تحمل بطاقة صعود المسافرين إلى الطائرة العديد من الرموز والأرقام والحروف التي تُكتب بعناية وتحمل كنزاً من المعلومات وأسراراً لا حصر لها لا...
رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
الدوحة - بوابة الشرق المؤلف : الشيخ يوسف القرضاوي الكتاب: أدب المسلم مع الله والناس والحياة الحلقة الثامنة والعشرون نذكر هنا الأحاديث التي اخترناها من الصحاح والحِسان في كتابنا (المنتقى من كتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري)، مما جاء في الترغيب في بر الوالدين وصلتهما، وتأكيد طاعتهما، والإحسان إليهما، وبرِّ أصدقائهما من بعدهما. فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -الله عليه وسلم-: "لا يجزي ولدٌ والدَه إلَّا أن يجدَه مملوكًا، فيشتريَه فيعتقَه". وهذا في العهود التي انتشر فيها الرقُّ في أنحاء الأرض، لكثرة الحروب، واتخاذ الرقِّ أساسًا، فمَنْ وَجَدَ أباه في الرقيق، واشتراه مِن سيِّده، وأعتقه: كان ذلك جزاءً عظيمًا لوالده، فقد حرره من العبودية، وهي نعمة عظمية. وقد عافى الله من رقِّ الأفراد، وإن ظل في البشر– للأسف– نوع من الرق والعبودية بين الشعوب يجب أن تتحرر منه. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-، قال: جاء رجل إلى نبيِّ الله -صلى الله عليه وسلم-، فاستأذنه في الجهاد، فقال: "أحيٌّ والداك؟". قال: نعم. قال: "ففيهما فجاهد" أي: اجعل جهادك في برهما وخدمتهما. وفي رواية لمسلم، قال: أقبَلَ رجلٌ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجرَ مِن الله. قال: "فهل مِن والديك أحدٌ حيٌّ؟" قال: نعم، بل كلاهما حيٌّ، قال: "فتبتغي الأجر من الله؟" قال: نعم قال: "فارجعْ إلى والديك، فأحسِنْ صُحبتَهما"، وذلك حين يكون الجهاد فرضَ كفاية، فلا بد من إذْن الوالدين لمَن يريد الجهاد مِن أبنائهما، بخلاف ما إذا كان فرض عين؛ حين يحتلُّ البلدَ محتلٌ، ويُحتاج إلى كل أهل البلد ليجاهدوا كل الجهاد بكل أنواعه، فلا حاجة إلى استئذان الأبوين؛ لأن الجهاد هنا حق الجماعة، وهو مقدم على حقوق الأفراد؛ إذ التفريط في هذا الجهاد، إضاعة للأبوين ولغيرهما، ولمن هو أهم منهما من المؤسسات والوطن. وعنه -رضي الله عنه- أيضًا، قال: جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: جئتُ أبايعك على الهجرة، وتركتُ أبويَّ يبكيان، فقال: "ارجع إليهما، فأضحكهما كما أبكيتهما". وعن معاوية بن جاهمة، أن جاهمة جاء إلى النبي- صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا رسول الله، أردتُ أن أغزوَ، وقد جئتُ أستشيرك فقال: "هل لك من أم؟"قال: نعم قال: "فالزمها فإن الجنة عند رجلها". ورواه الطبراني ولفظه: قال: أتيتُ النبي -صلى الله عليه وسلم -أستشيره في الجهاد، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ألك والدان؟" قلتُ: نعم قال: "الزمهما، فإن الجنة تحت أرجلهما". وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه-أن رجلًا أتاه، فقال: إنَّ لي امرأةً، وإنَّ أمي تأمُرني بطلاقها، فقال: سمعتُ رسول الله- صلى الله عليه وسلم -يقول: "الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضِعْ هذا البابَ أو احفظه". ورواه ابن حبان في صحيحه ولفظه: أنَّ رجلًا أتى أبا الدرداء، فقال: إن أبِي لم يزل بي حتى زوَّجني، وإنه الآن يأمرني بطلاقها. قال: ما أنا بالذي آمرك أن تعُقَّ والديك، ولا بالذي آمرك أن تُطلِّق امرأتك، غيرَ أنك إن شئتَ حدَّثتُك بما سمعتُ مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، سمعتُه يقول: "الوالد أوسط أبواب الجنة، فحافظ على ذلك الباب إنْ شئتَ، أو دَعْ". وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: كان تحتي امرأةٌ أحبُّها، وكان عمر يكرهُها، فقال لي: طلِّقْها، فأبيتُ، فأتى عمرُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، فذكَرَ ذلك له، فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "طلِّقْها". وعن أَنَس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَن سرَّه أن يُمَدَّ له في عُمرِه، ويُزاد في رزقه، فليبرَّ والديه، وليصِلْ رحِمَه". وعن ثَوْبان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ الرجل ليُحرَم الرزقَ بالذنب يصيبه، ولا يردُّ القدرَ إلَّا الدعاءُ، ولا يزيد في العمرِ إلَّا البرُّ". وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "بَرُّوا آباءَكم، تبَرَّكُم أبناؤكم، وعِفوا تعفَّ نساؤُكم". وفي حديثِ أصحاب الغار: فقال أحدهم: "اللهم إني كان لي أبوان شيخان كبيران، فكنت أخرج فأرعى، ثم أجيء فأحلب، فأجيء بالحلاب، فآتي به أبوي فيشربان، ثم أسقي الصبية وأهلي وامرأتي، فاحتُبِست ليلة، فجئت فإذا هما نائمان، قال: فكرهتُ أن أوقظهما، والصبية يتضاغَوْن عند رِجْلَيَّ، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهما، حتى طلع الفجر، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا فرجة نرى منها السماء". وعن أسماء بنت أبي بكرٍ -رضي الله عنهما- قالت: قدمِتْ عليَّ أمِّي، وهي مشركةٌ، في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فاستفتيتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، قلتُ: قدِمتْ عليَّ أمِّي وهي راغبةٌ، أفأصِلُ أمِّي. قال: "نعم، صلِي أمَّكِ". وفي لفظ أبي داود: قالتْ: قدمتْ عليَّ أمِّي راغبةً في عهد قريش، وهي راغِمةٌ مشركةٌ، فقلتُ: يا رسول الله، إنَّ أمِّي قدِمتْ عليَّ وهي راغمةٌ مشركة، أفأصلُها؟ قال: "نعم، صِلِي أمَّكِ". (راغبةٌ) أي: طامِعةٌ فيما عندي، تسألني الإحسان إليها. (راغِمة) أي: كارهةٌ للإسلام. ومعنى هذا: أن صِلة الولدِ المسلم لأبويه المشركين أو أحدهما: مشروعةٌ مبرورة، ما دام لا يأخذ المال مِن ابنه ليحارب به المسلمين، قال تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة:8]. وهذا أساس بر الوالدين من أهل الذمة. وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "رضا الله في رضا الوالد، وسُخْط الله في سخط الوالد"( ). وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: أتى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- رجلٌ، فقال: إني أذنبتُ ذنبًا عظيمًا، فهل لِي مِن توبة؟ فقال: "هل لك من أمٍّ؟" قال: لا قال: "فهل لك من خالة؟"قال: نعم قال: "فبَرَّها". بِرُّ الوالدين بعدَ وفاتِهما، وكيف يكون: حدَّد الرسول الكريم بِرَّ الوالدين بعد موتهما في جملة حقوق يجب أن تُرْعى: 1-الصلاة عليهما، أي: صلاة الجنازة. 2-والاستغفار لهما، كما قال نوح: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [نوح:28]. وقول إبراهيم: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [إبراهيم:41]. وإن عَرَفَ إبراهيمُ بعد ذلك أنه لا يجوز الاستغفار للمشركين. 3-وإنفاذ عهدهما، إذا عهدا- أو أحدهما- إلى أولادهما، كلِّهم أو بعضِهم بشيء من الخير والطاعات أو نحو ذلك، وقدِروا عليه، فعليهم أن يُنَفِّذُوه، فهذا من العهد الذي يجب تنفيذه. 4-وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، فالعمَّةُ لا توصل إلا بالأب، والخالة لا توصل إلا بالأم؛ ولهذا لمَّا قال بعضُ الأبناء للرسول: أذنبتُ ذنبًا، فهل لي من توبة؟ قال: "هل لك من أم؟" قال: لا. قال: "فهل لك من خالة؟". قال: نعم. قال: "فبَرَّها"( ). 5-وإكرام صديقهما، أي: تبَرُّ أصدقاءَ والدِك، وصديقات أمِّك. وهذا ما نطق به الحديث التالي: عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رجلًا من الأعراب لقِيَه بطريق مكَّة، فسلَّم عليه عبدُ الله بن عمر، وحَمَلَه على حمار كان يركبه، وأعطاه عِمامةً كانت على رأسه، قال ابن دينار: فقلنا له: أصلحك الله! فإنَّهم الأعرابُ، وهم يرضون باليسير فقال: عبد الله بن عمر: إنَّ أبا هذا كان وُدًّا لعمر بن الخطاب، وإنِّي سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن أبَرَّ البِرِّ صلةُ الولدِ أهلَ وُدِّ أبيه". وعن أبي بُردة قال: قدمتُ المدينة، فأتاني عبد الله بن عمر، فقال: أتدري لِمَ أتيتُكَ؟ قال: قلتُ: لا. قال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "مَن أحبَّ أن يصِلَ أباه في قبره، فليصِل إخوانَ أبيه بعده". وإنه كان بين أبي عمرَ وبين أبيك إخاءٌ ووُدٌّ، فأحببْتُ أن أصِل ذاك. السُّنَّة تحذِّر بشدة مِن عقوق الوالدين: وقد صحَّتْ جملةٌ وافرة من الأحاديث النبوية في الترهيب من عقوق الوالدين، أو الإساءة إليهما. عن المغيرة بن شعبة- رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنَّ الله حرَّم عليكم: عقوقَ الأمهات، ووأدَ البنات، ومنعًا وهاتِ. وكرِه لكم: قِيلَ وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال". وعن أبي بَكْرةَ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟". ثلاثًا. قلنا: بلى يا رسول الله. قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان مُتَّكَئًا، فجلس، فقال: "ألَا وقول الزور، وشهادة الزور". فما زال يكرِّرُها حتى قلنا: ليتَه سكتَ!. فلم يكتفِ -صلى الله عليه وسلم- بجعل العقوقِ من الكبائر، بل جعله مِن أكبر الكبائر. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغَمُوس". وعنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من الكبائر شتمُ الرجل والديه". قالوا: يا رسول الله! وهل يشتُم الرجل والديه؟ قال: "نعم، يسبُّ أبا الرجل، فيسبُّ أباه، ويسب أمه، فيسب أمه". أي: أنه كان سببًا في سبِّ والديه؛ لأنه سبَّ والدَي الآخر، فردَّ عليه بمثله. وفي روايةٍ للبخاري ومسلم: "إنَّ مِن أكبر الكبائر: أن يلعن الرجل والديه". قيل: يا رسول الله! وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: "يسبُّ أبا الرجل، فيسبُّ أباه، ويسبُّ أمه، فيسب أمه". وعن عمرو بن مرة الجُهَنِي -رضي الله عنه -قال: جاء رجلٌ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا رسول الله! شهدتُ أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليتُ الخمس، وأدَّيتُ زكاة مالي، وصُمتُ رمضان. