رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عربي ودولي alsharq
أسرار العدوان الثلاثي على مصر (3-3) .. أزمة قناة السويس كانت فاتحة عصر جديد

•انسحاب دول العدوان ومصر قبلت بوجود قوات دولية •وظهور أمريكا كقوة دولية طامحة لتبوؤ مكانة مهيمنة •نظرة مساندة الولايات المتحدة للعرب كانت خاطئة •قيام حركات مناهضة للأنظمة الموالية للدول الاستعمارية نواصل قراءة العبر التي استخلصها وزير خارجية فرنسا من مغامرة العدوان بعد سنوات من حدوثه ونحن نعيش ذكرى العدوان، قال لي كريستيان بينو: لم اعد اعتقد ان اسرائيل مظلومة مثلما كنت اعتقد بعد الحرب العالمية الثانية، وانا لا اوافق على ممارساتها وارجو ان يقوم سلام دائم عادل في المنطقة. كان المطر الربيعي الدافئ لا يزال ينهمر على زجاج مكتبة (لالند) بالدور الاول من السربون اعرق جامعة في اوروبا، وكان الرجل العجوز يترشف قهوته التي بردت وكنت أتأمل يديه المعروقتين المتعبتين وأقول في نفسي: هذه هي ذات اليد اليمنى التي وقعت على وثيقة (سيفر) لتعلن الحرب على عبد الناصر ولتفتح باب الشرق العربي للحضور السوفييتي الطويل، ولتساهم في صنع زعامة الرئيس المصري بتكريس صورة التحدي الناصري، بتأميم القناة بقطع النظر عن تداعيات ذلك القرار الناصري بعد عقود من الزمن. كيف تلاحقت أحداث العدوان الثلاثي: 26 يوليو 56: عبدالناصر يعلن تأميم القناة. 2 أغسطس 56: البرلمان الفرنسي يندد. 7 أغسطس 56: الحكومة البريطانية تحتج. 23 أغسطس 56: مؤتمر لندن حول التأميم يهدد الحكومة المصرية بردود فعل دبلوماسية متصاعدة وربما تصل الى مواجهة عسكرية لإبطال التأميم. 30 أغسطس 56: الحكومة البريطانية ولجنة الخمسة تلوح بالعدوان. 31 أغسطس 56: عبدالناصر يعلن: لا أذعن للتهديد. على طول أيام شهر سبتمبر56 . وعندما حل شهر أكتوبر 56 انتهزت إسرائيل الفرصة عندما تلاقت مقاصد الاستعمار الغربي مع مقاصدها بمناسبة تأميم حكومة الثورة لشركة قناة السويس في يوليو 1956م. واتفقت على مؤامرة مع كل من إنجلترا وفرنسا، وبدأت القوات الإسرائيلية تهاجم الحدود المصرية في 29 أكتوبر 1956م. وأنذرت الدولتان الاستعماريتان كلا من مصر وإسرائيل بوقف القتال على أن تقف قوات كل منهما على بعد أميال قليلة من جانبي قناة السويس، ولما رفضت مصر الإنذار هاجمت القوات الاستعمارية الإنجليزية والفرنسية منطقة القناة، لتطويق الجيش المصري في سيناء، لكن القيادة المصرية فوتت عليهم هذا الغرض فارتدت. واخلت سيناء حيث تقدم الجيش الإسرائيلي واحتلها، استمر الفدائيون من رجال الجيش بالاشتراك مع الشعب في قتال القوات الاستعمارية في بورسعيد، وتدخلت الأمم المتحدة ونددت بالعدوان الثلاثي على مصر وطالبت المعتدين بالانسحاب، وضغطت الولايات المتحدة على كل من إنجلترا وفرنسا، كما هدد الاتحاد السوفييتي الدول المعتدية، بالإضافة