريات الأسواق والمؤسسات المالية العالمية. ولم يكن ذلك مجرد نجاح اقتصادي، بل كان بناءً طويل الأمد لأجيالٍ قادمة. وفي ميدان السياسة والدبلوماسية والوساطات رسخ نهجاً جعل من الحوار والوساطة وسيلةً لحل النزاعات وتقريب وجهات النظر. فغدت قطر لاعباً مؤثراً في ملفات إقليمية ودولية معقدة، واستحقت مكانةً تفوق الجميع وتفوق حجم الدول جغرافياً. ومن المواقف التي ستبقى علامة فارقة في مسيرته السياسية قراره التاريخي بتسليم مقاليد الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عام 2013، في خطوة جسدت إيماناً راسخاً بتجدد القيادة واستمرارية الدولة، وقدمت نموذجاً حضارياً نادراً للتداول السلس للمسؤولية، مؤكدةً أن بناء الدول لا يكتمل بصناعة الإنجازات فحسب، بل بضمان استدامتها وانتقالها بأمان وثقة إلى الأجيال اللاحقة. كما أدرك مبكراً رحمه الله أن الرياضة لغة عالمية توحد الشعوب، فكان من مهندسي المسار الذي أوصل قطر إلى استضافة كأس العالم 2022، الحدث الذي لم يكن بطولة رياضية فحسب، بل رسالة حضارية عرّفت العالم بالثقافة الإسلامية والعربية والخليجية وقدرة المنطقة على تنظيم أكبر الأحداث الدولية. واليوم ونحن نودع الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فإننا لا نرثي رجلاً غاب جسده، بل نستحضر إرثاً سيبقى حياً في التعليم الذي أُسس، والمستشفيات التي شُيدت، والفرص التي خُلقت، والوساطات التي أوقفت النزاعات وإزهاق الأرواح، والأفكار التي ألهمت أجيالاً كاملة. رحل القائد لكن أثره باقٍ. ورحل الإنسان لكن ما زرعه في وطنه وفي وجدان شعبه وفي صفحات التاريخ سيظل ينبض بالحياة. فبعض الرجال تنتهي أعمارهم لكن أعمالهم تواصل السير نيابةً عنهم. والوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني واحد من أولئك الذين كتبوا أسماءهم لا بالحبر بل بالأثر. رحم الله الفقيد بواسع رحمته وجزاه عن قطر وأمتها والإنسانية خير الجزاء. فكما جاء في الحديث الشريف: (خيرُ الناس أنفعهم للناس)، وأنا أشهد أمام الله بذلك. وجاء في الحديث أيضاً: (إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ يُنتفعُ به، وولدٍ صالحٍ يدعو له). وأشهد كذلك أمام الله بما رأيت بعيني أنه قدم لهذا الدين وللإنسانية الشيء الكثير من صدقاتٍ ومساعداتٍ وعلومٍ ومراكز ومساجد، وبهذا كلنا نكون أبناءً له ندعو له جميعاً. أما عنوان المقال فهو جزء من حديثه رحمه الله في لقاء تلفزيوني يصف فيه قطر للعالم.
1668
| 14 يوليو 2026
عندما ترتفع المخاطر الجيوسياسية، لا تحتاج التجارة العالمية إلى إغلاق الممرات البحرية حتى ترتفع تكاليف الشحن. فمجرد عودة التوترات كفيل بزيادة أقساط التأمين وارتفاع ما يُعرف بعلاوة المخاطر، وهو ما ينعكس مباشرة على تكلفة نقل البضائع، حتى لو استمرت السفن في العبور بصورة طبيعية. وهذا ما نشهده اليوم مع عودة التوتر إلى مضيق هرمز، حيث بقيت الملاحة مستمرة، بينما لم تعد تكاليف الشحن والتأمين إلى مستوياتها السابقة. فالمشكلة اليوم لم تعد تتمثل في احتمال إغلاق المضيق بقدر ما تتمثل في استمرار حالة عدم اليقين، وما تفرضه من تكاليف إضافية تنتقل تدريجياً عبر سلاسل الإمداد إلى المستوردين، ثم إلى الأسواق، وصولاً إلى المستهلك النهائي. وفي قطر، لا يقتصر أثر هذه الزيادات على شركات الاستيراد، بل يمتد إلى قطاعات واسعة تعتمد على الواردات، مثل مواد البناء والتشطيب، والأثاث، والأجهزة المنزلية، والسيارات وقطع الغيار، وغيرها من السلع التي تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تكلفة المشروعات وتكلفة المعيشة. ومن هنا يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن الحد من هذه الأعباء إلى أن تستعيد أسواق النقل البحري والتأمين استقرارها الكامل؟ قبل الإجابة، من المهم التفريق بين نوعين من الحلول. فهناك حلول استراتيجية بعيدة المدى، مثل تنويع مسارات التجارة، وتعزيز الأمن اللوجستي، وتقليل الاعتماد على أي ممر بحري واحد، وهي خيارات ضرورية لكنها تحتاج إلى سنوات من التخطيط والاستثمار. أما المرحلة الحالية، فتتطلب إجراءات تشغيلية سريعة ومؤقتة تحد من ارتفاع التكلفة وتحافظ على انسياب الواردات. ولعل أسرع هذه الإجراءات يتمثل في تشغيل ميناء حمد، والجمارك، والجهات الرقابية على مدار الساعة خلال الفترة الحالية. فكل يوم إضافي تقضيه الحاوية داخل الميناء يعني ارتفاعاً في تكاليف التخزين والتمويل، وتأخيراً في وصول البضائع إلى الأسواق. ولذلك، فإن تسريع دورة الإفراج عن الشحنات يعد من أكثر الوسائل فعالية في خفض التكلفة. ويأتي بعد ذلك تخفيض رسوم المناولة والخدمات المينائية بصورة مؤقتة لمدة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، حتى تستعيد أسواق النقل البحري توازنها. كما يمكن إعفاء الحاويات التي تأخرت بسبب اضطرابات الملاحة من رسوم الأرضيات والتخزين، لأن هذه الرسوم ترتبت نتيجة ظروف استثنائية لم يكن المستورد مسؤولاً عنها. ومن الأفكار التي تستحق الدراسة أيضاً تشجيع المستوردين على حجز سعات الشحن بصورة جماعية. ولا يعني ذلك توحيد البضائع أو الموردين، وإنما توحيد القوة التفاوضية مع شركات الملاحة. فكلما ارتفع حجم الحجوزات، زادت القدرة على الحصول على أسعار أفضل، وأولوية في الحجز، وشروط نقل أكثر مرونة، وهو ما يفيد على وجه الخصوص الشركات الصغيرة والمتوسطة. كما قد ينعكس ذلك إيجاباً على تكلفة التأمين نتيجة تحسن شروط التفاوض. أما التأمين البحري، فقد أصبح يمثل جزءاً متزايداً من تكلفة الاستيراد. ومن هنا، يمكن لشركات التأمين المحلية أن تؤدي دوراً أكبر عبر التفاوض الجماعي مع شركات إعادة التأمين العالمية للحصول على شروط أكثر ملاءمة، مستفيدة من متانة الاقتصاد القطري واستقرار بيئته التشغيلية، بدلاً من تفاوض كل مستورد بصورة منفردة. ومن المناسب كذلك تشكيل فريق عمل لوجستي مؤقت يضم وزارة التجارة والصناعة، والجمارك، وميناء حمد، وغرفة تجارة وصناعة قطر، إلى جانب ممثلين عن شركات الملاحة والتأمين، لمتابعة تطورات سلاسل الإمداد بصورة يومية، والتدخل السريع لمعالجة أي اختناقات تشغيلية قبل أن تتحول إلى أعباء اقتصادية أكبر. وجميع هذه المقترحات يجمعها هدف واحد؛ فهي إجراءات استثنائية لمعالجة ظرف استثنائي، وليست تغييرات دائمة في السياسة الاقتصادية، وتنتهي تلقائياً عندما تعود تكاليف الشحن والتأمين إلى مستوياتها الطبيعية. أما الحلول الاستراتيجية، مثل تنويع مسارات التجارة، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، فهي تستحق نقاشاً مستقلاً، لأنها تعالج جذور المشكلة، بينما تعالج الإجراءات السابقة آثارها المباشرة. لقد أثبتت قطر في أكثر من مناسبة قدرتها على التعامل بكفاءة مع التحديات اللوجستية، بفضل بنيتها التحتية المتطورة ومؤسساتها القادرة على اتخاذ القرار بسرعة. واليوم، لا يحتاج الاقتصاد إلى برامج دعم واسعة، بقدر ما يحتاج إلى إجراءات تشغيلية ذكية ومؤقتة تخفف تكلفة وصول السلع إلى السوق المحلية، وتحافظ على تنافسية الشركات، وتحد من انتقال الضغوط التضخمية إلى المستهلك. فكل ريال يُوفَّر في تكلفة النقل أو التخزين أو التأمين ينعكس في النهاية على تكلفة المعيشة، ويعزز قدرة الاقتصاد على تجاوز هذه المرحلة بأقل الخسائر، إلى أن تستعيد أسواق الشحن العالمية استقرارها الكامل. فالتعامل مع الأزمات لا يكون بردود الفعل فقط، بل بالاستعداد لها، وتقليل كلفتها، وتحويل التحديات إلى فرص لتعزيز كفاءة الاقتصاد ومرونته.