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مَن مات على هذا كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا (ونصب أصبعيه)، ما لم يعقَّ والديه". تربية البنات وتثقيفهن فيهما الأجر الكبير: وقد أكَّد الإسلامُ: أن من يرزقه اللهُ البنات، فلا ينبغي أن يَضيق بذلك، كما كان يفعل كثير من الجاهليين، بل يجب أن يعتقد أن له في ذلك أجرًا كبيرًا عند الله -تبارك وتعالى-. عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: دخلتِ امرأةٌ معها ابنتان لها تسأل، فلم تجد عندي شيئًا غيرَ تمرةٍ، فأعطيتُها إياها، فقسمتْها بين ابنتيها، ولم تأكل منها، ثم قامتْ فخرجتْ، فدخل النبي -صلى الله عليه وسلم- علينا، فأخبرتُه فقال: "مَن ابتُلي من هذه البنات بشيء كنَّ له سترًا من النار". وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَن عالَ جاريتين حتى تبلغَا، جاء يوم القيامة أنا وهو". وضمَّ أصابعه. وفي رواية الترمذي "دخلتُ أنا وهو الجنة كهاتين". وأشار بأصبعيه. وفي رواية أحمد: "مَن عال ابنتين أو ثلاث بنات، أو أختين، أو ثلاث أخوات، حتى يبِنَّ، أو يموتَ عنهنَّ، كنتُ أنا وهو كهاتين". وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى. وعن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن كان له ثلاث بنات، فصبَرَ على لأْوَائِهنَّ، وضرَّائِهنَّ، وسرَّائهنَّ، أدخله الله الجنة بفضْل رحمتِه إياهن". فقال رجل: أوْ ثنتان يا رسول الله؟ قال: "أو اثنتان". فقال رجل: أو واحدة يا رسول الله؟ قال: "أو واحدة ". ما صنعه الإسلام بالآباء بالنسبة للبنات: إذا كنَّا رأينا الجاهلية تضيق ذرعًا بولادة البنات، وتفكر في التخلُّص منهن بالوأد والقتل، أو يُمسَكْنَ على هُون ومذلَّة، فإن الإسلام بتعاليمه وأحكامه في القرآن والسنة هيَّأ رجالًا يفتدون بناتِهم بأرواحِهم وأموالهم، وكلِّ ما ملكتْ أيديهم، ولا يفرِّط واحدٌ منهم في ظُفُرٍ واحدٍ لبنتٍ من بناته،و ربما يزيد في بعض الأحيان يزيد حبهن على حبِّ الذكور، وقد رأينا الرسول الأكرم -صلى الله عليه وسلم- يُظهر مِن حُبِّ فاطمة ما يبدو لنا أنَّه أقوى مِن حبِّ كثيرٍ مِن الآباء لأبنائهم، على أن في بعض البنات من المكارم والنجابة والتفوق ما يفْضُل البنين. ليس لها ذنب ومِن الآباء مَن يجور على امرأته حين تلد له عِدة بنات، ويحمِّل المرأةَ مسؤولية المجيء بالبنات، والعادةُ والعِلمُ والواقعُ كلها تقول: إن الرجل هو المسؤول عن قضية التذكير والتأنيث، وهو ما يقرره الطب المتعلِّق بالأرحام والإنجاب، وهو ما قالته أعرابية قديمة، حين شكتْ مِن قسوة زوجها عليها، وهجْره لها ولبناتها، واستمراره عند ضَرَّتها، وكانت سمَّت ابنتَها: حمزة، فقالت وهي ترقِّصها: ما لأبي حمْزةَ لا يأتِينا يظلُّ في البيت الذي يَلِينَا غـضـبانَ ألَّا نلدَ البنِينا تــالله مــا ذلــك فـي أيـديـنا وإنـَّـما نـأخـذ ما أُعطينا ونـحـن كــالأرض لــزارعـينا نُنبتُ ما قد زرعوه فينا وسمعها زوجُها فرجع إلى منزلها وصالحها، وطابت نفسه بها.
2889
| 25 يوليو 2014
الدوحة - بوابة الشرق المؤلف : الشيخ يوسف القرضاوي الكتاب: أدب المسلم مع الله والناس والحياة الحلقة الحادية والعشرون أدب المسلم مع القرآن الكريم لحَمَلة القرآن وحَفَظته آدابٌ ينبغي أن يراعوها، وعليهم واجبات يجب أن ينفِّذوها، حتى يكونوا من (أهل القرآن) حقًّا، الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: "إن لله أهلين من الناس". قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: "أهل القرآن، هم أهل الله وخاصته". آداب معلِّم القرآن ومتعلمه تجريد النية لله وحده: 1 — وأول ما ينبغي لمن ينتسب إلى القرآن — عالمًا أو متعلِّمًا — أن يبتغي في توجُّهه رضوان الله تعالى، وألَّا يقصد حامل القرآن به توصُّلًا إلى غرض من أغراض الدنيا، من مال، أو رياسة، أو وجاهة، أو ارتفاع على أقرانه، أو ثناء عند الناس، أو صرف وجوه الناس إليه، أو نحو ذلك. ولا يشوب المقرئ إقراءه بطمع في رفق يحصل له من بعض من يقرأ عليه، سواء كان الرفق مالًا، أو خدمة، وإن قل، ولو كان على صورة الهدية او الجائزة التي لولا قراءته عليه لما أهداها إليه، قال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} [الشورى:20]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تعلَّم علمًا يبتغي به وجه الله تعالى، لا يتعلمه إلا ليُصيب به غرضًا من الدنيا؛ لم يجد عَرْفَ الجنةِ يومَ القيامة". 2 — وليحذر كل الحذر من قصده التكثُّر بكثرة المشتغلين عليه والمختلفين إليه، وليحذر من كراهته قراءة أصحابه على غيره ممن يُنتفع به، وهذه مصيبة يبتلى بها بعض المُعَلِّمين الجاهلين، وهي دلالة بينة من صاحبها على سوء نيته، وفساد طويته، بل هي حجة قاطعة على عدم إرادته بتعليمه وجه الله تعالى الكريم، فإنه لو أراد الله بتعليمه لما كره ذلك، بل قال لنفسه: أنا أردتُ الطاعة بتعليمه، وقد حصَلَت، وقد قصد بقراءته على غيري زيادةَ علم، فلا عتب عليه. 3 — ينبغي للمعلم أن يتخلق بالمحاسن التي ورد الشرع بها، والخصال الحميدة، والشِّيَم المَرْضِية، التي أرشده الله إليها؛ من الزهادة في الدنيا، والتقلل منها، وعدم المبالاة بها وبأهلها، والسخاء والجود، ومكارم الأخلاق. وينبغي له أن يرفق بمن يقرأ عليه، وأن يرحب به، ويُحسن إليه، بحسب حاله، وينبغي أن يبذل لهم النصيحة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الدين النصيحة؛ لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم". ومن النصيحة لله تعالى ولكتابه إكرامُ قارئه وطالبه، وإرشاده إلى مصلحته، والرفق به، ومساعدته على طلبه بما أمكن، وتأليف قلب الطالب، وأن يكون سمحًا بتعليمه في رفق، متلطِّفًا به، ومحرِّضًا له على التعلُّم، وينبغي أن يذكره فضيلة ذلك ليكون سببًا في نشاطه وزيادة في رغبته، ويزهِّده في الدنيا، ويصرفه عن الركون إليها والاغترار بها. وينبغي أن يُشفق على الطالب، ويعتني بمصالحه كاعتنائه بمصالح ولده ومصالح نفسه، ويُجرِي المتعلِّمَ مجرى ولدِه في الشفقة عليه، والصبر على جفائه، وسوء أدبه، ويعذره في قلة أدبه في بعض الأحيان، فإن الإنسان مُعَرَّض للنقائص؛ لا سيما إن كان صغيرَ السن، وينبغي أن يحب له ما يحب لنفسه من الخير، وأن يكره له ما يكره لنفسه من النقص مطلقًا. ينبغي أن يؤدِّب المتعلِّمَ على التدريج بالآداب السَّنِيَّة، والشِّيَم المَرْضِيَّة، ورياضة نفسه بالدقائق الخفيَّة، ويعوِّدُه الصيانة في جميع أموره الباطنة والجَلِيَّة، ويحرضه بأقواله وأفعاله المتكررات على الإخلاص والصدق، وحسن النيات، ومراقبة الله تعالى في جميع اللحظات، ويعرفه أن لذلك تتفتح عليه أنوار المعارف، وينشرح صدره، وتتفجر من قلبه ينابيع الحكم واللطائف، ويبارك له في علمه وحاله، ويوفَّق في أفعاله وأقواله. 5 — تعاهد القرآن من هذه الآداب: تعاهُد القرآن، حتى لا يتفلَّتَ من ذاكرته، وذلك بدوام تلاوته استظهارًا من الصدر، أو قراءة من المصحف، أو بالاستماع إليه من قارئ مجيد له، من طريق الإذاعة، أو المصاحف المرتلة لكبار القُرَّاء. ومن فضل الله تعالى أن وُجِد في عدد من البلاد الإسلامية إذاعة للقرآن الكريم، تُعنى بتلاوة القرآن وتجويده وتفسيره. عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقَّلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت". رواه الشيخان، وزاد مسلم في روايته: "وإذا قام صاحب القرآن، فقرأه بالليل والنهار ذَكَرَه، وإذا لم يقُم نسيه". ومعنى (المعقَّلة): المربوطة بالعِقال، وهو الحبل يمسكها مخافة أن تتفلت، وجمعه: عُقُل. عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نام عن حزبه، أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر، وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل". وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بئسما لأحدهم يقول: نسيتُ آية كَيْت وكَيْت، بل هو نُسِّيَ. استذكروا القرآن، فلهو أشد تفصِّيًا من صدور الرجال من النَّعَم بعُقُلها". ومعنى قوله (نُسِّي): أن الله هو الذي نسَّاه، عقوبة له على شيء وقع منه. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تعاهدوا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده، لهو أشد تفلُّتًا من الإبل في عُقُلها". رواه الشيخان، ورواية البخاري: "أشد تفصِّيًا". فينبغي لصاحب القرآن أن يجعل المصحف جليسَه في الوحدة وأنيسه في الوحشة، حتى لا يتفصَّى من ذاكرته. قال القاسم بن عبد الرحمن: قلتُ لبعض النُّسَّاك: ماهنا أحد تستأنس به؟ فمدَّ يده إلى المصحف، ووضعه على حجره، وقال: هذا أنيسي. وقد تكلَّم السيوطي في حكم نسيان القرآن، فقال: نسيانه كبيرة. صرح به النووي في (الروضة) وغيرها، لحديث أبي داود: "عُرضَتْ عليَّ ذنوب أمتي، فلم أرَ ذنبًا أعظمَ من سورة من القرآن أو آية، أُوتيها رجل ثم نَسِيَها". وروي أيضًا حديث: "من قرأ القرآن ثم نسيه، لقي الله يوم القيامة أجذم". كذلك حديثا ابن مسعود وأبي موسى السابقان. فأما حديث أبي داود الأول، فقد رواه الترمذي وقال: غريب (أي ضعيف).. وذاكرت به محمد بن إسماعيل — يعني البخاري — فلم يعرفه واستغربه. وأما الحديث الثاني فقد قال المنذري: في إسناده يزيد بن أبي زياد، ولا يحتج بحديث، وهو منقطع أيضا. وإذا كانت الأحاديث التي استند عليها من قال بأن نسيان القرآن كبيرة قد ثبت ضعفها، فلم يبق إلا أن نسيانه في موضع الذم، لتركه تعاهد القرآن، ولكنه لا يفيد التحريم، ناهيك أن يكون كبيرة. بل الذي يتجه أنه أمر مكروه كراهية شديدة، ولا يليق بالمسلم الذي يملك هذا الكنز النفيس أن يفرط فيه، حتى يضيع منه. وإن الذي جعلني أقول هذا: هو خشيتي أن يتقاعس الناس عن حفظ القرآن، إذا كان معرَّضًا لأن ينساه فتكتب عليه كبيرة من الكبائر، مع أنه لو لم يحفظه أصلًا، لم يكن عليه أي شائبة من إثم. 6 — التخلق بأخلاق القرآن وينبغي على صاحب القرآن أو حامله وحافظه: أن يتخلق بأخلاق القرآن، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم. فقد سُئلت عائشة رضي الله عنها عن خلقه، فقالت — وما أبلغ ما قالت! —: إن خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن. فعلى صاحب القرآن: أن يكون مرآة يرى الناس فيها عقائد القرآن وقِيَمه وآدابه وأخلاقه، وأن يتلو القرآن فتصدِّقه آياتُه، ولا يتلوه فتلعنه آياته. عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قرأ القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه، غير أنه لا يوحى إليه. لا ينبغي لصاحب القرآن أن يَحِدَّ مع مَن حَدَّ، ولا يجهل مع من جهل، وفي جوفه كلام الله". وقال ابن مسعود رضي الله عنه: ينبغي لحامل القرآن أن يُعرف بلَيْلِه إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مُفطِرون، وبحُزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون. وينبغي لحامل القرآن أن يكون مستكينًا ليِّنًا، ولا ينبغي له أن يكون جافيًا، ولا مماريًا، ولا صياحًا ولا صخَّابًا ولا حديدًا (من الحِدَّة والغضب). وكأن ابن مسعود رضي الله عنه يتحدث عن نفسه، فقد كان من أئمة حملة القرآن، وكان كما وصف حامل القرآن. وقال ابن مسعود أيضًا منكِرًا على قوم: أنزل القرآن ليعملوا به، فاتخذوا دراسته عملًا! إن أحدهم ليقرأن القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما يُسقط منه حرفًا، وقد أسقط العمل به! وقال الزاهد العابد المعروف الفضيل بن عياض: ينبغي لحامل القرآن ألا يكون له إلى أحد حاجة، ولا إلى الخلفاء، فمن دونهم، فينبغي أن تكون حوائج الخلق إليه. وقال بعض السلف: إن العبد ليفتتح سورة، فتصلي عليه الملائكة حتى يفرغ منها. وإن العبد ليفتتح سورة فتلعنه الملائكة حتى يفرغ منها. فقيل له: وكيف ذلك؟ فقال: إذا أحلَّ حلالها، وحرَّم حرامها، صلَّتْ عليه، وإلا لعنته. وقال بعض العلماء: إن العبد ليتلو القرآن فيلعن نفسه، وهو لا يعلم، يقول: {أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود:18]، وهو ظالم نفسه! ألا لعنة الله على الكاذبين، وهو منهم! وقال الحسن: إنكم اتخذتم قراءة القرآن مراحل، وجعلتم الليل جَمَلًا، فأنتم تركبونه، وتقطعون به مراحل، وإنَّ من كان قبلكم رأوه رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل، وينفذونها بالنهار! وقال ميسرة: الغريب هو القرآن في جوف الفاجر! وإنما كان غريبًا؛ لأنه في واد، وأخلاق حامله وأعماله في واد آخر! وقال أبو سليمان الداراني: الزبانية أسرع إلى حملة القرآن، الذين يعصون الله عز وجل؛ منهم إلى عبدة الأوثان، حين عصوا الله سبحانه بعد القرآن! وقال بعض العلماء: إذا قرأ ابن آدم القرآن ثم خلَّط (أي أساء في عمله) ثم عاد فقرأ، قيل له: ما لك ولكلامي وأنت معرِضٌ عني؟! وقال ابن الرماح: ندمتُ على استظهاري القرآن؛ لأنه بلغني أن أصحاب القرآن يُسألون عمَّا يسأل عنه الأنبياء يوم القيامة!. ولا غرو أن كان قُرَّاء القرآن من الصحابة أول الناس في صفوف الصلاة في المسجد، وأول الناس في صفوف الجهاد في الميدان، وأول الناس فعلًا للخير في المجتمع. في بعض معارك الفتح الإسلامي كان المنادي ينادي: يا أصحاب سورة البقرة، بطل السِّحْر اليوم! كما في معركة اليمامة الشهيرة والحاسمة في حروب الردة، وقتال مسيلمة الكذاب وجماعته. وقال حذيفة في ذلك اليوم المشهود: يا أهل القرآن، زيِّنوا القرآن بالفعال. وقال سالم مولى أبي حذيفة يوم اليمامة — وقد قال له المهاجرون، وهو حامل لوائهم: إنا نخاف أن نؤتى من قبلك —: بئس حامل القرآن أنا إن أتيتم من قبلي! وفي معركة اليمامة — في حروب الردة — مع مسيلمة الكذاب، قُتِل عدد كبير من القرَّاء؛ لأنهم كانوا في المقدمة دومًا، حتى قيل: إنهم نحو سبعمائة. وهذا ما دعا إلى جمع القرآن وتدوينه خشية ذهاب القُرَّاء في معارك الجهاد. وكانت طريقة حفظهم للقرآن تُعينهم على العمل به، فلم يكن همهم مجرد حفظ الألفاظ، بل فهم المعاني والالتزام بها أمرًا ونهيًا. ذكر الإمام أبو عمرو الداني في كتابه (البيان) بإسناده عن عثمان وابن مسعود وأبيٍّ رضي الله عنهم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُقرئهم العشر (آي من الآيات) فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى، حتى يتعلموا ما فيها من العمل. قالوا: فيعلمنا القرآن والعمل جميعًا. وروى عبد الرزاق في مصنَّفه عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي قال: كنَّا إذا تعلَّمنا عشر آيات من القرآن لم نتعلَّم العشر التي بعدها، حتى نعرف حلالها وحرامها، وأمرها ونهيها. وفي موطأ مالك: أنه بلغه أن عبد الله عمر مكث على سورة البقرة ثماني سنين يتعلَّمها. وما ذلك إلا لأنه يتعلمها ليعمل بما حوته من أحكام، فيأتمر بأوامرها، وينتهي عن نواهيها، ويقف عند حدود الله فيها. ولهذا قال ابن مسعود: إنا يصعب علينا حفظ القرآن، ويسهل علينا العمل به، وإن مَن بعدنا يسهل عليهم حفظ ألفاظ القرآن، ويصعُب عليهم العمل به. وعن ابن عمر قال: كان الفاضل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر هذه الأمة، لا يحفظ من القرآن إلا السورة ونحوها، ورزقوا العمل بالقرآن، وإن آخـــر هذه الأمة يقرؤون القرآن، منهم الصبي والأعمى، ولا يرزقون العمل به!
3578
| 18 يوليو 2014
الدوحة - بوابة الشرق المؤلف : الشيخ يوسف القرضاوي الكتاب: أدب المسلم مع الله والناس والحياة الحلقة الرابعة عشر الرجاء في رحمة الله والخوف من عذابه:من العبادات القلبية: الرجاء في رحمة الله تعالى، فبعض الناس ينظر إلى جانب، فيُغَلِّبُه على الله عز وجل، مع أنه تعالى هو الذي يُعرِّفنا بحقائق صفاته، كما هي، وهي كلها تنحو منحى الوسط المعتدل، فمن الناس من يظن أن الله سبحانه هو القوي المتين، ذو البطش الشديد، الذي لا يعجز عن شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو الذي يأخذ الكفرة والعصاة أخذ عزيز مقتدر، وينزل عليهم سخطه، ويصب عليهم عذابه ونقمه. وينسى الجانب الآخر من صفاته سبحانه وتعالى، وهو: أنه {الْغَفُورُ الْوَدُودُ} [البروج:14]. {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر:53]. {قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف:156].والواجب على المسلم الذي يحب أن يعرف الله معرفة حقيقية صادقة: أن يجمع كل الآيات والنصوص التي تصف الله تبارك وتعالى، ويضمها بعضها إلى بعض؛ ليعرف من الجميع حقيقة ما وصف الله تعالى به نفسه، ووصفه به رسولُه.ولذلك نقول للذين يصفون الله تعالى بأنه الكبير المتعال، المتكبِّر الجبار، القوي القدير، الذي إذا أراد شيئًا قال له: كُن فيكون: يجب أن تعلموا أنه كذلك هو الغفور الرحيم، البَر الكريم، العليم الحكيم، الذي هو خير الرازقين، وأرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، وخير الغافرين، الذي وسعت رحمته كل شيء، وسبقت رحمته غضبه، فلا بد لنا أن نضع هذه الصفات كما وضعها القرآن، كما قال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة:98]. {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} [الرعد:6] {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء:110]. {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [النساء:147]. وقال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء:57]. {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر:9]. وهكذا ترى القرآنَ دائمًا يجمع بين التحريك والتسكين، والتخويف والتأمين، حتى في بعض الكلمات يقول عز وجل: {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} [ق:33]. فقوله: {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ} غير قول "من خشي الجبار" أو "القهار". يدل على أنه يريد إدخال اسم الرحمن في الخشية، ليكون التأمين والتخويف في الكلمة نفسها.وهذا هو أدب القرآن دائمًا، كما في قوله تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [الحجر:49-50]. وقال: {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [غافر:3]. وقال تعالى: {وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ} [الحديد:20].وهكذا نجد كثيرًا من العبادات القلبية التي دعا إليها القرآن، وأمر أهل الإيمان أن يلتزموا بها، فيجعلوها من مقومات سلوكهم، ومن أركان حياتهم، من الرضا عن الله، والتوكل عليه، وخشية لقائه، وخوف حسابه، أو حب المرء لا يحبه إلا لله، وبُغضه المرءَ لا يبغضه إلا لله، والتجالس في الله، والتزاور في الله، كما في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله، فمن هذه الأصناف السبعة نجد: "ورجلان تحابَّا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه"( ).ذروة الأدب أدب الرسل مع الله:وذروة الأدب: الأدب مع الله جل شأنه: أدب العبد مع ربه، أدب المخلوق مع خالقه، أدب المُحْدَث الفانِي مع الأزليِّ الباقي، وخصوصًا ما سجَّله القرآن لرسل الله تعالى وأنبيائه وأوليائه، إذا سألوا الله تعالى أو خاطبوه، أو تعبدوا له.أدب أيوب عليه السلام مع ربه:انظر إلى أدب أيوب، حين ابتُلي بالمرض، وطال عليه، كما في قوله تعالى: {وَأيُّوْبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء:83]. فوصف حاله ولم يبالغ في تبشيع ما أصابه؛ لأنه من الله في واقع الأمر، بل قال: {مَسَّنِيَ الضُّرُّ}، والتعبير بـ(مسني) فيه تلطف، وهو مجرد من أي شكوى أو أي طلب، ثم أثنى على ربه بأنه {أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}، وهذه من العبارات التي ذُكِرت في القرآن، بلسان الأنبياء: إبراهيم ويعقوب ويوسف وموسى عليهم السلام، ومعها {خَيرُ الرَّاحِمِيْنَ}. ولم يصرح أيوب بما يريد، أدبًا مع الله تعالى، كما قال القائل: علمه بحالي، يغني عن صريح سؤالي!أدب موسى عليه السلام:وقريب من ذلك مناجاة موسى لربه في غربته في أرض مدين، التي رحل إليها من مصر ماشيًا على قدميه، بعد أن سقى للمرأتين مروءةً منه، ثم أَوَى إلى الظل، فقال: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص:34]. أبدى فقره إلى الله، وإلى ما عنده من خير، ولم يطلب منه شيئًا، حياءً من ربه.أدب ذي النون عليه السلام:ومن هذا الأدب العالي: قولُ ذي النون، حين التقمه الحوت، فنادى في الظلمات: ظلمة البحر، وظلمة الليل، وظلمة بطن الحوت: {أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87]، فاكتفى في هذه الآية الموجزة بإثبات ثلاث حقائق:بإثبات التوحيد، والتنزيه لربه، والاعتراف بالظلم على نفسه، ولم يسأل النجاة مما هو فيه، أدبًا مع ربه جل وعلا، ولكن الله استجاب له، وإن لم يسأل بلسانه، وإنما سأل بلسان حاله وفاقته، {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء:88]. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعوة أخي ذي النون، ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربته: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين".أدب إبراهيم عليه السلام:وإبراهيم خليل الرحمن، يثني على ربه رب العالمين، فيقول: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء:78-80]. أدبًا مع الله تعالى، فنسب إليه الشفاء، ولم ينسُب إليه الأمراض؛ لم يقل: (والذي هو يمرضني ويشفين). كما أنه جعل المرض عرضًا طارئًا، فعلَّقه على الشرط {إِذَا مَرِضْتُ} ولم يجعله أمرًا ثابتًا متجددًا كالإطعام والسقاية.وقد تكرَّر في القرآن على ألسنة الأنبياء والمؤمنين نسبة الخير إلى الله تعالى، ونسبة الشر إلى غيره. أو بناء الفعل للمجهول فيما يخص الشر، كما ذكر القرآن عن مؤمني الجن أنهم قالوا: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} [الجن:10].أدب المسيح عيسى عليه السلام:ومن أدب النبوة مع الألوهية: أدب عيسى مع ربه يوم القيامة، إذا سأله {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} [المائدة:116]. ولم يقل: (لم أقل). {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المائدة:117]. بيَّن براءته من كل ما اتهمه به الظالمون. ثم قال: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة:118]. أي: التعذيب والإثابة من شأنك مع عبادك، لا يشاركك أحد في أمرهم، ولا ينازع في شأنهم، وإن تغفر لهم فأنت تغفر غفران صاحب العزة والقدرة، وصاحب الحكمة الذي يضع كل شيء في موضعه.أدب المؤمنين بعضهم مع بعض:ومن أدب المؤمنين مع الله ما حكاه القرآن عن الربانيين الذين قُتِل منهم من قُتِل في سبيل الله، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا. {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [آل عمران:147].فكان من أدبهم أن قدَّموا اعترافهم لربهم بذنوبهم، وإسرافهم في أمرهم، طالبين المغفرة من مولاهم، ثم سألوا ربَّهم بعد ذلك التثبيت والنصر، أي إنهم اتهموا أنفسهم أولًا بالتقصير، بدل أن يتهموا الأقدار بالتخلي عنهم.إسناد العبد الخيرَ والطاعة إلى ربِّه والشرَّ والمعصية إلى نفسه:ومن أدب التخاطب مع الله: أن يسند المعصية إلى نفسه، ويسند الطاعة إلى فضل ربه وتوفيقه، ولا يكون كالذي قال فيه بعض علماء السلف: أنت في المعصية جَبْريٌّ، وفي الطاعة قَدَريٌّ! يريد أنه إذا انزلق في المعصية، ووسوست له نفسه بعمل السوء، وغرَّته الحياة الدنيا، وغرَّه بالله الغرور، لا يلوم نفسه، بل يقول: قدره الله عليَّ، وهو مكتوب في الأزل لا مهرب منه، هكذا أراد الله لي.. إلى آخر هذه العبارات، التي مجملها تبرئة نفسه، وتحميل الأقدار نتيجة ما فعل.أما في حال الطاعة، فلسانه لسان القدَرِية- يعني: المعتزلة – الذين يقولون: إن المكلَّف هو خالق أفعال نفسه، فهو هنا يقول: أنا صليتُ، وأنا صُمتُ، وأنا بذلتُ، وأنا أنفقتُ. ناسيًا أو متناسيًا توفيق ربه، ولطفَه وعونه وإمداده، حتى يسَّر له ما عمل من خير.وإن الأدب مع الله على عكس هذا النوع من الخلق، فما وفَّق الله إليه من عمل قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف:43]. كما قال يوسف عليه السلام بعد أن علَّم صاحبيه في السجن بعض الأشياء: {ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} [يوسف:37- 38].فانظر كيف بدأ حديثه بقوله: {ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي}. وأنهاه بقوله: {ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ}.وأما ما زلَّت فيه قدما العبد من معصية الله تعالى، سواء أكانت من معصية الجوارح أم من معاصي القلوب، فإنما يرجع ذلك إلى ظلم نفسه، وسوء اختياره، ونسيانه لربه، كما رأينا ذلك في موقف أبينا آدم وزوجه، بعد أن أكلا من الشجرة {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف:23]. وكذلك قال موسى بعد أن وكز الرجل القبطي فقضى عليه: {قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} [القصص:15-16].وبعد ذلك اختاره الله وبعثه إلى فرعون وقومه، وهنالك قال له بنو إسرائيل لما كانوا في التيه في الصحراء: {فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا}. فانظر إلى قولهم: {فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ}. وكأنما ليس هو ربهم، إنما هو ربه وحده. ونسوا ما نزَّل الله عليهم في هذه الصحراء من المنِّ والسلوى. (المن هو: الكمْأة أو ما يسمونه في بلاد الخليج: الفِجْع. والسلوى: الطيور المهاجرة التي تأتي في مجموعات غفيرة).وبذلك تشبَّهوا بالكفرة من فرعون وملئه، الذين قالوا حين وقع عليهم الرجز والعذاب: {يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الأعراف:134].ومن ذلك قولهم: {يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [البقرة:55].ومن ذلك: أنهم حين قال لهم موسى: {ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [المائدة:21]. لم يسمعوا لنبيهم، ولم يستجيبوا لدعائه، رغم أنه قال عن الأرض: {الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}. ورغم أنه حذَّرهم من النكوص والارتداد على أدبارهم، قالوا: {إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ}. ورغم تحريض رجلين منهم ممن يخشى الله على الدخول، وأنهم غالبون بإذن الله إذا اقتحموا عليهم الباب، وإذا توكلوا على الله، {قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة:23]. ولكن القوم رفضوا النصح، وأعلنوا موقفهم المخزي بصراحة غريبة: {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون}. انظر إلى سوء الأدب في تعبيرهم {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا}! على خلاف ما قاله أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر: "لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}. ولكن: اذهب أنت وربك فقاتلا إنَّا معكما مقاتلون". ولا غرو أن قال موسى لربه شاكيًا آسيًا أسِفًا، {قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}. القوم الفاسقون هم قومه بنو إسرائيل الذين عصوه ولم يطيعوه، وخذلوه ولم ينصروه، ومن هنا استحقوا أن يصدر عليهم الحكم الإلهي من فوق سبع سماوات: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة:21-26].
6958
| 11 يوليو 2014
المؤلف : الشيخ يوسف القرضاوي الكتاب: أدب المسلم مع الله والناس والحياة الحلقة: السابعة أهمية الاشتغال بعلم طريق الآخرة يقول الامام أبو حامد الغزالى فى مقدمة كتابه الكبير احياء علوم الدين ردًّا على بعض العاذلين المبالغين فى عذلهم من بين زمرة الجاحدين المسرفين فى التقريع والانكار، من بين طبقات المنكرين الغافلين: فلقد حلَّ عن لسانى عقدة الصمت، وطوَّقنى عهدة الكلام، وقلادة النطق: ما أنت مثابر عليه من العَمَى عن جَلِيَّة الحقِّ، مع اللَّجَاج فى نُصرة الباطل، وتحسين الجهل، والتَّشغيب على من آثَر النزوع قليلًا عن مراسم الخلق، ومال ميلًا يسيرًا عن ملازمة الرسم، الى العمل بمقتضى العلم، طمعًا فى نيل ما تعبَّده الله تعالى به من تزكية النفس، واصلاح القلب، وتداركًا لبعض ما فَرَط من اضاعة العُمُر، يائسًا عن تمام حاجتك فى الحيرة. ولعَمْري، انه لا سبب لاصرارك على التكبُّر، الا الداء الذى عمَّ الجمَّ الغفير، بل شمل الجماهير، من القصور عن ملاحظة ذَروة هذا الأمر، والجهل بأن الأمر ادٌّ، والخطب جِدُّ، والآخرة مُقبلة، والدنيا مُدبرة، والأجل قريب، والسفر بعيد، والزاد طفيف، والخطر عظيم، والطريق سدٌّ، وما سوى الخالص لوجه الله من العلم والعمل عند الناقد البصير ردٌّ، وسلوك طريق الآخرة، مع كثرة الغوائل، من غير دليل ولا رفيق؛ متعب ومُكِدٌّ، فأدلَّة الطريق هم العلماء، الذين هم ورثة الأنبياء، وقد شَغَر منهم الزمان، ولم يبق الا المترسِّمون، وقد استحوذ على أكثرهم الشيطان، واستغواهم الطغيانُ، وأصبح كل واحدٍ بعاجل حظِّه مشغوفًا، فصار يرى المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، حتى ظل علم الدين مندرسًا، ومنار الهدى فى أقطار الأرض منطمسًا، ولقد خيَّلوا الى الخلق أن لا علم الا فتوى حكومة، تستعين بالقضاة على فصل الخصام، عند تهاوُش الطِّغَام، أو جدلٌ يتدرَّع به طالب المُباهاة الى الغلبة والافحام، أو سجع مُزخرف يتوسَّل به الواعظ الى استدراج العوام، اذ لم يروا ما سوى هذه الثلاثة مَصيدة للحرام، وشبكة للحطام. فأما علم طريق الآخرة، وما درج عليه السلف الصالح مما سمَّاه الله سبحانه فى كتابه: فقهًا وحكمة، وعلمًا وضياء، ونورًا وهداية ورشدًا، فقد أصبح من بين الخلق مطويًا، وصار نَسْيًا مَنْسِيًّا. ولما كان هذا ثَلْمًا فى الدين مُلِمًّا، وخطبًا مُدلهمًّا، رأيت الاشتغال بتحرير هذا الكتاب مهمًّا، احياء لعلوم الدين، وكشفًا عن مناهج الأئمة المتقدمين، وايضاحًا لمباهى العلوم النافعة عند النبيين، والسلف الصالحين. وقد أسَّسْتُه على أربعة أرباع وهي: ربع العبادات، وربع العادات، وربع المهلكات، وربع المنجيات. وصدَّرت الجملة بكتاب العلم؛ لأنه غاية المهمِّ، لأكشف أولًا عن العلم الذى تعبَّد الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم الأعيان بطلبه، اذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "طلب العلم فريضة على كل مسلم". وأميز فيه العلمَ النافع من الضارِّ، اذ قال صلى الله عليه وسلم: "نعوذ بالله من علم لا ينفع" . وأحقِّقُ ميل أهل العصر عن شاكلة الصواب، وانخداعهم بلامعِ السَّراب، واقتناعهم من العلوم بالقِشْر عن اللُّبَاب. قال: ولقد صنف الناس فى بعض هذه المعانى كُتَبًا، ولكن يتميز هذا الكتاب عنها بخمسة أمور، الأول: حَلُّ ما عقدوه، وكشف ما أجملوه. الثاني: ترتيب ما بدَّدوه، ونظم ما فرَّقوه. الثالث: ايجاز ما طوَّلوه، وضبط ما قرَّروه. الرابع: حذف ما كرَّروه، واثبات ما حرَّروه. الخامس: تحقيق أمور غامضة اعتاصت على الأفهام، لم يتعرض لها فى الكتب أصلًا، اذ الكلُّ وان تواردوا على منهج واحد، فلا مستنكر أن يتفرد كل واحد من السالكين بالتنبيه لأمر يخصُّه، ويغفل