رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تجاوز الشعب المصري بإرادته وحركته وإصراره ودماء الشهداء، كل ما كنا نأمل ونتوقع نحن المؤمنين بأن الشعب وحده القادر على الحركة من أجل التغيير وتحقيقه.
أيام أو هي ساعات خلال تلك الأيام، نقلت الحركة من يوم الغضب في 25 يناير، إلى جمعة الشهداء في يوم 28 يناير، وخلال خمس ساعات من بعد صلاة جمعة الشهداء، كان ملايين المصريين يزيحون نظام مستبداً، متجاهلاً لكل قيم الشعب وتاريخه، جثم على صدر مصر لمدى 30 عاما، في ثاني ثورة شعبية في الوطن العربي خلال شهر يناير، وكأن الأمة العربية في موعدها مع يقظة الشعب وثورته.
فرط نظام مبارك في حقوق الشعب وثروته، واستهان بقدرة الشعب على الثورة، واكتفى بوضع القوة الغاشمة المتمثلة في الأمن المركزي وأوامر القتل المتاحة لقياداته، وكتائب أمن الدولة بالملابس المدنية، وتشكيلات البلطجية التابعة لها، في مواجهة الشعب وكأن هذا النظام المنصرم كان يقول: "ليس للشعب لديَّ سوى القتل".
غاب النظام عن الوجود وعن استيعاب الأحداث، وعندما نطق، كان يعلن شهادة وفاته، حيث أصدر رئيس الجمهورية بصفته الحاكم العسكري قراراً بحظر التجول ونزول الجيش المصري لمواجهة "أعمال الشغب والخروج على القانون وأعمال النهب والتدمير والحرق والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة"، نص كان بمثابة شهادة الوفاة للنظام، وبعده يخرج مبارك على الشعب في منتصف الليل ليعلن إقالة الوزارة، وليرفض الشعب التفاف الرئيس على مطالبه، ويعلنون أن دم الشهداء ثمن لتغيير النظام وليس تغيير الحكومة، ويرتفع هتاف الجماهير "الشعب يريد إسقاط النظام"، ويكتشف الجميع أن المبادأة انتقلت إلى الجماهير المحتشدة في كل مصر.
وتتوالى الأحداث:
- قوات الأمن المركزي التي ظلت تمارس قتل المتظاهرين في كل المحافظات تنسحب من المشهد، وتغادر الساحة في كل الأماكن بعد المقاومة الرائعة التي بذلها المتظاهرون، وبعد سقوط ما يقرب من 200 شهيد وتجاوز أعداد المصابين الثلاثة آلاف مصاب.
- الجيش ينزل إلى الشارع، ويصطدم المتظاهرون ببعض طلائعه عندما وجدوا أنها من تشكيلات الحرس الجمهوري، ويتعدل المشهد، عندما تصل تعزيزات من وحدات أخرى، ويكتب عليها المتظاهرون "يسقط حسني مبارك" ويتعانق الشعب مع أفراد الجيش المصري، وتبيت الجماهير في ميدان التحرير، رافضة الرئيس مبارك وتطالب برحيل النظام.
- هجوم الجماهير في كل المدن والأحياء على مظاهر وجود الداخلية والحزب الوطني، واحتراق العديد من أقسام الشرطة، وحرق مبنى الحزب الوطني على كورنيش النيل، إعلاناً باحتراق هذا الحزب المسؤول عن كل ما أصاب مصر خلال فترة حكم مبارك. وتأكد أن الجماهير في كل المحافظات تسيطر على الموقف، وأن النظام يسقط.
وتبدأ عمليات حرق الأرض، وكأن هذا ما تعلمه النظام من درس الثورة التونسية، وتنتشر عمليات البلطجة والاعتداء على الممتلكات والأشخاص، والهجوم على المنازل الآمنة، ومهاجمة المتحف المصري ومطبعة البنك المركزي، ويتجلى الدرس التونسي في تشكيل لجان شعبية للدفاع عن مصر وفي كل المحافظات، ويصل المشهد إلى ذروته في إطلاق المساجين من السجون بنفس الأسلوب التونسي وكأنها مدرسة واحدة في حرق الأرض وتدمير الوطن.
