رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بدا المشهد اليمني في هذه اللحظات التاريخية أكثر تعقيداً ومهيئاً للانفجار والاحتراب والتشظي.. حيث يعتقد البعض أن القوة التي يسيطر بها الحوثيون وحليفهم الرئيس السابق «علي عبدالله صالح» ليست كفيلة باستقرار الوضع السياسي والحياة المدنية في اليمن.
هذه التحولات التي بدأت عشية الثورة لشباب اليمن في عام 2011م وانتهت بإقصاء الرئيس السابق وبعض رموز نظامه، وفق مبادرة خليجية، والتوافق على «هادي» رئيساً مؤقتاً لليمن لحين الوصول إلى دستور جديد متكئاً على نتائج الحوار بين القوى السياسية والاجتماعية، شارك فيه الجميع بمن فيهم الحوثيون وجماعة الرئيس السابق.
لكن التكتيك الذي اتبعته قوى الثورة المضادة المحلية في اليمن والإقليمية والدولية لإنهاء الأوضاع السياسية التي خلفتها الثورة أجهض حلم الثورة ونتائجها، وكانت نهايتها باستقالة الرئيس «هادي» وهو الشرعية الوحيدة التي تبقت من نتائج الثورة اليمنية، إذ إن مخرجات الحوار تم تجاوزها بالقوة وفي فرض اتفاق بين الرئاسة والقوى السياسية والحوثيين بعد سقوط صنعاء في سبتمبر 2014م، ثم سعت جماعة «أنصار الله» (الحوثيون) وحلفاؤهم من أتباع الرئيس السابق وقياداته والمكون الموالي من الجيش له إلى السيطرة وبسط النفوذ على محافظات الشمال والوسط لفرض الأمر الواقع، كان الهدف من التحالف (الحوثي - هادي – صالح)، هو إجهاض الثورة وإعادة ترتيب النفوذ والسلطة، ولكن ما حدث في الطريق أنَّ مقاومة رجال القبائل والقوى السياسية والشبابية وسكان المحافظات أوجدت حالة جديدة من التحدي، وأدت رغبة الحوثي بدوافع ذاتية وإيرانية إلى محاولة التمركز السريع في إطار شرعية الدولة ومواقعها للحصول على كل المواقع الحساسة والمؤثرة، وشعور الحوثيين بأن الرئيس «هادي» حجر عثرة في هذه اللحظة، وأنه قد انتهت مهمته بالنسبة لهم، حيث مازال التحالف الحوثي مع «علي عبدالله صالح» قائماً بما يحقق التفاهم في غياب «هادي»، وإيجاد مجلس رئاسي يوافق عليه البرلمان المسيطر عليه من رئيسه وغالبية أعضائه الموالين لـ"صالح»، لكن توافر اليقين عند رجال القبائل وشباب الثورة والقوى السياسية أن مخرجات الحوار قد دمرت، وأن البلد يسير في اتجاه دكتاتورية الحوثيين و"صالح" فانسحبت القوى من الحوار، واندلعت الحركات الشبابية في الشوارع، وتمنطقت القبائل بالسلاح في صنعاء ومأرب والجند وتعز استعداداً للمواجهة.
وسارع الحراك الجنوبي بالتحرك للعزل السياسي لصنعاء على المحافظات الجنوبية «عدن، حضرموت، وغيرها»، حيث استلمت القوى الأمنية واللجان الشعبية تأمين المؤسسات وعدم قبول أي أوامر من صنعاء.. وهنا اتضح أن اليمن والجميع في ورطة.
ورطة الحوثيين:
حيث إن الحوثيين بتعجلهم واستخدامهم للقوة أصحبوا في مقدمة المشهد، ويتحملون كافة المسؤولية فيما وصلت إليه الأمور من سقوط للدولة، وتفكك للبنى المدنية، والاستيلاء على مقدرات الجيش، فهم مقبلون ولا شك على احتراب مع القبائل ومواجهة الثورة الشبابية التي استأنفت حراكها من جديد، وعدم القدرة على إدارة الدولة، لقد ورطها «هادي»، و"علي صالح" محلياً، والإيرانيون وسكوت الأمريكيين ليكونوا في المقدمة والمسؤولية على حساب الاستقرار والاحتراب، ورغم سيطرتهم على صنعاء وارتهان «هادي» ووزرائه تحت الإقامة الجبرية، فإنهم في ورطة كبيرة سياسياً وميدانياً.