عنه رفقاؤه، أو لا يغفل عن التنبيه، ولكن يسهو عن ايراده فى الكتب، أو لا يسهو ولكن يصرفه عن كشف الغطاء عنه صارف. فهذه خواصُّ هذا الكتاب، مع كونه حاويًا لمجامع هذه العلوم. وقال عليه الصلاة والسلام: "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، فخيارهم فى الجاهلية خيارهم فى الاسلام اذا فقهوا" . وانظرْ ما يذكره العلماء غير المتخصصين فى علوم الحديث من أحاديثَ كثيرة ضعيفة فى فضل العلم، تُقرِّب لنا مدى ما عند هؤلاء العلماء، الذين كثيرًا ما يكونون علماء كبارًا، بل أئمة فى اختصاصاتهم الفقهية والأصولية والأخلاقية وغيرها. ولا بأس أن نذكر هنا بعض ما ذكره الامام الغزالى فى الاحياء من الأحاديث الضعيفة، التى يهتم بها كثير من العلماء فى فضائل الأشياء، وفى الترغيب والترهيب ونحوها: قال صلى الله عليه وسلم: "يوزن يوم القيامة مداد العلماء بدم الشهداء" . وقال صلى الله عليه وسلم: "من حفظ على أمتى أربعين حديثًا من السنة حتى يؤديها اليهم؛ كنتُ له شفيعًا، وشهيدًا يوم القيامة" . وقال صلى الله عليه وسلم: "من تفقَّه فى دين الله عز وجل كفاه الله تعالى ما أهمَّه، ورزقه من حيث لا يحتسب" . وقال صلى الله عليه وسلم: "أوحى الله عز وجل الى ابراهيم عليه السلام: يا ابراهيم، انى عليمٌ أحبُّ كلَّ عليم" . وقال صلى الله عليه وسلم: "العالم أمين الله سبحانه فى الأرض" . وقال صلى الله عليه وسلم: "صنفان من أمَّتى اذا صلَحوا صَلَح الناس، واذا فسدوا فسد الناس: الأمراء، والفقهاء" . وقال صلى الله عليه وسلم فى تفضيل العلم على العبادة والشهادة: "فضل العالم على العابد كفضلى على أدنى رجل من أصحابي" . فانظر كيف جُعِل العلم مقارنًا لدرجة النبوة، وكيف حَطَّ رُتبة العمل المجرد عن العلم، وان كان العابد لا يخلو عن علم بالعبادة التى يواظب عليها، ولولاه لم تكن عبادة؟ وقال صلى الله عليه وسلم: "فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب" . وقال صلى الله عليه وسلم: "خير دينكم أيسره، وخير العبادة الفقه" . وقال صلى الله عليه وسلم: "فُضِّل المؤمن العالم على المؤمن العابد بسبعين درجة" . وقال صلى الله عليه وسلم: "انكم أصبحتم فى زمنٍ كثيرٌ فقهاؤه، قليلٌ قُرَّاؤه وخطباؤه، قليلٌ سائلوه، كثيرٌ مُعطوه، العمل فيه خير من العلم. وسيأتى على الناس زمان قليلٌ فقهاؤه، كثيرٌ خطباؤه، قليلٌ معطوه، كثيرٌ سائلوه، والعلم فيه خيرٌ من العمل" . وقال صلى الله عليه وسلم: "بين العالم والعابد مائة درجة، بين كل درجتين حَضَرُ الجوادِ المضمَّرِ سبعينَ سنةً". وقيل: يا رسول الله، أيُّ الأعمال أفضل؟ فقال: "العلم بالله عز وجل". فقيل: أيُّ العلم تريد؟ قال صلى الله عليه وسلم: "العلم بالله سبحانه". فقيل له: نسأل عن العمل وتجيب عن العلم! فقال صلى الله عليه وسلم: "ان قليلَ العملِ ينفع مع العلم بالله، وان كثير العمل لا ينفع مع الجهل بالله". وقال صلى الله عليه وسلم: "يبعث الله سبحانه العِباد يوم القيامة، ثم يبعث العلماء، ثم يقول: يا معشر العلماء، انى لم أضع علمى فيكم الا لعلمى بكم، ولم أضع علمى فيكم لأعذِّبَكم، اذهبوا فقد غفرت لكم" . نسأل الله حُسن الخاتمة. فضل العلم عند الصحابة والعلماء: قال على بن أبى طالب رضى الله عنه لكُميل: يا كُمَيل، العلم خيرٌ من المال، العلم يحرُسك وأنت تحرُس المال، والعلم حاكم والمال محكوم عليه، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو بالانفاق . وقال على أيضًا رضى الله عنه: العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد، واذا مات العالم انثلم فى الاسلام ثُلْمة لا يسدها الا خَلَفٌ منه . وقال رضى الله عنه نظمًا: ما الفخر الا لأهل الـعـلم انهمُ على الهدى لمن استهدى أدلَّاءُ وقدْر كلِّ امرئٍ ما كان يحسـنه والجـاهلون لأهل العلم أعداءُ ففُزْ بعـلمٍ تـعشْ حـيًّا به أبدًا الناس موتى وأهل العلم أحياءُ وقال أبو الأسود: ليس شيءٌ أعزَّ من العلم، الملوك حُكَّام على الناس، والعلماء حُكَّام على الملوك . نظم هذا المعنى بعض الشعراء فقال: ان الأكابر يحكمون على الورى وعلى الأكابر يحكم العلماء! وقال ابن عباس رضى الله عنهما: خُيِّر سليمان بن داود عليهما السلام بين العلم والمال والمُلك، فاختار العلم، فأُعطى المالَ والملك معه . وسُئل ابن المبارك: مَنِ الناسُ؟ فقال: العلماء. قيل: فمَن الملوكُ؟ قال: الزهَّاد. قيل: فمَن السَّفِلة؟ قال: الذين يأكلون الدنيا بالدين! . ولم يجعل غير العالم من الناس؛ لأن الخاصية التى يتميز بها الناس عن سائر البهائم هى العلم؛ فالانسان انسان بما هو شريف لأجله، وليس ذلك بقوة شخصِه، فان الجمل أقوى منه، ولا بعِظَمه؛ فان الفيل أعظمُ منه، ولا بشجاعته فان السَّبُع أشجعُ منه، ولا بأكله فان الثور أوسع بطنًا منه، ولا ليجامعَ؛ فان أخسَّ العصافير أقوى على السِّفَاد منه، بل لم يُخلق الا للعلم. وقال بعض العلماء: ليتَ شِعْرى أى شيءٍ أدرك مَن فاته العلم؟ وأى شيء فاته من أدرك العلم؟ وقال فتح الموصلى رحمه الله: أليس المريض اذا منع الطعام والشراب والدواء يموت؟ قالوا: بلى. قال: كذلك القلب اذا منع عنه الحكمة والعلم ثلاثةَ أيامٍ يموت. ولقد صدق، فان غذاء القلب العلم والحكمة، وبهما حياته، كما أن غذاء الجسم الطعام، ومن فقد العلم فقلبُه مريض، وموته لازم، ولكنه لا يشعر به؛ اذ حب الدنيا وشغله بها أبطل احساسه؛ كما أن غلبة الخوف قد تبطل ألمَ الجراح فى الحال، وان كان واقعًا؛ فاذا حطَّ الموت عنه أعباء الدنيا أحسَّ بهلاكه، وتحسر تحسُّرًا عظيمًا، ثم لا ينفعه، وذلك كاحساس الآمِنِ خَوْفَه، والمُفيق من سُكره بما أصابه من الجراحات فى حالة السكر أو الخوف، فنعوذ بالله من يوم كشف الغطاء، فان الناس نيام، فاذا ماتوا انتبهوا. وقال الحسن رحمه الله: يوزن مِداد العلماء بدم الشهداء، فيرجُح مدادُ العلماء بدم الشهداء. وقال ابن مسعود رضى الله عنه: عليكم بالعلمِ قبل أن يُرفع، ورفعه موتُ رُواته، فوالذى نفسى بيده، ليودَّنَّ رجال قُتلوا فى سبيل الله شهداءَ أن يبعثهم الله علماءَ، لما يرون من كرامتهم، فان أحدًا لم يولد عالمًا، وانما العلم بالتعلم . وقال ابن عباس رضى الله عنها: تذاكُرُ العلمِ بعضَ ليلة أحبُّ اليَّ من احيائها . وكذلك عن أبى هريرة رضى الله عنه وأحمد بن حنبل رحمه الله . وقال الحسن فى قوله تعالى: {رَبَّنَا آتِنَا فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى الْآخِرَةِ حَسَنَةً} [البقرة:201]: ان الحسنة فى الدنيا هى العلم والعبادة، وفى الآخرة هى الجنة. وقيل لبعض الحكماء: ايُّ الأشياء تقتنى؟ قال: الأشياء التى اذا غرِقتْ سفينتُكَ سبَحَتْ معك. يعنى العلمَ. وقيل: أراد بغرق السفينة: هلاك بدنه بالموت. وقال بعضهم: من اتخذ الحكمة لِجامًا، اتخذه الناس امامًا، ومن عرف بالحكمة، لاحظته العيون بالوقار. وقال الشافعى رحمة الله عليه: من شرفِ العلم: أن كل من نُسِب اليه ولو فى شيء حقير فرح، ومن رُفِع عنه حزن. وقال عمر رضى الله عنه: يا أيها الناس! عليكم بالعلم، فان لله سبحانه رداء يحبه، فمن طلبَ بابًا من العلم ردَّاه الله عز وجل بردائه، فان أذنب ذنبًا استعتَبَه ثلاثَ مرات، لئلَّا يسلبه رداءه ذلك، وان تطاول به ذلك الذنب حتى يموت . وقال الأحنف رحمه الله: كاد العلماء أن يكونوا أربابًا، وكلُّ عِزٍّ لم يُوَطَّد بعلم، فالى ذُل مصيرُه . وقال سالم بن أبى الجعد: اشترانى مولاى بثلاثمائة درهم، وأعتقني، فقلت: بأى شيء أحترفُ؟ فاحترفت بالعلم، فما تمَّت لى سنة، حتى أتانى أمير المدينة زائرًا، فلم آذَنْ له! وقال الزبير بن أبى بكر: كتب اليَّ أبى بالعراق: عليك بالعلم، فانك ان افتقرتَ كان لك مالًا، وان استغنيتَ كان لك جمالًا . وحُكِيَ ذلك فى وصايا لقمان لابنه، قال: يا بني، جالسِ العلماء، وزاحمْهم بركبتيك، فان الله سبحانه يُحيى القلوب بنور الحكمة، كما يُحيى الأرض بِوَابل السماء . وقال بعض الحكماء: اذا مات العالم بكاه الحوت فى الماء، والطير فى الهواء، ويُفقد وجهُه، ولا يُنسى ذكرُه. وقال الزهرى رحمه الله: العِلْم ذَكَر، ولا تحبه الا ذُكران الرجال! فضيلة التعلم: أما الآيات فقوله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِى الدِّينِ} [التوبة:122]. وقوله عز وجل: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ اِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل:43]. وأما الأخبار فقوله صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا، سلك الله به طريقًا الى الجنة" . وقال صلى الله عليه وسلم: "ان الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاء بما يصنع" . وقال صلى الله عليه وسلم: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" . وقال عليه الصلاة والسلام: "العلم خزائن مفاتيحها السؤال، ألا فاسألوا؛ فانه يؤجر فيه أربعة: السائل، والعالم، والمستمع، والمحب لهم" . وقال صلى الله عليه وسلم: "لا ينبغى للجاهل أن يسكت على جهله، ولا للعالم أن يسكت على علمه" . فضيلة التعلم عند الصحابة والعلماء: وأما الصحابة ومن اتَّبعهم باحسان، فقال ابن عباس رضى الله عنهما: ذلَلْتُ طالبًا، فعزَزتُ مطلوبًا . وكذلك قال ابن أبى مليكة رحمه الله: ما رأيت مثل ابن عباس، اذا رأيتَه رأيتَ أحسنَ الناس وجهًا، واذا تكلم فأعربُ الناس لسانًا، واذا أفتى فأكثرُ الناس علمًا. وقال ابن المبارك رحمه الله: عجبتُ لمن لم يطلب العلم كيف تدعوه نفسه الى مكرُمة؟ وقال بعض الحكماء: انى لا أرحم رجالًا كرحمتى لأحد رجلين: رجل يطلب العلم ولا يفهم، ورجل يفهم العلم ولا يطلبه. وقال أبو الدرداء رضى الله عنه: لأن أتعلَّم مسألةً أحبُّ اليَّ من قيام ليلة. وقال أيضًا: كن عالمًا أو متعلمًا أو مستمعًا، ولا تكن الرابع فتهلِك . وقال عطاء: مجلس علم يكفِّر سبعين مجلسًا من مجالس اللهو. وقال الشافعى رضى الله عنه: طلب العلم أفضل من النافلة . وقال ابن عبد الحَكَم رحمه الله: كنتُ عند مالك أقرأ عليه العلم، فدخل الظهر، فجمعتُ الكتبَ لأصلي، فقال: يا هذا، ما الذى قمت اليه بأفضل مما كنت فيه اذا صحَّتِ النية . يعني: قيامه للنافلة. وقال أبو الدرداء رضى الله عنه: من رأى أن الغُدُوَّ الى طلب العلم ليس بجهاد فقد نقص فى رأيه وعقله.