الى ثورة العمال المتعطلين في إنجلترا وفرنسا ضد حكومتيهما، بسبب ما تعرضوا له من البطالة، وبذلك فشل الاعتداء واضطرت الدول المعتدية الى سحب قواتها، بعد أن وافقت مصر على قرار الأمم المتحدة بوجود قوة طوارئ دولية على الحدود الفاصلة بين مصر وإسرائيل، وفي منطقة شرم الشيخ المطلة على خليج العقبة. وأكتوبر: المناخ متفجر وتحرك اسرائيلي واسع. 29 أكتوبر 56: اسرائيل تحتل سيناء. 5 نوفمبر 56: هجوم مشترك بريطاني فرنسي. 6 نوفمبر 56: أمريكا وروسيا ينددان بالعدوان. 7 نوفمبر 56: وقف إطلاق النار وبدء الانسحاب. تعتبر أزمة السويس استناداً للأدبيات السياسية والاستراتيجية للدول العظمى، بأنها فاتحة عصر جديد في عملية الصراع وأدواته بين القوى العظمى بعد الحرب وظهور الولايات المتحدة الأمريكية كقوة دولية طامحة لتبوؤ مكانة مهيمنة في السياسة الدولية، جاءت ضمن العالم الغربي لتحتل جميع مواقع الدول العظمى السابقة بريطانيا وفرنسا، والتي أفل نجمها بعد العدوان الثلاثي، ناهيك عن صراع الوجود الاستراتيجي بين الولايات المتحدة ممثلة للعالم الغربي وبين الاتحاد السوفييتي ممثلا للعالم الشرقي. كما نجم عن أزمة السويس تصور خطير لدى الشعوب العربية وقادتها ونخبها السياسية والإعلامية، مفاده أن موقف الولايات المتحدة المناوئ للعدوان الثلاثي مبني على نظرة أمريكية متصالحة وصديقة نحو العرب، وعزز هذا الاعتقاد بعض السلوكيات والتصريحات للولايات المتحدة والتي توحي بالود والصداقة نحو العرب في عهد الرؤساء ايزنهاور وكنيدي ومستهل فترة جونسون، مما أدى إلى رسم سياسات مغلوطة بأن الولايات المتحدة ستساند العرب ضد أي عدوان إسرائيلي، كما حدث في أزمة السويس. ولم يخطر ببال منسقي السياسة الاستراتيجية العربية بأن للولايات المتحدة خططاً للهيمنة على العالم من خلال الحرب الباردة وسياسة الأحلاف. وهذه من الأسباب التي أدت بالنتائج السلبية لحرب يونيو/ حزيران 1967 والتي استبعدت عامل دخول الولايات المتحدة إلى جانب أي عدوان مرتقب، حيث كانت القوات العربية قد ضمنت تفوقها في المعركة، ومن خلال الدعم السوفييتي على إسرائيل، مع أي دعم بريطاني وفرنسي لإسرائيل. من النتائج الأخرى لفشل العدوان الثلاثي هي ازدياد شعبية جمال عبدالناصر والخط السياسي الذي كان ينتهجه، وازدادت هذه الشعبية أكثر بعد إعلان قيام الاتحاد العربي بين سوريا ومصر كنواة لدولة عربية شاملة ذات نظام لا مركزي والتي أعلنت عام 1958، مما أدى إلى تسريع قيام الحركات المناهضة للأنظمة الموالية للدول العظمى الاستعمارية، ذات التطلعات المهيمنة على مقدرات العالم الثالث كحركة 14 يوليو/ تموز 1958 في العراق، وحركة 26 سبتمبر/ ايلول 1962 في اليمن، ومسيرة الاستقلال في تونس عام 1956. في الحقيقة مسيرة الاستقلال في تونس توجت في 20 مارس من عام 1956 أي قبل العدوان الثلاثي.

