رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في ليلة من صيف سنة 1925، وبينما كان بحارة الخليج على ظهور السفن بعد يوم طويل من الكفاح بحثاً عن اللؤلؤ، على أمل أن يرزقهم الله من خيره، هبّت فجأة عاصفة هوجاء لم تميز بين سفينة وأخرى، فعبثت بجميع من في بحر الخليج، وأرعب صداها كل من في برّ الجزيرة العربية.
كانت تلك الليلة بحق من أشد الليالي التي مرّت على الخليجيين قسوة، لقد خلفت تلك العاصفة كارثة إنسانية لا يمكن أن تمحى من ذاكرة الزمن، لذلك أطلق عليها أهل الخليج (سنة الطبعة).
انحسرت العاصفة فجأة كما بدأت، وأشرقت شمس الصباح على مشهد آلاف الجثث من أسلافنا على صفحة البحر الهادئ، وحولها بقايا أشرعة السفن وألواحها كما لاح أيضاً في الأفق القليلُ من السفن التي كتب الله لها ولأهلها النجاة، وشرع من عليها يتفقدون الجثث، علّهم ينقذون من كان فيه بقيّة حياة.
لقد كان بديهياً لأهل الخليج أن ينظروا إلى حادثة الطبعة انطلاقاً من إيمانهم بالقضاء والقدر، فإن إرادة الله فوق كل شيء، ولا رادّ لحكمه، قال تعالى: (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير) صدق الله العظيم، والله عز وجل بحكمته وعلمه وكرمه يوفق من يشاء من عباده إلى أسباب نجاته من نوائب الدهر، مثلما أوحى إلى ذي النون عليه السلام، بعد أن تقطعت به السبّل في بطن الحوت، أن يلهج بالدّعاء والنداء قائلاً: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) صدق الله العظيم، فكان هذا الدعاء سبباً في نجاته إننا نستعيد هذه النائبة المأساوية للطبعة في صيف 2017 وغيرها، لأهمية الأثر الذي تركته على حياة القطريين وثقافتهم بشكل خاص، وللاستفادة من دروسها، فإن على الأمم والدول أن تمتصّ رحيق الحكمة من أحداث التاريخ لتغذيّ به حاضرها ومستقبلها، والله تعالى يقول: (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً) صدق الله العظيم، ولقد قيل: لا تسأل عمّن هلك كيف هلك، لكن اسأل عمّن نجا كيف نجا.
وقد تعالت في الآونة الأخيرة أصوات الذين يسعون في الأرض فساداً، ويروجون الأباطيل للإضرار بدولتنا الحبيبة قطر، فكانت عاصفة هبّت فجأة في وقت متأخر من ليلة العاشر من رمضان، والقطريون ما بين نائم وقائم، عاصفة مصطنعة من الأنباء الكاذبة أطلقها من يريد إغراق سفينة قطر المباركة التي شاء الله أن يكون مجراها ومرساها باسمه، فتلاشى كل ما جاءت به العاصفة من إسفاف وسفاهة، وستظل السفينة تبحر باسم الله لا يضرها الموج المتلاطم ولا تخيفها الريح العاصف.
فالحمد لله كل ما جات نايبه
جعلها لنا عز رفيع بناه
"المؤسس"
لقد مرت قطر الحبيبة وأهلها بالكثير من النوائب في تاريخها المعاصر، بعضها طبيعي كما حدث في سنة الرّحمة 1918، التي قضى فيها الكثير من القطريين بسبب الإنفلونزا الإسبانية وسنة الطبعة 1925، وأخرى اقتصادية كانهيار سوق اللؤلؤ سنة 1929، وما خلفه من مجاعة، وأيضاً الكثير من الحروب التي ضحى فيها القطريون بأنفسهم وأولادهم وأموالهم حتى أتمّ الله عليهم من فضله بالنصر المؤزر بعد كل نائبة.
إن لنا في تاريخنا عبراً، وإن التحديات التي خضناها بدءاً من جيل التأسيس والأجيال اللاحقة قد أظهرت بوضوح قدرة القطريين على تجاوزها، بل وبيّنت استعدادهم البطولي لمواجهتها في كل مرة والخروج منها أعزّ مما دخلوها.
واسمحوا لي أن أطرح هنا سؤالاً مهماً هو الذي من أجله كتبت هذا المقال وبدأته بالإشارة إلى حادثة الطبعة، ليقيني بأن الجواب عنه يلقي الضوء على إرث لدى القطريين وهو قدرتهم الفائقة على تجاوز النوائب، ونجاة سفينتهم في كل مرة.
وهذا السؤال هو: ما هذه القدرة الثقافية الكامنة لدى قطر في الاستجابة للتحديات؟
للإجابة عن هذا السؤال يجب أن ننتبه إلى شرطين أساسيين متلازمين إن توافرا تحقق الازدهار للدولة أو الحضارة فتنطلق القدرة الكامنة فيها للاستجابة للتحديات الكبرى، وإن غاب أحدهما أو كلاهما فمصيرها الزوال لا محالة، وهذان الشرطان هما فاعلية القيادة مع كفاءة الشعب، فتلازمهما يحوّل القدرة الكامنة عند أيّ تحدّ إلى طاقة إيجابية عظيمة تأخذ أكثر من صورة وشكل.