5108
| 04 يوليو 2014
قال سهل بن هارون يومًا وهو عند المأمون: مِن أصناف العلم ما لا ينبغي للمُسلمين أن يَرْغبوا فيه، وقد يُرغَب عن بعض العِلم، كما يُرغب عن بَعض الحلال؛ فقال المأمون: قد يُسمِّي بعضُ الناسِ الشيءَ عِلمًا وليس بعلمِ، فإن كان هذا أردتَ فوَجْهُه الذي ذَكرتُ؛ ولو قلتَ أيضًا: إِنّ العلم لا يُدْرَك غوْرُه، ولا يُسْبر قَعْره، ولا تُبلَغُ غايتُهُ، ولا تُستقَى أُصولُه، ولا تَنْضَبط أجزاؤُه؛ صدقتَ. فإن كان الأمر كذلك؛ فابدأ بالأهمِّ فالأهمِّ، والأوكد فالأوكد، وبالفَرْض قبل النَّفل، يكُنْ ذلك عَدْلًا قصدًا ومذْهبًا جَمِيلًا. وقد قال بعضُ الحُكماء: لستُ أَطلبُ العلْم طمعًا في غايته، والوقوف على نِهايته، ولكن التماسَ ما لا يسع جَهلُه؛ فهذا وَجهٌ لما ذكرت. وقال آخرون: عِلْم المُلوك النَّسَبُ والخَبَر، وعِلمُ أصحاب الحُروب درْسُ كُتبِ الأيَّام والسِّير، وعِلم التجَّار الكِتابُ والحِساب، فأما أن يُسمَّى الشيءُ عِلمًا، ويُنهى عنه من غير أن يُسأل عما هو أنفع منه، فلا. وقال محمد بن إدريس (الشافعي) رضي الله عنه: العِلم علمان: عِلم الأبدان، وعِلم الأديان. أراد بعلم الأبدان: الطب بكل فروعه وتخصصاته. وعلم الأديان: علم العقائد والكلام. وهناك علم اللسان، وهو: اللغة وعلومها وآدابها. وهناك علم العمران، وهو علم الشريعة والفقه وأصوله وقواعده ومقاصده. وقال عبد الله بن مُسلم بن قُتيبة: من أراد أن يكون عالمًا فليطلب فنًّا واحدًا، ومن أراد أن يكون أديبًا فَلْيتسع في العلوم. وفي رواية: فليتقنن في العلوم. وهو ما يقال اليوم عن العلم والثقافة. فمن أراد أن يكون عالمًا: أي متخصِّصًا في علم، فليحط به. ومن أراد أن يكون مثقفًا، فعليه أن يأخذ من كل علم طرفًا. (وقال أبو يوسُف القاضي: ثلاثة لا يَسلمون من ثلاثة: مَن طلب الدِّين بالفلسفة لمِ يَسلم من الزَّنْدَقَة، ومَن طلب المالَ بالكِيمياء لم يَسلم من الفَقْر، ومن طلب غرائبَ الحديثِ لم يَسلم من الكذب. وقال ابن سِيرين رحمه الله تعالى: العِلْم أكثرُ من أن يُحاط به، فخُذوا من كلِّ شيء أحسنه. وقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما: كَفَاك من عِلم الدِّين أن تَعرف ما لا يسع جهلُه، وكفاك من عِلم الأدب أن تَرْوِي الشاهدَ والمَثَل، وقالوا: مَن أكثر من النَّحْو حَمَّقه، ومن أكثر من الشعر بَذَّله، ومن أكثر من الفِقه شرَّفه. الحضُّ على طلب العلم قيل لأبي عمرو بن العَلاء: هل يَحْسُن بالشَيخ أن يتعلَّم؟ قال: إن كان يَحسن به أن يعيش فإنه يحسن به أن يتعلم. وقال عُرْوة بن الزُّبير رحمه الله تعالى لبنيه: يا بَنِيَّ، اطلبوا العِلم، فإن تكونوا صِغارَ قومٍ لا يُحتاج إليكم، فعسى أن تكونوا كبارَ قوم آخرين لا يُستغني عنكم. وقال مَلِك الْهِند لولده- وكان له أربعون ولدًا-: يا بَنِي، أكثِروا من النظر في الكتب، وازدادوا في كل يوم حرفًا، فإن ثلاثةً لا يَستوْحشون في غُربةٍ: الفقِيهُ العالِم، والبَطَل الشجاع، والحُلوُ اللسان الكثير مخارج الرأي. وقال المُهَلَّب لبَنِيه: إياكم أن تجلسوا في الأسواق إلا عند زَرَّاد (صانع الدروع) أو وَرَّاق. أراد الزرَّاد للحرب، والورَّاق للعلم. ومَرَّ رجل بعبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر، وهو جالس في المَقْبرة، وبيده كتاب، فقال له: ما أَجلسك هاهنا؟ قال: إنه لا أوْعظَ مِن قبر، ولا أَمتع من كِتاب. أهمية العلم وضرورته: قال القاضي أبو الحسن الماوردي، الفقيه الشافعي رحمه الله تعالى، في بداية كتابه (أدب الدنيا والدين): (إن شرف المطلوب بشرف نتائجه، وعظم خَطَره بكثرة منافعه، وبحسَب منافعه، تجب العناية به، وعلى قدر العناية به، يكون اجتناء ثمرته. وأعظم الأمور خطرًا وقدْرًا، وأعمها نفعًا ورِفْدا، ما استقام به الدين والدنيا، وانتظم به صلاح الآخرة والأولى؛ لأن باستقامة الدين تصح العبادة، وبصلاح الدنيا تتم السعادة. وقد توخَّيت بهذا الكتاب، الإشارة إلى آدابهما، وتفصيل ما أُجمل من أحوالهما، على أعدل الأمرين: من إيجاز وبسْط، أجمع فيه بين تحقيق الفُقهاء، وترقيق الأدباء، فلا ينبو عن فهم، ولا يدقُّ في وهم، مستشهدًا من كتاب الله جل اسمُه بما يقتضيه، ومن سنن رسول الله صلوات الله عليه بما يضاهيه، ثم مُتْبعًا ذلك بأمثال الحكماء، وآداب البلغاء، وأقوال الشعراء؛ لأن القلوب ترتاح إلى الفنون المختلفة، وتسأم من الفن الواحد. وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إن القلوب تملُّ كما تملُّ الأبدان، فأهدوا إليها طرائف الحكمة. فكأن هذا الأسلوبُ؛ يحب التنقل في المطلوب، من مكان إلى مكان. وكان المأمون رحمه الله تعالى، يتنقل كثيرًا في داره، من مكان إلى مكان، وينشد قول أبي العتاهية رحمه الله: فضل العقل وذم الهوى منطق العقل يدعو الإنسان للبحث عن حقيقته، من أين جاء، وجاء العالم من حوله؟ ومن الذي جاء به وخلقه من عدم؟ وإلى من يذهب بعدَ وجودِه؟ وهل للإنسان رسالة فيقوم بها في حياته؟. وهذه الأسئلة هي التي انتهت بالإنسان إلى الدين، وإلى وجود الله، وإلى الدار الآخرة. ومن هنا قال الماوردي في الباب الأول: (في فضل العقل وذم الهوى) في كتاب (أدب الدنيا والدين): (اعلم أن لكل فضيلة أُسًّا، ولكل أدب ينبوعًا. وأسُّ الفضائل، وينبوع الآداب، هو العقل، الذي جعله الله تعالى للدين أصلًا، وللدنيا عمادًا، فأوجب التكليف بكماله، وجعل الدنيا مدبَّرة بأحكامه، وألَّف به بين خلقه، مع اختلاف هممهم ومآربهم، وتبايُن أغراضهم ومقاصدهم، وجعل ما تعبدهم به قسمين: قسمًا وجب بالعقل، فوكَّده الشرعُ، وقسمًا جاز في العقل، فأوجبه الشرع؛ فكان العقل لهما عمادًا. فبقدر عقله، تكون عبادته لربه، أما سمعتم قول الفجَّار (وهم في النار): {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك:10]. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أصلُ الرجل عقلُه، وحسَبُه دينُه، ومروءته خُلُقه. وقال الحسن البصري رحمه الله: ما استودع اللهُ أحدًا عقلًا، إلا استنقذه به يومًا ما. وقال بعض الحكماء: العقل أفضل مرجُوٍّ، والجهل أنكى عدوٍّ. وقال بعض الأدباء: صديق كل امرئ عقله، وعدوه جهله. وقال بعض البلغاء: خير المواهِب العقل، وشر المصائب الجهل. واعلم أن بالعقل تعرف حقائق الأمور، ويفصل بين الحسنات والسيئات. وقد ينقسم إلى قسمين: غريزي ومكتسب. العقل الغريزي والعقل المكتسب: فالغريزي هو العقل الحقيقي، وله حد يتعلق به التكليف، لا يجاوزه إلى زيادة، ولا يقصر عنه إلى نقصان، وبه يمتاز الإنسان عن سائر الحيوان، فإذا تم في الإنسان سُمِّي عاقلًا، وخرج به إلى حد الكمال، وروى الضحَّاك في قوله تعالى: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا} [يس:70]: أي من كان عاقلًا. وأما العقل المكتسب، فهو نتيجة العقل الغريزي، وهو نهاية المعرفة، وصحة السياسة، وإصابة الفكرة، وليس لهذا حد؛ لأنه ينمو إن استعمل، وينقص إن أُهمِل. ونماؤه يكون بأحد وجهين: إما بكثرة الاستعمال إذا لم يعارضه مانع من هوى، ولا صادٌّ من شهوة، كالذي يحصل لذوي الأسنان من الحنكة، وصحة الرويَّة، بكثرة التجارب، وممارسة الأمور. ولذلك حمَدَتِ العرب آراء الشيوخ، حتى قال بعضهم: المشايخ أشجار الوقار، ومناجع الأخبار، لا يطيش لهم سهم، ولا يسقط لهم وهم، إن رأوك في قبيح صدوك، وإن أبصروك على جميل أمدُّوك. وقيل: عليكم بآراء الشيوخ؛ فإنهم إن فقدوا ذكاءَ الطَّبْع، فقد مرت على عيونهم وجوهُ العِبَر، وتصدَّت لأسماعهم آثار الغِيَر. وقيل في منثور الحكم: من طال عمره، نقصت قوة بدنه، وزادت قوة عقله. وقيل فيه: لا تَدَعُ الأيام جاهلًا إلا أدَّبته. وقال بعض الحكماء: كفى بالتجارب تأديبًا، وبتقلُّبِ الأيام عظة. وقال بعض البلغاء: التجربة مرآة العقل، والغِرَّة ثمرة الجهل. وأما الوجه الثاني: فقد يكون بفرط الذكاء، وحُسن الفطنة. وذلك جودة الحَدْس، في زمانٍ غيرِ مهمِلٍ للحَدْس، فإذا امتزج بالعقل الغريزي، صارت نتيجتهما نموُّ العقل المكتسَب، كالذي يكون في الأحداث من وفور العقل، وجودة الرأي، حتى قال هَرِم بن قُطْبة، حين تنافر إليه عامرُ بن الطُّفَيْل، وعلقمة بن عُلَاثة: عليكم بالحديث السنّ، الحديدِ الذهن. ولعل هَرِمًا أراد أن يدفعهما عن نفسه، فاعتذر بما قال، لكن لم ينكرا قوله، إذعانًا للحق، فصارا إلى أبي جهل، لحداثة سنِّه، وحدة ذهنه، فأبى أن يحكم بينهما، فرجعا إلى هَرِم، فحكم بينهما، مشاورة الشباب وقد قالت العرب: عليكم بمشاورة الشباب؛ فإنهم ينتجون رأيًا لم ينله طولُ القِدَم ، ولا استولَتْ عليه رُطُوبة الهَرَم. وقد قال الشاعر: رأيت العقل لم يكن انتهابَا ولم يُقــسَم على عـــــدد السنينا ولو أن السـنين تقــــاســــــمتْهُ حـــــــوى الآبـــــاءُ أنصبـــــةَ البنـــينا وحكى الأصمعي رحمه الله قال: قلت لغلام حَدَث (شابٍّ) من أولاد العرب كان يحادثني، فأمتعني بفصاحة وملاحة: أيسرُّكَ أن يكون لك مائة ألف درهم، وأنت أحمق؟ قال: لا والله. قال: فقلت: ولم؟ قال: أخاف أن يجني عليَّ حمقي جنايةً تَذهب بمالي، ويبقى عليَّ حمقي. فانظر إلى هذا الصبي كيف استخرج بفرط ذكائه، واستنبط بجودة قريحته، ما لعله يدُقُّ على من هو أكبر منه سنًّا، وأكثر تجرِبة. وأحسن من هذا الذكاء والفطنة، ما حكى ابنُ قتيبة، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بصبيان يلعبون، وفيهم عبد الله بن الزبير، فهربوا منه إلا عبد الله، فقال له عمر رضي الله عنه: ما لك؟ لم لا تهربُ مع أصحابك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لم أكن على رِيبَة، فأخافَك، ولم يكن الطريق ضيِّقًا، فأُوسِّعَ لك. فانظر ما تضمَّنه هذا الجواب من الفطنة، وقوة المُنَّة، وحسن البديهة، كيف نفى عنه اللوم، وأثبت له الحُجَّة؛ فليس للذكاء غاية، ولا لجودة القريحة نهاية. اكتمال العقل: فأما إذا اجتمع هذان الوجهان في العقل المكتَسب، وهو ما ينمِّيه فرطُ الذكاء، بجودة الحَدْس، وصحة القريحة بحُسن البديهة، مع ما ينميه الاستعمالُ بطول التجارِب، ومرور الزمان بكثرة الاختبار، فهو العقل الكامل على الإطلاق، وفي الرجل الفاضل الاستحقاق. زيادة العقل المكتسب: قال الماوردي: واختلف الناس في العقل المكتسَب إذا تناهى وزاد، هل يكون فضيلة أم لا؟ فقال قوم: لا يكون فضيلة؛ لأن الفضائل هيئات متوسطة بين فضيلتين ناقصتين، كما أن الخير توسط بين رذيلتَيْن، فما جاوز التوسط خرج عن حد الفضيلة. وقد قالت الحكماء للإسكندر: أيها الملك، عليك بالاعتدال في كل الأمور، فإن الزيادة عيب، والنقصان عجز. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: خير الأمور النمَطُ الأوسطُ، إليه يرجع العالي، ومنه يلحق التالي. قالوا: لأن زيادة العقل تفضي بصاحبها إلى الدهاء والمكر، وذلك مذموم، وصاحبه ملوم. وقد أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبا موسى الأشعري أن يعزل زيادًا عن ولايته، فقال زياد: يا أمير المؤمنين، أعن مَوْجِدة أو خيانة؟ فقال: لا عن واحدة منهما، ولكن خفتُ أن أحمل على الناس فضلَ عقلِكَ. ولأجل هذا المحكيِّ عن عمر، ما قيل قديمًا: إفراط العقل مُضِرٌّ بالجسد. وقال آخرون، وهو أصح القولين: زيادة العقل فضيلة؛ لأن المكتسَبَ غيرُ محدود، وإنما تكون زيادة الفضائل المحمودة نقصًا مذمومًا؛ لأن ما جاوز الحد لا يسمى فضيلة، كالشجاع إذا زاد على حد الشجاعة، نسب إلى التهوُّر؛ والسخيُّ إذا زاد على حد السخاء، نسب إلى التبذير. وليس كذلك حال العقل المكتسَب؛ لأن الزيادة فيه زيادة علم بالأمور، وحسن إصابة بالظنون، ومعرفة ما لم يكن إلى ما يكون، وذلك فضيلة لا نقص. فقوله سديد، وفعله حميد، والجاهل مِن جهلِه في إغواء، ومِن هواه في إغراء، فقوله سقيم، وفعله ذميم. فأما الدهاء والمكر فهو مذموم؛ لأن صاحبه صرف فضل عقله إلى الشر، ولو صرفه إلى الخير لكان محمودًا. وقد ذكر المغيرةُ بن شعبة عمرَ بن الخطاب، فقال: كان- والله- أفضلَ من أن يَخْدَع، وأعقلَ من أن يُخدَع. وقال عمر: لست بالخَبِّ، ولا يخدعني الخَبُّ. واختلف الناس فيمن صرف فضل عقله إلى الشر؛ كزياد (ابن أبيه) وأشباهه من الدهاة: هل يسمى الداهية منهم عاقلًا أو لا؟ فقال بعضهم: أسميه عاقلًا؛ لوجود العقل فيه؛ وقال آخرون: لا أسميه عاقلًا حتى يكون خيِّرا ديِّنًا؛ لأن الخير والدين من موجبات العقل؛ فأما الشرير فلا أسميه عاقلًا، وإنما أسميه صاحب رَوِيَّة وفِكْر. وقد قيل: العاقل من عقل عن الله أمرَه ونهيَه، حتى قال أصحاب الشافعي رضي الله عنه فيمن أوصى بثلث ماله لأعقل الناس: إنه يكون مصروفًا في الزهاد؛ لأنهم انقادوا للعقل، ولم يغتروا بالأمل.
5079
| 01 يوليو 2014
الحمد لله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، وأزكى صلوات الله وتسليماته على من لا نبي بعده، الذي أخلص لله عمله وقصده، وبذل في الدعوة إلى الله جُهده، وتحمل في الثبات على الحق جَهْده، فأعد العدة، وعقد العقدة، ووفى العهدة، وأعطى الزبدة، وعلى آله وصحبه الذين حفظوا عهده، وذكروا وُدّه، وآتاهم الله رشده، وعلى من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين. الإسلام يصحب الكائن الإنساني في أطواره كلها من مهده حتى وفاته.. هناك أحكام شرعية تتعلق بالإنسان قبل أن يولد ويعرف له اسمالكتابكتابنا هذا في فقه الآداب الشرعية، الذي سميناه: (أدب المسلم مع الله والناس والحياة) وهو جزء من كتابنا الكبير: (تيسير الفقه للمسلم المعاصر في ضوء القرآن) والسنة، وهو جزء من الكتاب الأكبر (في فقه الإسلام) كله: عقيدة وشريعة، وفقها للسلوك، أو الطريق إلى الله. الذي يصور شمول المنهج الإسلامي وتنوعه وتوسعه، كما يصور توازنه وتكامله، ووسطيته واستقامته التي أشار إليها القرآن الكريم بقوله: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ* أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ* وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) "الرحمن: 7- 9".شمول الإسلامومن يقرأ ما كتبناه عن أدب المسلم أو عن الآداب الإسلامية المتكاملة، وارتباطها بسائر أنواع السلوك؛ يتبين له بحق: أن الإسلام هو المنهج الذي رسمه اللهُ للمسلمين: أفرادًا وأسرًا وجماعات وأمة، ليسيروا عليه في حياتهم كلها. حياتهم الفردية، وحياتهم الاجتماعية. حياتهم الدينية والروحية، وحياتهم المادية الدنيوية. والذي طلب الله تعالى من المسلم أن يسأل ربه في كل يوم سبع عشرة مرة على الأقل، أن يهديه إليه حين يقرأ الفاتحة في صلواته الخمس: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)، "الفاتحة:6 - 7".هذا الصراط - أو هذا المنهج - يصحب المسلم في رحلة الحياة كلها، من بدايتها إلى نهايتها، مِن لحظة الميلاد إلى ساعة الوفاة، ولهذا وجدنا في الإسلام تشريعاتٍ وتوجيهات، تتعلق بالمولود منذ رؤيته لنور الحياة، مثل: الفرح به، وحمد الله على ولادته بسلام، وتسميته، واختيار أحسن الأسماء له، والاحتفال به، والذبح عنه، وهو ما يُعرف باسم (العقيقة)، وغير ذلك من أحكام، جمعها ابن القيم في رسالة سمَّاها: (تحفة المودود في أحكام المولود). بل هناك أحكام شرعية تتعلق بالإنسان، وهو جنين في بطن أمه، أي قبل أن يولد ويعرف له اسم، كالأحكام التي تتعلق بالمرأة الحامل، والمحافظة على الجنين وعلى حياته، فلا يجوز لها أن تجهض حملها عمدًا، ولو جاء من حرام، فهو لا ذنب له، وإن كان صوم رمضان يضرها أو يضره؛ فلا يجوز لها أن تصوم إلى غير ذلك من الأحكام.الامتداد الطولي للمنهج الإسلاميويظل الإسلام يصحب الكائن الإنساني في أطواره كلها: في مهده ورضاعه وفطامه، وتربيته وتعليمه وتغذيته، وإلهامه وإمداده، وتدريبه في صباه وشبابه، ويفاعته ورجولته، وكهولته وشيخوخته، بما فيها زواجه وإنجابه، ومعاشه وعمله الاجتماعي والاقتصادي، والثقافي والسياسي، حتى يدخل القبر.والأحكام التي تتعلق بالمرض والوفاة معروفة لدى عامة المسلمين، وهي التي تُعرض في الفقه الإسلامي تحت عنوان: (أحكام الجنائز).الامتداد العرضي والأفقي للمنهج الإسلاميوكما يصحب الإسلامُ المسلمَ طُوليًّا، أو رأسيًّا، أو زمنيًّا، عمرَه كله، يصحبه عَرْضيًّا، أو أفقيَّا، أو مكانيًّا– في مجالات حياته كلها كذلك. في البيت، وفي المسجد، وفي المدرسة والجامعة، وفي السوق، وفي المزرعة، وفي المصنع، وفي المكتب، وفي المتجر، يصحبه حين ينام، وحين يستيقظ، وحين يعمل ويكد لدنياه، وحين يلهو ويروِّح عن نفسه، حين يتعبد لربه، وحين يتعامل مع خلقه، وحين يتعلم ويتثقف، وحين يغدو ويروح، وحين يتعب، وحين يستريح. يشعر في ذلك كله أنه ملتزم بمنهج لا يجوز له التخلِّي عنه، أو الانفلات منه، بل يتلو دائمًا قول ربه: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، "الأنعام:161- 162".الامتداد العمقي للمنهج الإسلاميوكما يمتدُّ الإسلام في حياة المسلم طُولًا وعرْضًا، يمتدُّ فيها عُمْقًا، فهو مع المسلم في كل شؤونه وأحواله، المادية والروحية، والفكرية والاجتماعية، والاقتصادية والسياسية، إنه مع المسلم بأوامره ونواهيه، وتشريعاته ووصاياه، في تفكيره وثقافته، وفي عواطفه ومشاعره، في أكْلِه وشُربه، وفي ملْبَسه وفي زِينته، وفي مِشيته وجِلسته، وفي فرَحه وحُزنه، وفي ضَحِكه وبكائه، وفي نومه ويقظته، وفي جِدِّه وهزْله، وفي خَلوته وجَلوته. لا يغفل الإسلام أن الإنسان مخلوق ركبه الله تركيبًا عجيبًا، فهو مخلوق من طين، والطين لا يخلو من الكدر، ولكن الله سوَّاه ونفخ فيه من روحه، حين طلب من الملائكة أن تسجد تحية له، وطرد إبليس من حضرته حين رفض ذلك. وقال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ* فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ* فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ* إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ* قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ* قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ* قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ* وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ* قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ* قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ* إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ* قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ* قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ)، "الحجر: 28- 41".إنه مع المسلم في علاقته بنفسه، وفي علاقته بربه، وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وفي علاقته بأسرته، وفي علاقته بجيرانه وعشرائه، وفي علاقته بمجتمعه وأمته، وفي علاقته بأهل مِلَّته، وفي علاقته بمخالفيه في دينه، وبعلاقته بالعالم من حوله، مسالمين ومحاربين، وبالكون كله أرضه وسماءه، ما يُرى وما لا يرى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)، "النساء:1".