6628

| 08 أكتوبر 2020

عربي ودولي alsharq
بن غوريون خدع فرنسا وبريطانيا

** أسرار العدوان الثلاثي على مصر في ذكراه الرابعة و الستين (2) ** وزير خارجية فرنسا: ايزنهاور رفض اغتيال عبدالناصر ** خروتشوف هدد بضرب لندن بالقنابل إذا تواصل العدوان ** هيكل: ايدن عدونا الحقيقي وبينو كان المفاوض الصعب ** إسرائيل المستفيد والعدوان كان عملية غير محسوبة استعرض معي كرستيان بينو وزير خارجية فرنسا 1956 إبان العدوان الثلاثي على مصر في الحلقة الأولى تفاصيل الإعداد للعدوان و كيف أن (بن غوريون) رئيس حكومة إسرائيل تحايل على فرنسا و بريطانيا بالإدعاء أن عبدالناصر يستعد لإبادة يهود الدولة العبرية، و أن إسرائيل سوف تشن حربا استباقية و تريد من باريس و لندن مجرد غطاء جوي. يقول كريستيان بينو: أعتقد أن كثيرا من أعضاء الحكومة الفرنسية في ذلك الحين كانوا يؤمنون بذلك الطرح الإسرائيلي للأسباب النفسية التي ذكرتها آنفا وبعضهم كان لا يؤمن به وإنما كان يريد تلقين درس لعبدالناصر انتقاما منه وعقابا لمصرلإعانتها للثورة الجزائرية، ولكن هؤلاء وأولئك وجدوا في عرض (بن غوريون) فرصة سانحة لتحقيق غاياتهم. وجاء الاجتماع السري الذي أصبح شهيرا بعد ذلك باسم (لقاء سيفر) أو (اتفاق سيفر) في فيلا بالمدينة الفرنسية الصغيرة قرب باريس (SEVRES)، حيث تقابلت مع (بن غوريون) الذي جاء في زيارة سرية إلى باريس ومع (ايدن) رئيس الحكومة البريطانية الذي لم نعلن عن زيارته إلى بلادنا. وفي الحقيقة لم يكن اجتماع (سيفر) اتفاقا، بل كان مجرد وثيقة خطية حررت بيننا نحن الثلاثة، ولكنني فوجئت بإعلان (ايدن) بأن بريطانيا لا تنوي التوقف عند حد إعانة إسرائيل وتوفير غطاء جوي لها، بل هي مستعدة لاحتلال القناة وإنزال جيوشها في بورسعيد، ففهمت من إعلان (ايدن) أن بريطانيا تريد منع إسرائيل من احتلال القناة واستفراد لندن بهذه العملية نظرا لوضعها الاستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط، فرفضت أنا باسم فرنسا قطعيا هذا الاقتراح وأعلمت (بن غوريون) و(ايدن) أنه لا مجال للاحتلال الدائم، بل إن العملية العسكرية كما نراها تهدف لمنع التأميم بالقوة وتلقين عبدالناصر درسا قاسيا. وفعلا نسقنا العملية العسكرية وتمت من 29 أكتوبر إلى 7 نوفمبر 1956 واحتل الجيش الإسرائيلي سيناء وبدأت الساحة الدبلوماسية تتحرك بعد وقف إطلاق النار. فمن موسكو جاء تهديد خروتشوف بضرب لندن بالقنابل إن تواصلت العملية ضد مصر، وقد تقابلت بعد ذلك عشر مرات مع خروتشوف في موسكو شهورا وسنوات بعد العملية الثلاثية وسألته: هل كانت موسكو تنوي بحق ضرب لندن لو تواصلت العملية، فكان جوابه لا.. لقد هددنا للتخويف فقط. ومن جانب أمريكا فإن وزير الخارجية (جون فوستر دالس)، أكد لي مرات عديدة بعد العملية أن غاية أمريكا كانت إقصاء فرنسا وبريطانيا عن أهم المناطق الاستراتيجية في العالم حين أخذ الرئيس (ايزنهاور) موقفا منددا بالعدوان الثلاثي. يواصل الوزير بينو استعادة ذكرياته عن تلك المغامرة العجيبة . ويضيف: ولنعد إلى أيام العملية العسكرية: تلقيت في اليوم الثالث مكالمة هاتفية من (ايدن) يقول لي فيها: (إنني قررت سحب قواتي من بورسعيد وإيقاف القتال، فأكملوا المشوار وحدكم، أما من جانب القوات الفرنسية، فكانت خسائرنا معدومة إذ لم نفقد إلا ضابطا واحدا.. وكان موته من جراء