يكرر الغرب وأمريكا ذات الموقف مع تونس، ولكن ثورة الشعب المصري فرضت نفسها على البيت الأبيض وعلى كافة الحكومات الغربية، وهو ما يجب أن نتحسب له، لأن معيار القبول هو الموقف من إسرائيل.
ولأن نظام مبارك كان صديقا استراتيجيا لإسرائيل، فهذا واحد من المخاطر المتوقعة على حركة الشعب.
لم يعد الأمر المطلوب مجرد حماية الممتلكات من النهب، ولكن المطلوب اليقظة والانتباه لاحتمال مواجهة أفعال إسرائيلية داخل مصر، مما قد يفرض على اللجان الشعبية أن تتحول إلى لجان مقاومة شعبية.
وينتقل الموقف من يوم للغضب إلى جمعة الشهداء، ومن غياب للدولة إلى سقوط النظام.
سقط الرئيس وسقط معه مشروع التوريث بعد أن سحب الشعب تفويضه له، ولم تعد تفلح الكلمات الشعارية الجوفاء، وعدم اتخاذ المواقف وترك القضايا دون حل ليتكفل بها الزمن، واسترد الشعب النظام الجمهوري بعد أن كان قد تحول إلى نظام الأسرة الحاكمة.
سقط الحزب الوطني وعناصر الإفك التي كانت تتخذ منه ستاراً للنهب، السياسي والمادي، وحرقت الإرادة الشعبية وجوه، كما حرقت مقاره بما فيها المقر الرئيسي له، وصارت محاكمة قياداته جميعها وفي كل المحافظات بتهمة الإفساد السياسي والتزوير أحد مطالب الحركة الشعبية.
انكشفت حقيقة المجالس المزورة وسقطت سواء على مستوى المحليات أو التشريعية، وصار الواجب حلها، والتحقيق في حقائق التزوير الذي أدى إلى وجودها، وتقديمهم إلى المحاكمة.
تجاوزت حركة الجماهير الدستور القائم، والقوانين الناتجة عنه، وصارت إرادة الجماهير هي مصدر الشرعية.
بدأت الفئران تهرب من مركب النظام الغارق، وببلاهة وكذب وجهالة يصدر عن الحزب الساقط بيان بقبول استقالة أمين تنظيمه، وبقي سؤال: أين هو هذا الحزب لكي يقبل أو يرفض؟ إن حزب سرقة الوطن، الحزب المحروق.
وتحولت حركة الشعب إلى حركة تحرير الوطن وبناء نظام جديد، واستعادة مصر الوطن لكل الشعب وليس لتحالف سلطة شاخت وثروة وطن منهوبة.
وتم تجاوز الخوف من الموت، ونزع سلاح القتل من يد الأمن، والذي لم يتوقف عن القتل حتى مساء السبت 29 يناير، حيث كان القناصة يحتلون سطح وزارة الداخلية، وكانت رمايتهم رماية قتل في الرأس والصدر.
كذلك تم تجاوز احتمالات الفوضى التي جرى التهديد بها، وظهر للمراقبين أن الفوضى بقدر ما أنها جاءت من بلطجية، فإن عناصر من الداخلية كانت تمارس الاعتداءات على الممتلكات والأفراد حتى أنه أذيع على الفضائيات خبراً عن القبض على أفراد شرطة في سيارة ينقلون عدداً من الجثث، وتكررت مشاهد سيارات الإسعاف التي يستخدمها عناصر من الأمن ويطلقون منها الرصاص.
تجاوز الخوف من القتل والقبول بالشهادة، وحصار الفوضى باللجان الشعبية جعلا الوقت معاملا لصالح حركة الثورة الشعبية، وطالما أن الحركة تملك زمام المبادأة، فإن هدوء الثقة يضيف عاملا جديدا من عوامل القوة لحركة الشعب.
