رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحملة التي يشنها وزير الخارجية الإسرائيلي الفاشي ليبرمان على الرئيس الفلسطيني محمود عباس. هي حملة مخططة ومدروسة للحكومة ولرئيسها نتنياهو، وتهدف إلى تغييب الاستيطان المتسارع في أراضي الضفة الغربية عن الإعلام، ومحاولة وضع العراقيل أمام الأمم المتحدة التي ستبحث موضوع الاعتراف بالدولة الفلسطينية في دورتها الجديدة لهذا العام، والإيحاء بأن إسرائيل هي الدولة (العاشقة) للسلام، لكن ما من شريك فلسطيني للمفاوضات معها، بمعنى آخر: تحميل الفلسطينيين وزر الباب المسدود الذي وصلت إليه التسوية.
بداية، من الضرورة بمكان تثبيت خطيئة اتفاقيات أوسلو التي وقعها الرئيس المرحوم عرفات مع الإسرائيليين، والتي كان محمود عباس مهندسها الأول، فمسيرة هذه الاتفاقيات أثبتت بما لا يقبل مجالا للشك أن بنودها الفضفاضة الفهم كانت في معظمها تصب في الصالح الإسرائيلي، الذي أيضا ومن خلال ميزان القوى بين الطرفين فرض فهمه لها، وهذا ما بينته الملحقات السرية الكثيرة التي أخذت تنكشف يوما بعد يوم. ومع ذلك فإن شارون أعلن وفاة هذه الاتفاقيات وقام بقبرها حين أعاد اجتياح الضفة. في تلك المرحلة تبين لعرفات بالمطلق استحالة تحقيق شعار إقامة دولة فلسطينية من خلال نهج أوسلو، ولذلك حاول الضغط على إسرائيل من خلال عمليات كتائب الأقصى، فاتهم بالإرهاب وجرى سجنه ثلاث سنوات في المقاطعة وفيما بعد قامت إسرائيل بتسميمه، وكان ما كان على الساحة الفلسطينية.
عباس كان واضحا منذ بداياته، فهو ضد الكفاح المسلح قلبا وقالبا، وهو مع نهج التفاوض ثم التفاوض ثم التفاوض مع إسرائيل، وهو طريق لنيل الحقوق الفلسطينية. في سبيل ذلك: أصدر قرارات رئاسية باعتبار الأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية، منظمات غير مشروعة. قام بسجن مقاتلي الثورة الفلسطينية ممن لم يسلموا أسلحتهم، وزاد من وتائر التنسيق الأمني مع إسرائيل، وخاض مفاوضات عديدة مع الجانب الإسرائيلي، وعلى كل المستويات، فلم يحقق شيئا، وتراجع عن قراره بوقف المفاوضات مع إسرائيل طالما بقي الاستيطان، فجرت مفاوضات بين وفدين إسرائيلي وفلسطيني في العاصمة الأردنية عمان، أسميت " بالمفاوضات الاستكشافية " وجرت على عدة جولات، ولم يستطع تحقيق شيء. أيضا خاض مفوضات الرسائل وتبادلها مع نتنياهو، وبقيت ذات النتائج في تنكر إسرائيل المطلق لأي من الحقوق الوطنية الفلسطينية، رغم كل ذلك أصر عباس ومازال يصر على نهج المفاوضات مع إسرائيل. يعتبر نهج الكفاح المسلح " إرهابا " يستحق الاجتثاث والقضاء عليه، فهو يراه " عبثيا " و" نهجا " يلحق الدمار والكوارث بالفلسطينيين. رغم كل ذلك فإن الإسرائيليين ليسوا راضين عنه! باختصار: الجانب الإسرائيلي يريد رئيس سلطة فلسطينية يقوم بالامتثال التام للحل الإسرائيلي المتمثل في " الحكم الذاتي" للسلطة الفلسطينية على القضايا الحياتية للسكان بعيدا عن حق العودة، وقد قدمت السلطة مبادرات مرنة حول هذا الحق الذي ترفضه إسرائيل رفضا مطلقا. كذلك لا تقرير مصير للفلسطينيين إلا وفقا لما " تجود" عليهم به إسرائيل، ولا سيادة حقيقية للسلطة الفلسطينية ولا انسحاب من القدس الشرقية "العاصمة الموحدة والأبدية لإسرائيل" وعلى أن يكون الأمن لهذه "الدولة" أو "الإمبراطورية" وإسرائيل ليست ضد التسميات مادامت هذه السلطة محكومة بالأمن الإسرائيلي، والقوات الإسرائيلية الجاهزة الاستعداد لدخول أراضيها، والمتواجدة أيضا في غور الأردن، مع بقاء الاستيطان في أراضي الضفة الغربية والتي هي بالنسبة للإسرائيليين ليست أكثر من "يهودا والسامرة".
