رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كلّما تعرّض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى إساءةٍ استنفرَ المسلمون جهودَهم في حملاتٍ للتعبيرِ عن حبّهم له صلّى الله عليه وسلّم، وغضبهم من الإساءة ورفضهم لها.
وهذا تعبيرٌ طبيعيّ ومحمودٌ وممدوحٌ عن مدى تجذّر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في قلوب المسلمين الذين يرون فيه أغلى ما يملكون وأعظم مخلوقٍ عرفته البشريّة من لدن آدم عليه السلام إلى قيام السّاعة.
وتزدان هذه الحملات بشعاراتٍ شتّى، واستخدام الشّعارات أمرٌ معروفٌ في البشريّة كلّها في حملاتها الإعلاميّة، كما أنّه معمولٌ به منذ عصر الإسلام الأوّل، فقد كان المسلمون يتّخذون شعاراتٍ لهم في المواقف والأحداث المفصليّة.
وللشّعارِات التي يرفعها المسلمون في وجه خصومهم أهميّةٌ كبيرةٌ في بناء الوعي والقناعات في اتجاهين اثنين؛ الأوّل بناءُ قناعاتِ وأفكار الخصم تجاه القضيّة التي يحتجّ عليها المسلمون ويرفعون الشّعار لأجلها.
والثّاني؛ بناء قناعات وأفكارِ المسلمين وتوجيه عواطفهم وترشيد سلوكهم في القضيّة التي ينتصرون لها.
وعلى سبيل المثال لا الحصر ما ذكره ابن هشام في سيرته:
"وكان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: "أحَدٌ أحَد"
فالمسلمون كانوا يتّخذون شعاراً لهم في كلّ مواجهةٍ بينهم وبين أعدائهم، وفي غزوة بدرٍ التي كانت المواجهة المفصليّة الأولى بين المسلمين وقريش كان شعارهم "أحَدٌ أحَد"
ومن الطّبيعيّ أن يكونَ هذا الشّعارُ بأمرِ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بوصفه القائد العام للجيش والدّولة، وهذا الشّعار يبني القناعات والأفكار لدى الأعداء والمؤمنين على حدٍ سواء.
فالأعداء سيرون بأنّ هذا الشّعار الذي كان صيحةَ بلال بن رباح وهو مستضعفٌ يعذَّب تحت صخرة أميّة بن خلف قد غدا شعارَ أمّةٍ بأسرها وهتافَ جيشٍ سيردّ على كلّ الذين نالوا من المؤمنين في ساعات الاستضعاف؛ فهو شعارٌ يدلّل على قوّة أصحابه ويثيرُ الخوف في نفوس سامعيه من الأعداء، ويؤكّد لهم أيضًا مدى انتماء الفريق المؤمن إلى قضيّة التوحيد التي يتمحورون حولها.
وأمّا المؤمنون سيبعث فيهم هذا الشّعار معاني العزّة والانتماء والانتقال من الضّعف إلى القوة، ومن تحت صخرة التّعذيب إلى صهوات الخيول للنّكايةِ بعدوّهم.
وهكذا يفعل الشّعارُ فعله حين يكون مدروساً وموجّهاً ومركّزاً وليسَ مجرّد ردّ فعلٍ تنفيسيٍّ عن غضبٍ عابر.
ماذا عن شعار "إلّا رسول الله"؟
من أكثر الشّعارات التي انتشرت إبان جريمة الرّسوم الدنماركية المسيئة للنبيّ صلى الله عليه وسلم عام 2005م؛ وتجترُّها الأمة المتخمةُ بالشِّعارات العشوائيّة اليوم في مواجهتها لجريمة الإساءة الفرنسيّة بحقّ نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم هو شعار "إلّا رسولَ الله"
هذا الشّعار يحمل في طياته نفسيّةَ المنهزمِ الذي لا يلوي على شيء ثم يستدير إلى عدوِّه بعنترية المنتصر مهدِّداً إيَّاه أن يتوقف عن استلاب حقوقه عند هذا الحدّ ولا يتجاوزه وإلاَّ!
فتقديرُ الكلام في الشعار لا يحتاجُ إلى كثير بحث لنعلمَ أنَّه: اعتدوا على كلِّ شيءٍ إلَّا رسول الله، واستهزئوا بكلِّ شيء إلَّا رسول الله، واسرقوا منَّا كل شيء إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والمعنى الذي يقتضيه الشّعار دون أن ينتبه له مطلقوه: انتهكوا كلّ مقدّساتنا ودنّسوا كلّ قيمنا وامسحوا بكرامتنا الأرض لكن لا تقتربوا من رسول الله!
فالمفهوم البديهي من رفع الحناجر به أنّه لا خطوط حمراء عندنا إلّا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو الخطّ الأحمر الوحيد الذي لا نسمح لكم بتجاوزه أو الاقتراب منه، وما دونه من الأوطان والبلدان والكرامة والمكانة يمكننا استساغة الاعتداء عليها، والاعتداء الوحيد الذي لا يمكننا احتمالُه هو التّطاول على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وإن كنتُ أجزم أن من رفعوا الشّعارَ لم يريدوا المعنى الذي يقتضيه إلا أنه في النّهاية يعبِّر عن عنتريَّة المهزوم الذي يحاول إثباتَ ثباتِه وقوَّتِه وشجاعتِه بل نصره الخُلَّبيّ بعدَ القبول الضمنيّ بسَيلِ الهزائم المخزية.
ولستُ في وارد الدُّخول في الجدل والتّأويل اللّغويّ للعبارة إلا أن المتبادر لسامعها أننا قادرون على ابتلاع أيّة إهانةٍ أو إساءةٍ نتعرّض لها ما دام المقصود بها مَن هوَ دون رسول الله صلى الله عليه وسلم في المكانة من الأشخاصِ وحتَّى الأمكنة والقيم.
فنحن قادرون على استمراء الإهانة إذا وُجِّهت من اي شخص أو فاجرٍ من طغاة العربِ على حرَّةٍ من حرائرنا ابتداءً من اللَّطمِ إلى هتكِ العرض، ومخزونُ الصّبر لدينا يؤهلنا للتغاضي عن إهانَة الصّهاينة لنا باحتلالِ أرضنا ومقدّساتِنا ولكن إن وصلَ الأمرُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فلن نسمح لكم ولتفهموا جيّداً "إلا رسول الله".
الجزيرة نت
كاتب وباحث فلسطيني
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
9174
| 08 فبراير 2026
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2163
| 04 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1125
| 10 فبراير 2026