ويحاول النظام المنهار أن يلتف من جديد، بتعيين نائب رئيس ويختار رئيس وزراء، وكأنه يملك مقومات البقاء، وكأنه لم يخرج بضعة ملايين من شعب مصر في كل المحافظات ترفض هذا النظام وتعلن سقوطه، وهنا ليس المطلوب القياس أساسا على ما يقوم به النظام، ولكن ما الذي نملك أن نفعل؟
ونلاحظ أن الكيانات الحزبية والجماعات تحاول أيضا أن تكون مصدرا للقرار، وهو أمر غير مرفوض، ولكنه يبين أن هناك احتياجا من قوى الحركة الشعبية والشبابية من غير الأحزاب، أن تعبر عن إرادتها وتصورها لمشروع التغيير، ومن بين المطروح من رجال يمكن اعتماد أن الدكتور البرادعي أقرب الأشخاص إلى التعبير عن هذه الحركة الشعبية، وتبدو الأحزاب وجماعة الاخوان في حديثها ومحاولاتها في الانقضاض على الحركة، أنها لا تدرك معنى الدم الذي بذله الشعب، وأعتقد مع كامل الرغبة في توحيد جبهة القوى السياسية، أن الأحزاب وجماعة الاخوان قد سقطت جميعها مع النظام ذاته، وتجاوزتهم حركة الشعب من أجل التغيير، وادراكهم لمعنى الجديد الذي يحدث سيغير من سلوكياتهم وقد يبرر وجودهم.
تتمثل مصادر القوة لدى النظام الساقط في الجيش المصري والشرطة.
الجيش المصري والصراع بين الشعب والنظام على انتماء الجيش لمن؟ هل هو للشعب أم لشخص الحاكم، وحتى اللحظة يمثل الجيش ضمانة الأمن والحماية لحركة الجماهير من أجل التغيير، وهو ما يمكن الاعتماد عليه لتحقيق التغيير السلمي.
والشرطة وبالتبعية وزارة الداخلية تتعرض لاتهامات شديدة من جراء ممارساتها بين الثلاثاء إلى الجمعة الساعة السادسة.
قامت قوات الشرطة بالقتل العمد للمتظاهرين العزل
وقامت بمخالفة أمر الحاكم العسكري بمعاونة قوات الجيش لحفظ الأمن وانسحابها غير الشريف وترك الأقسام والسجون دون تسليمها إلى الشرطة العسكرية والتحقيقات العسكرية.
كما خالف الوزير ومعاونوه وضباط الداخلية القسم بالحفاظ على أمن الوطن والمواطنين، وهروبهم وخروجهم من الشارع مهزومين، هو الخيانة العظمى وإلا فما معنى الخيانة العظمى.
ويبقى سؤال ما هي معادلة عودة قوات الشرطة إلى العمل في ظل ظروف عدم الاستقرار، ومن سيقود هذه المؤسسة؟ هل هو الوزير المتهم بجرائم القتل والخيانة العظمى.
تعود الشرطة للعمل في إطار معادلة أصابها الخلل مع أفراد الشعب الذين قاموا بدورها أثناء هروبها في حفظ الأمن، هذا غير أنها تعود غير مميزة عن مجرمين وبلطجية سرقوا سياراتها وزيها الرسمي وأسلحتها، كل ذلك ليمارسوا النهب والقتل، فمن منهم الشرطي ومن منهم المجرم؟
لقد خرجت الشرطة من الشارع مهزومة وها هي تعود للشارع مهزومة بتحديد سلطاتها في عدم الاقتراب من ميدان التحرير وعدم التعرض للتجمعات والتظاهرات.
هذا ما تواجهه ثورة الشعب المصري، ومازالت المهام أمامها، ومازالت في بداية خطواتها الأولى إلا أنها حققت إنجاز إسقاط النظام وكشف عوار أسلوب مواجهته للأزمات، ونجح هذا الشعب أن يؤكد حقيقة قدرة الشعب على الثورة، ونجح الشباب في الوجود رغم هزيمة وتكلس كل الأحزاب والجماعات ويبقى أن مطالب التغيير ليست نوعا من الكهنوت، الكل تحدث عنها والجميع عرض لها، ولكن البحث كان كيف يمكن التحرك؟ ونجح الشباب العظيم في إتمام التحرك بداية، وقبل الشعب بدفع ثمن الحرية ويدفعه، كلنا نريد أن ندفعه.
ليت كل المتكلمة أن يشاركوا الشباب والشعب الثائر الحركة علهم ينجزون شيئاً في حياتهم.
المعادلة الآن هي الشباب كرأس رمح لثورة الشعب، وقد اختار الشباب البرادعي شريكاً له، في مواجهة النظام والمعارضة والجماعة.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
883
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
637
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
540
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
43512
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7137
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5394
| 13 سبتمبر 2026