إن هذا الدين هو منهج الله للإنسان، أي: للإنسان كله، ما نبصره منه وما لا نبصره.. الإنسان روحًا، والإنسان جسمًا، والإنسان عقلًا، والإنسان وجدانًا، والإنسان إرادة. الإنسان فردًا، والإنسان في أسرة، والإنسان في جماعة، والإنسان في دولة، والإنسان في أمة، والإنسان في محيطه العالمي. فهو يشرِّع له ويوجِّهه في كل أحواله، وفي كافَّة أموره؛ حتى لا يتِيهَ في الدرب، ولا تتفرَّق به السُّبل، كما قال تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، "الأنعام:153".المسلم مقيد بشرع الله في كل حياتهإن المسلم مقَّيد بحدود الله وأحكامِه وتعليماته، في حياته كلها: في ثقافة فكره، وعواطف قلبه، وسلوك جوارحه، وبعبارة أخرى: في اعتقاداته وأفكاره، وشعائر عباداته، وحلاله وحرامه، ومشاعره وأقواله، وأعماله وأخلاقه، في حبه أو كرهه، في سلمه أو حربه، فهو إذا تعلَّم أو فكَّر أو تعامل بعواطفه: مُقيَّد بأمر الله ونهْيه، أي: بشرع الله. قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا)، "الأحزاب:36".وهو إذا أحبَّ أو كرهَ، رضِيَ أو سخط، فرح أو حزن، قبل أو رفض: مقيَّد بشرع الله، ولهذا جاء في الحديث: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به". وقال صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كُنَّ فيه، وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله، كما يكره أن يقذف في النار".وهو إذا عبَّر عن فكره أو شعوره، بلسانه أو قلمه، بشعره أو نثره أو رسمه: مقيد بشرع الله.فشرع الله تعالى، أي أمره ونهيه، وحلاله وحرامه، يحكمه في حياته كلها، منفردًا أو مجتمعًا، لا ينفصل هذا الشرع عنه، ولا ينعزل هو عن هذا الشرع؛ لأن الله معه دائمًا، ولا يغيب عنه، كما قال تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)، "البقرة:115".وإن شرَّق المرء المسلم أو غرَّب، فالشريعة معه توجِّهُه حيثما توجَّه، وتحكمه أينما سار، يمنة أو يسرة، كما قال تعالى لرسوله: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ* إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ* هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)، "الجاثية:18- 20". الإسلامُ يصحب المسلمَ زمنيًّا ومكانيًّا ورأسيًا وأفقيًا.. يمتدُّ الإسلام في حياة المسلم طُولًا وعرْضًا وعُمْقًا وهو معه في كل شؤونه وأحوالهربط المسلم بربه دائمًاومن خصائص المنهج الإسلامي: أنه يقصد ويعمل على ربط المسلم بربه في كل حين، وفي كل حال، في كل قول أو عمل، فإذا كان كل شيء، في هذه الدنيا خلق من أجل الإنسان، ومنفعة الإنسان، (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا)، "البقرة:29"، فالإنسان كله قد خلق لله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ* مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ* إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)، "الذاريات:56- 58".فلذلك تتميز الآداب الإسلامية كلها: في الطعام والشراب، واللباس والتزيُّن والزواج، والبيع والشراء، والصحبة والسفر، وفي كل شؤون الحياة، بالمعاني الربانية المرتبطة بها.ولذلك نجد في كل هذه الألوان من الحياة الفردية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، أذكارًا مأثورة، تصل المرء بربه، وترطب لسانه بذكره، وقلبه بمحبته.فهو يبدأ طعامه باسم الله، ويُنهيه بالحمد لله، وكذلك شرابه، وكذلك لباسه وتجملُّه، يبدأ بذكر الله تعالى المناسِب له، الذي ينبغي أن يحفظه ويذكره في كل مناسبة له، كما ذكر لنا القرآن نموذجًا، فقال: (وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ* لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ* وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ)، "الزخرف:12- 14". فهو إذا ركب الراية أو السفينة ذكر الله، وكذلك إذا ركب السيارة أو القطار أو الطائرة، أو ما هو أسرع ذكر الله.الإسلام هو دين الله الواحدوالإسلام هو دين الله تعالى الواحد، الذي أنزل به كتبه، وبعث به رسله، حسب حاجة الخلق، منذ خلق الله آدم أبا البشر، إلى أن ختم رسله بمحمد عليه وعليهم الصلاة والسلام. اتفقت رسل الله وأنبياؤه جميعًا على أصوله العقدية والأخلاقية، وجعل لكل منهم شرعة ومنهاجًا، كما قال تعالى في كتابه الخالد، الذي أنزله على نبيه الخاتم: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)، "الشورى:13". وقال تعالى في سورة أخرى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا)، "المائدة:48".لهذا كانت عقائد الأنبياء، وقيمهم الأخلاقية واحدة، وإنما تختلف شرائعهم، ولذا قال المسيح لليهود: (وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ)، "آل عمران:50".وجاء الإسلام بالشريعة العامة الخالدة، التي نسخت كل الأحكام المرحلية، التي جاءت بها الشرائع السابقة، وكل الأحكام التي كان تشريعها لظروف خاصة، كالمحرمات التي حرمت على اليهود، جزاءً على ظلمهم وبغيهم، كما قال تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا* وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِل)، "النساء:160- 161".ولهذا أعلن عن شريعة محمد في كتب الأقدمين، من قبل أن يبعث، بما وصفه القرآن: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)، "الأعراف:157".هذا الإسلام العظيم، الذي حُفِظَ كتابُه المُبين: القرآن الكريم، فبقي كما أنزله الله تعالى (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ)، "هود:1". وتكفل الله سبحانه بحِفْظِه، فقال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، "الحجر: 9".وامتنَّ سبحانه به على الأمة فقال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، "المائدة:3".قال أُنَاس من اليهود: لو نزلت هذه الآية فينا لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. فقال عمر: أيَّةُ آيةٍ؟ فقالوا: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، "المائدة: 3". فقال عمر: إني لأعلم أيَّ مكان أُنزلت؟ أُنزلت ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم واقفٌ بعرفة. أيْ: أنزلت في يوم العيد، ومكانِ العيد.أَعْلَنَ القرآنُ أن كل الرسل والأنبياء من قبلُ كانوا مسلمين.فشيخ المرسلين نوح قال لقومه: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، "يونس:72".وإبراهيم قال الله في شأنه: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، "آل عمران:67"، (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)، "البقرة:131".ويعقوب مع إبراهيم وبنيه مسلمون: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)، "البقرة:132".ويوسف قال لربه: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)، "يوسف:101".وموسى قال لقومه: (يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ)، "يونس:84".والمسيح قال لقومه: (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)، "آل عمران:52".والأنبياء في العصور كافة كانوا يدعون الناس إلى الإسلام، لا إلى أنفسهم، أو أقوامهم، أو مصالحهم، هذا هو شأن كل نبي: (وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)، "آل عمران:80".ولذا أعلن الله عز وجل في هذه السورة هذه الحقيقة الناصعة، التي أصبحت قاعدة عامة للبشرية كافة: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ)، "آل عمران:19".كما قال تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، "آل عمران:85". المسلم مقَّيد بحدود الله وأحكامِه في ثقافة فكره وعواطف قلبه وسلوك جوارحهوإذا كان الناس في عصورهم المختلفة، قد بدا لهم أن يغيروا في حقائق هذا الدين الواحد، بما فيه من معتقدات ومفاهيم، وعبادات ومعاملات وتشريعات، وأخلاقيات، فقد أذن الله لخاتم رسله محمد أن يبعثه ويختم به الرسل، ليجدد هذا الدين الواحد - الإسلام الذي بعث به كل الرسل - ويُجلِّي أصوله، ويُرسِي قواعده، ويشرح أهدافه، ويُقِيم أمتَه، ويُعلِي حُجَّتَه، ويرفع رايته، (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)، "الأنبياء:92".
4512
| 28 يونيو 2014
مساحة إعلانية
تحمل بطاقة صعود المسافرين إلى الطائرة العديد من الرموز والأرقام والحروف التي تُكتب بعناية وتحمل كنزاً من المعلومات وأسراراً لا حصر لها لا...
34474
| 14 مايو 2026
جدّد ديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي التزامه بتهيئة بيئة عمل تُعلي قيمة العائلة وتدعم توازن الموظف بين مسؤولياته المهنية وحياته الأسرية، إيمانًا بأن...
21978
| 15 مايو 2026
أعلنت النيابة العامة، اليوم، أن محكمة الجنايات الابتدائية قضت بإدانة موظفة قطرية وأربعة من جنسيات عربية وبراءة أحمد المتهمين، بعد أن أمر النائب...
12092
| 14 مايو 2026
أعلنت وزارة البلدية عن إغلاق منشأة تجارية إغلاقاً كلياً لمدة 60 يوماً لمخالفة لقانون تنظيم الأغذية الآدمية رقم 8 لسنة 1990 بشأن تنظيم...
2780
| 15 مايو 2026
تابع الأخبار المحلية والعالمية من خلال تطبيقات الجوال المتاحة على متجر جوجل ومتجر آبل
قضت المحكمة الابتدائية ببراءة موظف عام يعمل طبيباً استشارياً في قطاع صحي من تهم اختلاس مال عام وحيازته وغسل أموال لتشككها في أدلة...
2216
| 15 مايو 2026
يواصل مطار حمد الدولي إضافة المزيد من شركات الطيران لتسيير رحلاتها بمختلف الوجهات، مع استئناف لعملياتها التشغيلية تدريجياً من وإلى الدوحة، في ظل...
2082
| 14 مايو 2026
يواجه فريق كرة القدم الأول بناديالزمالكنظيره اتحاد العاصمة الجزائري مساء اليوم السبت، في إياب نهائي بطولة الكونفدرالية الإفريقية 2025/26. ستنطلق صافرة البداية لـ...
2006
| 16 مايو 2026