1569
| 11 يوليو 2026
لعل أسوأ ما قدمته بطولة كأس العالم الحالية هو بروز الحالة البالوجونية، نسبةً للاعب المنتخب الأمريكي: فولارين بالوجون. وهي حالةٌ تقوم على التعامل مع الاتحاد الدولي لكرة القدم وكأنه دولة في القرون الوسطى يحكمها فرد كما يشاء دون اهتمام بقوانين أو أعراف أو مشاعر ومصالح وآمال الآخرين. فرغم ما كانت تتعرض له الفيفا سابقاً من انتقادات، إلا أنها ظلت محافظةً على الحد الأدنى لمظهرها كمنظمةٍ ترعى رياضة كرة القدم دولياً، وحرصت دائمًا على أن تكون الحكم العادل في الخلافات بشأن اللعبة ومبارياتها. ولم يكن أحدٌ يتوقع أن تبلغ التجاوزات حد الاستهانة العلنية بقوانين اللعبة وأخلاقياتها كما فعل رئيسها جياني إنفانتينو. كان على إنفانتينو، قبيل انطلاق البطولة، التأكيد على أن الرياضة هي النقطة التي تتوقف عندها التأثيرات السياسية، وهي المظلة التي تلتقي تحتها الشعوب وتتنافس بنديةٍ. ولكنه صمت عن التجاوزات بحق الحكام والإعلاميين والإداريين الذين منعوا من دخول الولايات المتحدة. وكان هذا الصمت ثم تبرير ما حدث بحجج واهية هو السبب في الانهيار النسبي لشعبية البطولة دوليًا، لأن معظم عشاق اللعبة أدركوا أن طعنةً أصابتها في صميم أخلاقياتها التي تجمعهم. يجب علينا القول إن الفيفا في عهد إنفانتينو أصبحت مظهراً للفردية الديكتاتورية في مجال كرة القدم، فكان إلغاء البطاقة الحمراء التي تلقاها المهاجم الأمريكي فولارين بالوجون أمام البوسنة، وإسقاط عقوبة الإيقاف عنه ليشارك في مباراة بلجيكا هو المظهر الأبرز لتلك الفردية. ومناقشة ذلك كمخالفةٍ قانونيةٍ هو أمرٌ يبعث على الملل والشعور بعدم احترام عقولنا، لأن رئاسة الفيفا هي الجهة التي ارتكبت المخالفة. ورغم الاحتجاجات الدولية، لم يقم إنفانتينو بتبرير الأمر أو تقنينه، وكأن قراره لا يمكن لأحد مناقشته أو الاعتراض عليه. ثم جاءت مباراة مصر والأرجنتين لتخبرنا بأن هناك مسارات غير رياضية أدخل فيها إنفانتينو كرة القدم، والتي تتمثل في جماعات ضغط اقتصادية تعمل في مجال المراهنات الدولية، وتعتمد على وجوب استمرار منتخبات بعينها في المنافسة بغضِّ النظر عن خسارتها الفعلية لو خضعت مبارياتها لتحكيم نزيه غير خاضع لإملاءات إنفانتينو الخاضع بدوره لجهات لها مصالح عظمى في عدم نزاهة التحكيم. المخالفات علنيةٌ وكثيرةٌ جدًا، وليست المشكلة في السكوت أو عدم السكوت عنها، وإنما هي أن الشكوى ترفع للفيفا، وتكون على الحكام، ولا توجد آلية تخضع رئاسة الفيفا نفسها للمحاسبة القانونية. ومع وقوفنا مع الاتحاد المصري في شكواه، وانتظارنا لما ستسفر عنه مطالبات أعضاء في البرلمان الأوروبي بالتحقيق مع إنفانتينو، لكننا، للأسف، ندرك جيداً أن الحالة البالوجونية ستستمر، ولا يمكن التحكم فيها. الحل، ليس في الشكوى وإنما في العمل على توسيع دور المحكمة الرياضية الدولية ليشمل النظر والحكم في الخلافات مع الفيفا والشكاوى ضدها. وهذا الأمر ليس ترفًا فكريًا، وإنما هو واجبٌ على المختصين القانونيين في الرياضة لمنع استفحال الحالة البالوجونية التي تهدد لعبة الجماهير الأولى في العالم. كلمة أخيرة: البالوجونية، ليست سلوكياتٍ فرديةً، وإنما هي منظومةٌ أخلاقيةٌ فاسدةٌ تقتل الروح الرياضية، وتدمر الأمل في كون الرياضة عنصرًا يجمع الشعوب.
1530
| 12 يوليو 2026