رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في ليلة من صيف سنة 1925، وبينما كان بحارة الخليج على ظهور السفن بعد يوم طويل من الكفاح بحثاً عن اللؤلؤ، على أمل أن يرزقهم الله من خيره، هبّت فجأة عاصفة هوجاء لم تميز بين سفينة وأخرى، فعبثت بجميع من في بحر الخليج، وأرعب صداها كل من في برّ الجزيرة العربية.
كانت تلك الليلة بحق من أشد الليالي التي مرّت على الخليجيين قسوة، لقد خلفت تلك العاصفة كارثة إنسانية لا يمكن أن تمحى من ذاكرة الزمن، لذلك أطلق عليها أهل الخليج (سنة الطبعة).
انحسرت العاصفة فجأة كما بدأت، وأشرقت شمس الصباح على مشهد آلاف الجثث من أسلافنا على صفحة البحر الهادئ، وحولها بقايا أشرعة السفن وألواحها كما لاح أيضاً في الأفق القليلُ من السفن التي كتب الله لها ولأهلها النجاة، وشرع من عليها يتفقدون الجثث، علّهم ينقذون من كان فيه بقيّة حياة.
لقد كان بديهياً لأهل الخليج أن ينظروا إلى حادثة الطبعة انطلاقاً من إيمانهم بالقضاء والقدر، فإن إرادة الله فوق كل شيء، ولا رادّ لحكمه، قال تعالى: (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير) صدق الله العظيم، والله عز وجل بحكمته وعلمه وكرمه يوفق من يشاء من عباده إلى أسباب نجاته من نوائب الدهر، مثلما أوحى إلى ذي النون عليه السلام، بعد أن تقطعت به السبّل في بطن الحوت، أن يلهج بالدّعاء والنداء قائلاً: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) صدق الله العظيم، فكان هذا الدعاء سبباً في نجاته إننا نستعيد هذه النائبة المأساوية للطبعة في صيف 2017 وغيرها، لأهمية الأثر الذي تركته على حياة القطريين وثقافتهم بشكل خاص، وللاستفادة من دروسها، فإن على الأمم والدول أن تمتصّ رحيق الحكمة من أحداث التاريخ لتغذيّ به حاضرها ومستقبلها، والله تعالى يقول: (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً) صدق الله العظيم، ولقد قيل: لا تسأل عمّن هلك كيف هلك، لكن اسأل عمّن نجا كيف نجا.
وقد تعالت في الآونة الأخيرة أصوات الذين يسعون في الأرض فساداً، ويروجون الأباطيل للإضرار بدولتنا الحبيبة قطر، فكانت عاصفة هبّت فجأة في وقت متأخر من ليلة العاشر من رمضان، والقطريون ما بين نائم وقائم، عاصفة مصطنعة من الأنباء الكاذبة أطلقها من يريد إغراق سفينة قطر المباركة التي شاء الله أن يكون مجراها ومرساها باسمه، فتلاشى كل ما جاءت به العاصفة من إسفاف وسفاهة، وستظل السفينة تبحر باسم الله لا يضرها الموج المتلاطم ولا تخيفها الريح العاصف.
فالحمد لله كل ما جات نايبه
جعلها لنا عز رفيع بناه
"المؤسس"
لقد مرت قطر الحبيبة وأهلها بالكثير من النوائب في تاريخها المعاصر، بعضها طبيعي كما حدث في سنة الرّحمة 1918، التي قضى فيها الكثير من القطريين بسبب الإنفلونزا الإسبانية وسنة الطبعة 1925، وأخرى اقتصادية كانهيار سوق اللؤلؤ سنة 1929، وما خلفه من مجاعة، وأيضاً الكثير من الحروب التي ضحى فيها القطريون بأنفسهم وأولادهم وأموالهم حتى أتمّ الله عليهم من فضله بالنصر المؤزر بعد كل نائبة.
إن لنا في تاريخنا عبراً، وإن التحديات التي خضناها بدءاً من جيل التأسيس والأجيال اللاحقة قد أظهرت بوضوح قدرة القطريين على تجاوزها، بل وبيّنت استعدادهم البطولي لمواجهتها في كل مرة والخروج منها أعزّ مما دخلوها.
واسمحوا لي أن أطرح هنا سؤالاً مهماً هو الذي من أجله كتبت هذا المقال وبدأته بالإشارة إلى حادثة الطبعة، ليقيني بأن الجواب عنه يلقي الضوء على إرث لدى القطريين وهو قدرتهم الفائقة على تجاوز النوائب، ونجاة سفينتهم في كل مرة.
وهذا السؤال هو: ما هذه القدرة الثقافية الكامنة لدى قطر في الاستجابة للتحديات؟
للإجابة عن هذا السؤال يجب أن ننتبه إلى شرطين أساسيين متلازمين إن توافرا تحقق الازدهار للدولة أو الحضارة فتنطلق القدرة الكامنة فيها للاستجابة للتحديات الكبرى، وإن غاب أحدهما أو كلاهما فمصيرها الزوال لا محالة، وهذان الشرطان هما فاعلية القيادة مع كفاءة الشعب، فتلازمهما يحوّل القدرة الكامنة عند أيّ تحدّ إلى طاقة إيجابية عظيمة تأخذ أكثر من صورة وشكل.