حادثة شاحنة. وتحركت منظمة الأمم المتحدة وأمينها العام النشيط (داغ هامرشولد) لتتوسط في فك الاشتباكات وتشرف على سحب القوات. وأعتقد بعد هذا الزمن الذي مر أن خروج شارل ديغول من الحلف الأطلسي جاء نتيجة تخلي أمريكا عن أوروبا في عملية السويس، فقد كانت أوروبا تطمح للعب دورها كقوة اقتصادية كبرى في مجال الاحتفاظ بمناطق نفوذ سياسي وثقافي. وأذكر أن محمد حسنين هيكل كتب في الأهرام بعد العملية ومفاوضاتها اللاحقة قائلا: إن (ايدن) هو عدونا الحقيقي لكن المفاوض الصعب كان (كرستيان بينو). وهناك حدث آخر يبدو بعيدا عن قناة السويس ولكنه ملتصق بأحداث السويس ألا وهو عملية القرصنة الجوية التي قام بها الجيش الفرنسي واختطاف أحمد بن بيلا الزعيم الجزائري للثورة المسلحة ورفاقه الأربعة، وكانت طائرتهم تقلهم من المغرب الأقصى إلى تونس، فقد كانوا ضيوفا لدى الملك محمد الخامس وكانوا ذاهبين للاجتماع مع رفاقهم بجبهة التحرير الجزائرية في تونس حيث كانوا ضيوفا لدى الحبيب بورقيبة، فهذه العملية القرصانية نفذها أحد قادة الجيش (ماكس لوجون) بإذن خاص وسريع من وزير الدفاع ولا أدري حقيقة ذلك اليوم هل كان رئيس الجمهورية أو الوزير الأول على علم بالذي حصل؟ فالمغرب وتونس كانتا دولتين مستقلتين، وهذه ضربة في ظهر العلاقات التي كانت طيبة مع ملك المغرب ورئيس تونس. ومن جهة أخرى أذكر كلمة قالها لي (فوستر دالس) في باكستان ولم أنسَها لأنها عرّفتني على العقيدة السياسة الأمريكية الثابتة إذ قال لي: اسمع يا كرستيان، نحن الأمريكان لدينا نوعان من الدول: النوع الأول هي الدول المسيحية وذات الاقتصاد التحرري، والثاني هي كل الدول الأخرى، الأولى أصدقاء والثانية أعداء. سألت كريستيان بينو عن العِبر التي استخلصها هو ذاته و حكومته بعد سنوات من العدوان الثلاثي فأجابني دون تردد: إن تلك العملية العسكرية كانت مغامرة غير محسوبة العواقب ولم ترفع رأس فرنسا ولا بريطانيا ولم تكن لها أي نتائج إيجابية، بل كان الإسرائيليون هم المستفيدون الوحيدون منها. وأضاف مخطط العدوان ومنفذه قائلا: لقد سجل ( دوايت ايزنهاور) الرئيس الأمريكي إبان العدوان في مذكراته أنه لم يكن على علم بنوايا فرنسا وبريطانيا الخطيرة في الهجوم على مصر، في حين كنت أعلمت سفير أمريكا في باريس قبل أيام، ولم يكن من المعقول أن تتحرك قوتان كبيرتان في الحلف الأطلسي مثل فرنسا وبريطانيا دون أن تكون الأخت الأمريكية الكبرى على علم! ــ وواصل الوزير بينو يتذكر: كان (ايدن) يعتقد اعتقادا جازما أن جمال عبدالناصر عميل سوفييتي ويأتمر بأوامر موسكو. فقد عاد عبدالناصر من مؤتمر باندونع 1955 موشحا بوشاح الزعيم الصيني (شوان لاي) ومحصنا بصداقة الزعيم اليوغسلافي (بروز تيتو) و تحول في نظر العرب إلى زعيم القومية العربية، و في نظر العالم الثالث إلى زعيم كتلة عدم الانحياز منذ مؤتمر باندونغ. وكانت غاية (ايدن) أن يمنع عبدالناصر من الزعامة العربية على حساب مصالح بريطانيا وأوروبا بأكملها وأمريكا. ــ قدمت وكالة الاستخبارات الأمريكية (سي. آي ايه) للرئيس (ايزنهاور) عدة سيناريوهات لاغتيال جمال عبدالناصر ورفضها كلها، وعندما سألته شخصيا ذات يوم عن سر رفضه لاغتيال عبدالناصر قال لي: إن اغتياله سوف يزيد من زعامته، لكن العمل الناجع الحقيقي إزاء العرب هو أن نتركهم ضعفاء وتابعين لعدة أجيال.