الرئيس محمود عباس وبخياره الوحيد "نهج المفاوضات" إما لا يدرك حقيقة الصهيونية (وهو الذي قدم أطروحة الدكتوراه في موسكو قبل الانهيار حول هذا الموضوع) وإما لا يدرك حقيقة "الحل الأقصى" الذي تذهب إليه إسرائيل في رؤيتها للتسوية مع الفلسطينيين أو العرب. هو لا يريد الاستفادة أيضا من تجارب الشعوب الأخرى في نيل تحررها وحقوقها من مغتصبي إرادتها ومستعمريها، فلا يمكن للمستعمر (بكسر الميم) أن يستجيب لحقوق المستعمر (بفتح الميم) دون ميزان قوى يفرضه الثاني على الأول، وهذا لن يتأتى إلا بالمقاومة المسلحة والنضال والكفاح الوطني التحرري. هذا ما أثبتته تجارب الشعوب، والفلسطينيون ليسوا استثناء من القانون. كذلك هي إسرائيل مثل كل المستعمرين (بكسر الميم) إن لم تكن الأكثر تشددا بينهم. بذلك: فإن أربعة أخطاء إستراتيجية جرى ارتكابها من القيادة المتنفذة في منظمة التحرير الفلسطينية، وهي:
الخطأ الاستراتيجي الأول: إبداء المرونة والاستعداد لقبول حل الدولتين. ما الذي يعنيه هذا؟ مسامحة إسرائيل بما نسبته 78% م مساحة فلسطين، ومقابل ماذا؟ مقابل وعود أمريكية وأوروبية بدعم قيام دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل. ما الذي جرى؟ عمليا تبخرت الوعود الدولية بإقامة الدولة الفلسطينية وتبنت الولايات المتحدة الحل والمفهوم الإسرائيلي لهذه الدولة. لا عودة للاجئين وإلى كافة البنود الأخرى لهذا الحل. كان بإمكان قيادة منظمة التحرير استمرار المطالبة بتطبيق القرارات الدولية حول فلسطين. لقد تمت إقامة دولة إسرائيل، وعلى الفلسطينيين استمرار المطالبة بإقامة دولتهم، لاسيما أن هناك قرارا للأمم المتحدة يعطي اللاجئين الفلسطينيين حق العودة لمدنهم وقراهم.
الخطأ الاستراتجي الثاني: هو توقيع اتفاقيات أوسلو بكل ما حملته من اعتراف فلسطيني رسمي بحق إسرائيل في الوجود على ما ينوف عن ثلاثة أرباع مساحة فلسطين التاريخية دون مقابل. هذا ضرب قرارات الأمم المتحدة حول الحقوق الفلسطينية. مقابل نصوص مطاطة في الاتفاقية، يجري فهمها على أكثر من وجه، بملحقات سرية في ظل ميزان قوي يميل لصالح إسرائيل، التي تفرض فرضا عسكريا مفهومها للنصوص.
الخطأ الاستراتيجي الثالث: تعديل الميثاق الوطني الفلسطيني، وفقا لنصوص اتفاقية أوسلو، جرى ذلك في دورة المجلس الوطني الفلسطيني الذي جرى في غزة في عام 1996. وبموجبه تمت إزالة كافة البنود المتعلقة بالحق الفلسطيني العربي في فلسطين التاريخية، وإزالة كافة البنود المتعلقة بالكفاح المسلح.
الخطأ الاستراتيجي الرابع: حصر النضال بأسلوب المفوضات في ظل وضوح استراتيجي إسرائيلي سواء أكان بالنسبة لمضمون التسوية أو بالنسبة لإطالة أمد المفاوضات وفرض الوقائع الإسرائيلية على الأرض.
رغم ذلك، فإن إسرائيل ماضية في حلها ومثلما استهدفت عرفات، تستهدف الآن محمود عباس، بانتظار مجيء بيتان الفلسطيني.
أوباما..نتنياهو: لقاء المصالح
أعلن البيت الأبيض رسميا. أن أوباما سيلتقي نتنياهو في نيويورك. على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد... اقرأ المزيد
512
| 23 سبتمبر 2016
الاحتيال والجرائم على الانترنت
يحمل التقدم التكنولوجي في وسائل الاتصال الاجتماعي. وجهين: الإيجابي. الذي يستغله المجموع. والآخر السلبي. الذي يستغله المجرمون واللصوص... اقرأ المزيد
505
| 15 سبتمبر 2016
أوهام ليبرمان وكيانه
كَسر إرادة الشعب الفلسطيني في المقاومة. كما نشر ثقافة الهزيمة في أوساطه! هذا ما حاوله ويحاوله القادة الصهاينة.... اقرأ المزيد
530
| 08 سبتمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4617
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1278
| 28 سبتمبر 2026