وإذا تفحّصنا الشرط الأول الخاص بفاعلية القيادة فسنجده قائماً على أمرين في غاية الأهمية، أولاً: رؤية القائد، وثانياً: الأبطال المخلصون (العصبة) الذين ينتقيهم القائد ويلتفّون حوله ويؤمنون برؤيته إيماناً صادقاً، فلا يثنيهم أمر مهما علا شأنه أمام تحقيقها وهم على استعداد للتضحية بأغلى ما يملكون ولديهم ملكة الإبداع التي تمكّنهم من إيجاد أنماط وحلول جديدة لتجاوز الصعاب التي يواجهونها وهم كذلك مثال وقدوة لغيرهم من أبناء المجتمع والملهمون لجميع فئاته.
وأما الشرط الثاني فيتعلق بكفاءة الشعب، فعندما يتحقق الإيمان بالرؤية بكل صدق فإن كل فرد من أفراد المجتمع سيتعزز انتماؤه لهذا الوطن وسيمنحه الشعور بأنه جزء من أسرة كبيرة متكاتفة متآخية، يشد بعضها بعضاً، ويحمي بعضهم بعضاً لتحقيق رؤية وطنية يعتبرها كل فرد منهم إنجازاً لم يكن ليتحقق لو كانوا متفرقين وسيجدون من خلال ولائهم وتضحياتهم معنى ساميا لحياتهم، وهذا ما سيطلق الطاقات الكامنة فيهم بكل تأكيد فتنجز الفئة القليلة ما يعجز عنه الألوف وتنتصر الفئة القليلة المؤمنة على أضعافها عدداً.
وقد وهب الله سبحانه القطريين هذه القوة بأن مكنهم من تحقيق هذين الشرطين منذ جيل التأسيس فمن يتفحص عهد المؤسسين سيتجلى له تلازم فاعلية القيادة وكفاءة الشعب، وتستوقفه الرؤية التي نادى بها الشيخ جاسم في دعوته لإقامة دولة مستقلة عزيزة قائمة على العدل ونصرة المظلومين.
ورفعت عنها الضيم لا رغبة بها
ولكن حماي لكل مصاب
"المؤسس"
كثيراً ما كان المؤسس رحمه الله يبين رؤيته القائمة على قيم القطريين وآمالهم سواء على منابر المساجد وهو يقف خطيباً في صلاة الجمعة، أو من خلال قصائده المليئة بالنصائح والتوجيهات التي نعتبرها نحن الآن إرثاً تاريخياً واجتماعياً يؤكد لنا صحة اتجاه مسارنا في كل مرحلة.
إذاً كانت الرؤية غاية في الوضوح، لأنها تنهض على ثوابت أساسية كالعدل ومناصرة المظلومين لذا آمن بها القطريون بل واعتبروها واجباً مقدساً، فالتفّوا حول الشيخ جاسم صغاراً وكباراً كالبنيان المرصوص، مستلهمين منه الصدق والتضحية واستطاعوا أن يواجهوا كل التحديات والمحن التي مروا بها ولم تُضعف من عزيمتهم، بل كانت تزيد من إيمانهم وثقتهم وكانوا يرونها ثمناً بسيطاً في سبيل الوطن الذي حلموا به، والقائم على العدل والكرامة، وها هي الأقدار اليوم تحمّلنا قيادة وشعباً واجب الحفاظ على القيم التي قامت عليها قطر الحبيبة وما يمثله علمها الأدعم من إحقاق العدل ونصرة المظلومين وسنسير بلاشك على خطى الآباء والأجداد، ولن نحيد عن طريق أسلافنا العظام.
وإنه من الواضح اليوم مدى التزام حضرة صاحب السمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني حفظه الله بما ورد في خطابه عند توليه الحكم إذا قال: "ما يصنع الولاية الرشيدة عن الأمة هو العدل والصدق والقدوة الحسنة"، وقال أيضا: "قطر كعبة المضيوم عبارة قالها مؤسس الدولة، ورددّها سمو الأمير الوالد، وسوف تبقى على هذا العهد في نصرة المظلومين".
ولقد جاءت الأزمة الراهنة، واستجابة الشعب مواطنين ومقيمين لهذا التحدي الكبير وهبتهم الصداقة، والتفافهم حول قائدهم لتكون شاهدة على إيمانهم برؤيته، ومشاركة حيه منهم في إنجاز بطولي سيبقى خالداً على مر التاريخ وسيكون إن شاء الله إرثاً لأبنائهم وأحفادهم يفخرون به.
ومما لاشك فيه أن هذه العاصفة المفتعلة خير اختبار لهذه القوة الروحية الدافعة للمجتمع وسيأتي يوم تتذكر فيه الأجيال القادمة التي نهيئ لها الغد الأفضل يوم العاشر من رمضان ليكون قصة جديدة ملهمة في تاريخنا يأخذون منها الدروس والعبر ونكون بذلك قد أدينا الأمانة لهم على أتمّ وجه.
هكذا تلتحم فاعلية القيادة بكفاءة الشعب، وتستمر ملحمة القطريين من جيل التأسيس إلى جيلنا الحالي وإلى الأجيال القادمة بتوفيق من الله، ولنتذكر دائماً هذا البيت للمؤسس رحمه الله.
فالحمد لله كل ما جات نايبه
جعلها لنا عزٍ رفيع بناه
"المؤسس"
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9351
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
1326
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1113
| 06 أكتوبر 2026