1605

| 07 أكتوبر 2020

عربي ودولي alsharq
شهادة حية حول العدوان الثلاثي على مصر

مخطط العدوان يكشف أسراراً في الذكرى 64 أرشيف فرنسا وبريطانيا وإسرائيل تكتنفه ظلمات ماذا جرى في غرفة العمليات واجتماع سيفر السري؟ مهندس العدوان أماط اللثام عن أخطر المؤامرات ضد العرب أخطأنا ولم أعد شخصياً أؤمن بأن إسرائيل كانت مظلومة جمعني منذ بضع سنوات لقاء غريب وغير متوقع مع رجل يحمل في ذاكرته جزءاً من تاريخنا العربي وبعضاً من فواجعنا العربية، وقد تم ذلك اللقاء في باريس عندما كنت باحثاً ومعيداً في جامعة السربون العريقة ولم تكن صفحات المجلات والجرائد العربية مفتوحة في وجهي ولم تكن تتسع لقلمي، لأني كنت وقتها معارضاً شرساً منفياً.. فاحتفظت بشهادة ذلك الرجل في وثائق على مدى سنوات ثم حال تنقلي بين مناطق عديدة في فرنسا والخليج دون نشرها وضاعت مني إلى أن عثرت عليها في (كراتين) قديمة حرصت على الاحتفاظ بها ووجدت أن تلك الشهادة لا تزال حية بل هي تلقي أضواء ساطعة على جانب غامض من إجهاض الحركة القومية الناصرية عام 1956 وأعتقد أن تعريف الشباب العربي بخفايا العدوان في ذكراه الثالثة والستين واجب وخدمة للتاريخ وتذكرون أن الممثل أحمد زكي رحمه الله كان أحيا في شريط ناصر 56 تلك الأحداث الجسيمة ليطلعنا على الوجه العربي من العملة، وجه المعتدين الثلاثة لا يزال غامضا وسريا وتكتنفه ظلمات أرشيف وثائق الدول المعتدية: فرنسا وبريطانيا وإسرائيل، واعتقد أنني بنشري لهذا الحديث مع (كرستيان بينو) وزير خارجية فرنسا عام 1956 أساهم في إماطة اللثام عن اخطر المؤامرات ضد العرب بلسان رجل كان هو المهندس الحقيقي لذلك العدوان مع رئيس الحكومة البريطاني (ايدن) ورئيس الحكومة الإسرائيلية (بن جوريون)، لم أكن أصدق من فرط غرابة الموقف! نعم. ما أعجب تصاريف الحياة وما اشد تقلباتها، كنت اخترق الفناء الشهير لجامعة السربون العريقة حيث يوجد تمثال عالم البيولوجيا باستور إلى جانب تمثال شاعر فرنسا الكبير فكتور هيجو، وكان المطر يهطل زخات على بلاط فناء السربون النظيف اللامع وكنت ممسكا بذراع ذلك الرجل العجوز وهو يتحرك بصعوبة ونتجه معا إلى إحدى قاعات الدور الأول هذا الرجل النحيف القصير ذو الصوت المتهدج الذي أمسك بذراعه لمساعدته تحت المطر هو نفس الرجل الذي هندس للعدوان الثلاثي على مصر وكان قائد (الجوقة الثلاثية) التي قلبت موازين العلاقات الدولية عام 1956 نفس هذا الرجل هو الذي مثل فرنسا في اجتماع (سيفر) السري الذي اتخذ قرار العدوان ونفذه. نفس الرجل الذي قاد جزئيات العدوان وعاش أحداثه من غرفة العمليات وفي معابر قصر الإليزيه وعلى منبر منظمة الأمم المتحدة وكان أبرز الوجوه الثلاثة صانعة العدوان إلى جانب رئيس الحكومة البريطانية (ايدن) ورئيس الحكومة الإسرائيلية (بن جوريون). كان هذا الرجل الذي يتوكأ على ذراعي هو (كرستيان بينو) وزير خارجية فرنسا في الخمسينيات أي الرجل الذي كان يحتل الجانب المقابل من خندق الصراع في شريط (ناصر 56) هذا الشريط الذي سعدت بمشاهدته على شاشات السينما وعشت تلك اللحظات الساخنة المتسارعة مع الممثل أحمد زكي وهو يحاول استحضار شخصية عبد الناصر ورسم ملامح ذلك التحدي التاريخي لقوى الاستكبار. كان الرجل العجوز الذي يحدثني بصوت خافت هو (كرستيان بينو) وكنت أصررت على مقابلته حين دعاه أستاذنا المستشرق (دومينيك شوفالي) ليلقي محاضرة في قسم الدراسات العليا بالسربون عن السياسة الخارجية الفرنسية في الخمسينيات بإزاء حركات تحرر الشعوب، واغتنمت تلك المناسبة لأطلب