وإذا تفحّصنا الشرط الأول الخاص بفاعلية القيادة فسنجده قائماً على أمرين في غاية الأهمية، أولاً: رؤية القائد، وثانياً: الأبطال المخلصون (العصبة) الذين ينتقيهم القائد ويلتفّون حوله ويؤمنون برؤيته إيماناً صادقاً، فلا يثنيهم أمر مهما علا شأنه أمام تحقيقها وهم على استعداد للتضحية بأغلى ما يملكون ولديهم ملكة الإبداع التي تمكّنهم من إيجاد أنماط وحلول جديدة لتجاوز الصعاب التي يواجهونها وهم كذلك مثال وقدوة لغيرهم من أبناء المجتمع والملهمون لجميع فئاته.
وأما الشرط الثاني فيتعلق بكفاءة الشعب، فعندما يتحقق الإيمان بالرؤية بكل صدق فإن كل فرد من أفراد المجتمع سيتعزز انتماؤه لهذا الوطن وسيمنحه الشعور بأنه جزء من أسرة كبيرة متكاتفة متآخية، يشد بعضها بعضاً، ويحمي بعضهم بعضاً لتحقيق رؤية وطنية يعتبرها كل فرد منهم إنجازاً لم يكن ليتحقق لو كانوا متفرقين وسيجدون من خلال ولائهم وتضحياتهم معنى ساميا لحياتهم، وهذا ما سيطلق الطاقات الكامنة فيهم بكل تأكيد فتنجز الفئة القليلة ما يعجز عنه الألوف وتنتصر الفئة القليلة المؤمنة على أضعافها عدداً.
وقد وهب الله سبحانه القطريين هذه القوة بأن مكنهم من تحقيق هذين الشرطين منذ جيل التأسيس فمن يتفحص عهد المؤسسين سيتجلى له تلازم فاعلية القيادة وكفاءة الشعب، وتستوقفه الرؤية التي نادى بها الشيخ جاسم في دعوته لإقامة دولة مستقلة عزيزة قائمة على العدل ونصرة المظلومين.
ورفعت عنها الضيم لا رغبة بها
ولكن حماي لكل مصاب
"المؤسس"
كثيراً ما كان المؤسس رحمه الله يبين رؤيته القائمة على قيم القطريين وآمالهم سواء على منابر المساجد وهو يقف خطيباً في صلاة الجمعة، أو من خلال قصائده المليئة بالنصائح والتوجيهات التي نعتبرها نحن الآن إرثاً تاريخياً واجتماعياً يؤكد لنا صحة اتجاه مسارنا في كل مرحلة.
إذاً كانت الرؤية غاية في الوضوح، لأنها تنهض على ثوابت أساسية كالعدل ومناصرة المظلومين لذا آمن بها القطريون بل واعتبروها واجباً مقدساً، فالتفّوا حول الشيخ جاسم صغاراً وكباراً كالبنيان المرصوص، مستلهمين منه الصدق والتضحية واستطاعوا أن يواجهوا كل التحديات والمحن التي مروا بها ولم تُضعف من عزيمتهم، بل كانت تزيد من إيمانهم وثقتهم وكانوا يرونها ثمناً بسيطاً في سبيل الوطن الذي حلموا به، والقائم على العدل والكرامة، وها هي الأقدار اليوم تحمّلنا قيادة وشعباً واجب الحفاظ على القيم التي قامت عليها قطر الحبيبة وما يمثله علمها الأدعم من إحقاق العدل ونصرة المظلومين وسنسير بلاشك على خطى الآباء والأجداد، ولن نحيد عن طريق أسلافنا العظام.
وإنه من الواضح اليوم مدى التزام حضرة صاحب السمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني حفظه الله بما ورد في خطابه عند توليه الحكم إذا قال: "ما يصنع الولاية الرشيدة عن الأمة هو العدل والصدق والقدوة الحسنة"، وقال أيضا: "قطر كعبة المضيوم عبارة قالها مؤسس الدولة، ورددّها سمو الأمير الوالد، وسوف تبقى على هذا العهد في نصرة المظلومين".
ولقد جاءت الأزمة الراهنة، واستجابة الشعب مواطنين ومقيمين لهذا التحدي الكبير وهبتهم الصداقة، والتفافهم حول قائدهم لتكون شاهدة على إيمانهم برؤيته، ومشاركة حيه منهم في إنجاز بطولي سيبقى خالداً على مر التاريخ وسيكون إن شاء الله إرثاً لأبنائهم وأحفادهم يفخرون به.
ومما لاشك فيه أن هذه العاصفة المفتعلة خير اختبار لهذه القوة الروحية الدافعة للمجتمع وسيأتي يوم تتذكر فيه الأجيال القادمة التي نهيئ لها الغد الأفضل يوم العاشر من رمضان ليكون قصة جديدة ملهمة في تاريخنا يأخذون منها الدروس والعبر ونكون بذلك قد أدينا الأمانة لهم على أتمّ وجه.
هكذا تلتحم فاعلية القيادة بكفاءة الشعب، وتستمر ملحمة القطريين من جيل التأسيس إلى جيلنا الحالي وإلى الأجيال القادمة بتوفيق من الله، ولنتذكر دائماً هذا البيت للمؤسس رحمه الله.
فالحمد لله كل ما جات نايبه
جعلها لنا عزٍ رفيع بناه
"المؤسس"
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2238
| 09 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
1473
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1128
| 11 أكتوبر 2026