من كرستيان بينو أن يرفع جزءا من الستار عن العدوان الثلاثي، خاصة وأن الدولتين الأخريين المشاركتين في العدوان حفظتا كل الوثائق المتعلقة بالعدوان في خانة (أسرار الدولة) بل ولم يستطع أي مؤرخ أن يحصل على نسخة من اتفاق (سيفر) الذي وقعه الرجال الثلاثة: بينو وايدن وبن جوريون والذي يقرر العدوان وخطواته ومراحله وكيف ستقوم الدبلوماسية في كل من فرنسا وبريطانيا وإسرائيل بتزييف حقائقه وملابساته وتسويقه للرأي العام العالمي في شكل (تدخل لوقف العنف)!. وبدأ (كرستيان بينو) حديثه باعتراف مفاجئ وخطير حيث قال لي: اعتقد أننا أخطأنا نعم أخطأنا ولم اعد شخصيا أؤمن بإن إسرائيل مظلومة وأنا اليوم لا أوافق على كثير من ممارساتها، لكن من الصعب أن نفسر ما حدث عام 56 خارج إطاره التاريخي وخلفياته السياسية. ويواصل كرستيان بينو حديثه قائلا: ليس سهلا أن نحكم على أحداث الأمس ومواقف الأمس بعيون اليوم وعقول اليوم فالمعطيات تغيرت والمقتضيات تبدلت حتى معنى التاريخ طالته رياح التغيير. لقد كان العمل العسكري الذي قمنا به نحن وبريطانيا وإسرائيل ابنا شرعيا للعقدة النفسية التي أصابت أوروبا من جراء محنة الشعب اليهودي على ايدي هتلر والنازية، كنا في عام 1945 بعد تحرير فرنسا من الاحتلال النازي نشعر بأن علينا دينا يجب تسديده لليهود، كان ذلك هو الشعور السائد في أوروبا كلها، وكنا نعيش تحت وطأة الصور البشعة التي كنا نشاهدها في محطات القطار عندما كان الألمان يأخذون آلاف اليهود في قطارات مكشوفة وفي برد وثلج عشرين تحت الصفر نحو محتشدات (داشو) و(باكنواج). المشكلة كانت بالنسبة للأوروبيين هي ماذا نقدم لليهود كتعويض؟ وجاءت دولة إسرائيل التي أنشأت بقرار من منظمة الأمم المتحدة (نوفمبر 47). ومن جهتنا كأوروبيين حاولنا في مؤتمر روما تكوين نواة للوحدة الأوروبية وفكرت أنا شخصيا في جيش موحد بين ألمانيا وفرنسا، وعند وصولنا للحكم في باريس سنة 1956 برئاسة (جي مولي) فيما سمي بالجبهة الجمهورية اختار للوزارة الأولى (بيار منداس فرانس) الذي ساعد على استقلال المغرب العربي ففي نفس عام 1956 استقلت كل من تونس والمغرب وبدأت حرب مريرة طويلة في الجزائر وشعرنا أن شعارات عبدالناصر وتصريحاته بدأت تشكل دفعا قويا لجيش جبهة التحرير الوطني الجزائرية بالإضافة إلى وصول أسلحة مصرية عبر ليبيا وتونس للثوار الجزائريين. وعينت أنا وزيرا للخارجية لكني لم أكن أدير ملف الجزائر فقد كانت شؤون الجزائر من صلاحيات وزير الشؤون الجزائرية وكان (غاستون ديفير) وزيرا للشؤون الأفريقية ولم اكن أنا على صلة إلا بالقضية المغربية وإرهاصات نفي الملك الراحل محمد الخامس إلى جزيرة مدغشقر بينما تكفل رئيس الحكومة (بيار منداس فرانس) بالملف التونسي الذي أوصله إلى الاستقلال بعد مفاوضات شائكة، وفي تلك السنة 1956 بلغنا نبأ تأميم قناة السويس ومنع عبور البواخر الإسرائيلية ذهابا وإيابا من القناة وقيل لنا وقتئذ أن هذا الإعلان من قبل عبد الناصر ما هو إلا انتقام من الولايات المتحدة وبريطانيا على عدم الموافقة على تمويل بناء السد العالي. وبينما كنا في الحكومة الفرنسية تحت وقع هذه الصدمة، ارسل لنا (بن جوريون) رئيس حكومة إسرائيل يقول: إن عبد الناصر يعد حربا ضد إسرائيل ونحن دولة صغيرة ناشئة وان تأميم القناة ما هو إلا حلقة أولى في مخطط إبادة شعب إسرائيل، ورددت الصحافة الفرنسية هذا السيناريو الإسرائيلي. وفي مرحلة ثانية فاجأنا (بن جوريون) بقوله: سوف نبدأ نحن بالحرب الوقائية ونحتاج من فرنسا وبريطانيا فقط إلى غطاء جوي.

4042

| 06 أكتوبر 2020

صحافة عالمية alsharq
"عدوان ثلاثي".. هكذا وصفت صحف مصر موقف الغرب من الطائرة الروسية

"اللي بيحصل في سينا اليومين دول بيفكرني بالعدوان الثلاثي 1956" كانت هذه أحد الجمل التي صدرتها صحيفة الأهرام المصرية الحكومية، اليوم الثلاثاء، حيث شبه رسم كاريكاتيري بحرب السويس أو "العدوان الثلاثي" على مصر الذي شنته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل في 1956. ويرصد الرسم الكاريكاتوري حوارا بين رجل كبير في السن يقول لشاب "اللي بيحصل في سينا اليومين دول بيفكرني بالعدوان الثلاثي 1956". ويرد الشاب الذي يرتدي قميص مكتوب عليه "أنا بحب مصر" بالقول "فعلا. حوالي 60 سنة وأعدائنا هما هما، وأن شاء الله بردو هننتصر". وترى الصحف المصرية أن ترجيح بريطانيا والولايات المتحدة لفرضية "عمل إرهابي" في تحطم الطائرة الروسية في شبه جزيرة سيناء، يندرج في إطار "مؤامرة" ضد القاهرة لمعاقبتها على تقاربها الأخير مع موسكو. ومنذ سقوط الطائرة وتتعالى الأصوات الغربية بترجح فرضية أن تكون قنبلة قد أسقطت الطائرة الروسية التي راحت ضحيتها 224 شخصا غالبيتهم الساحقة من الروس، لكن مصر تعتبر أن السلطات البريطانية والأمريكية تسرعت في استنتاجاتها واستبقت نتائج التحقيق ما قد يلحق ضررا كبيرا بالموسم السياحي. من جانبه كتب الكاتب اشرف العشماوي بجريدة الأهرام مقال رأي أن إعادة السياح البريطانين "مؤامرة قذرة اشترك فيها حفنة من خونة الداخل تربصوا مع البريطانيين والأمريكيين لتوريط الرئيس السيسي والدولة معا". وفي نفس السياق نشرت صحيفة الشروق اليومية الخاصة تقريرا من الأقصر بعنوان "بريطانيون في الأقصر: نشعر بالخجل من موقف حكومتنا" وقراراها إعادة 20 ألف بريطاني من شرم الشيخ. أما صحيفة الأخبار المملوكة للدولة فقد قالت في تقرير من محافظة البحر الأحمر أن "20 ألف روسي يعملون في الغردقة... مصر آمنة والسائحون لن يتوقفوا عن زيارتها".

341

| 10 نوفمبر 2015