ورطة «هادي»:
لقد عمل «هادي» على عقد تفاهمات مع الحوثيين وقيادات في الجيش وقيادات في الحراك الجنوبي لتسهيل سقوط عمران، وتسهيل دخول الحوثيين لصنعاء، وتصفية قيادات الجيش التي وقفت مع الثورة كالقشيبي يرحمه الله، وعلي محسن الأحمر وأزاحتهم من المشهد، متوقعاً التصادم بين الحوثيين والإصلاح، ثم اللعب السياسي من أجل تصادم الحوثيين مع «علي عبدالله صالح» ليتفرد في إعادة توزيع السلطات والثروة، لكن تغول الحوثيين وتحالفهم مع «صالح» أدى في النهاية للضغط عليه لقبول شروط الحوثيين التي ركزت على التمركز والتمكن من الدولة وشرعيتها، مما أدى إلى استقالته وحصاره.
ورطة «صالح»:
لقد عمل «صالح» منذ اليوم الأول للثورة في 2011م على إجهاض الثورة ومحاربتها وبعد إسقاطه، وتحت ظل الحصانة التي أنقذته بدأ في ترتيب حساباته ليتحالف مع الحوثيين وقواه النافذة في الجيش بدعم إقليمي لاحتلال الحوثيين لصنعاء، وإنهاء معارضيه القبليين والسياسيين، ولكن يواجه اليوم تمكن الحوثيين من الدولة وهم اليد العليا، وقد حاول منذ أيام محاولة التوصل إلى اتفاق مع عبدالملك الحوثي، ولكن إلى الآن فشل هذا الاتفاق على اقتسام اليمن لعدم الثقة بين الطرفين، وهاهي تستأنف الثورة الشبابية من جديد لتضع «صالح» من جديد أمام مشهد سياسي غامض ومرتبك يهدد اليمن بالتمزق والذي لن يحصد من ورائه ما كان عليه به من النفوذ والسيطرة.
ورطة القوى السياسية والحركات السياسية في الجنوب:
لقد فشلت القوى السياسية والحراك الجنوبي في المحافظة على نجاح مشروع الثورة ومخرجات الحوار الوطني ودولة الأقاليم الستة، ونجاح قوى الثورة المضادة المحلية والإقليمية في تطويق مخرجات الثورة وإنهائها وإعادة اليمن إلى المربع الأول، بل إلى ما هو أسوأ منه، وهو السيطرة المسلحة على الدولة، وإنهاء شرعية الثورة، والتي لم يستطيعوا حماية مخرجاتها.
وهاهي القوى السياسية بمختلف توجهاتها تحصد نتائج تراخيها وثقتها المطلقة بالرئيس وحاشيته، رغم تكشف دوره في المؤامرة منذ سقوط عمران وصنعاء، وتقف الدولة اليوم بسببهم وضعفهم واختلافهم وسحبهم الثوار إلى مربع الحل السياسي أثبتت الأحداث والتحولات أنه كان خياراً خاطئاً.
لقد بات الشعب اليمني والشباب في مقدمتهم لا يثق اليوم بهذه القوى السياسية، فهم في ورطة حيث يتربص بهم تحالف الثورة المضادة من جهة، وتفرق الشارع عنهم وعدم ثقة شباب الثورة بهم من جهة أخرى.
ورطة الدول الخليجية:
لقد بادرت دول مجلس التعاون الخليجي إلى حل سياسي يتوافق عليه أطراف الصراع في اليمن بعد ثورة الشباب في 2011م، ولكن دول الخليج تركت أطراف الثورة المضادة يتحركون بما يشاءون ويتحالفون مع الحوثيين لإسقاط نتائج المبادرة الخليجية، وربما هناك دول محددة في إطار الدول الخليجية دعمت الحوثيين و"علي عبدالله صالح"، لإعادة تمكنهم من مواجهة التيار الإصلاحي والشبابي، ظناً منهم أنهم يعيدون النظام السابق، ولكن ما حدث أن استيلاء الحوثيين على الدولة اليمنية بدعم إيراني وتوافق أمريكي سيجعل اليمن الطائفي الجديد خطراً استراتيجياً على المملكة العربية السعودية وعلى دول الخليج ومصالحها والمصالح العربية والإقليمية في خليج عدن والبحر الأحمر، ويُمكِّنْ بصورة أكبر لإيران ليكون لها دور في الشأن والقرار اليمني، لذا فإن دول الخليج اليوم في ورطة بعدما كان الحل والمبادرة الخليجية فرصة للتوافق والتفاهم في إدارة اليمن الجديد.
ورطة الإيرانيين:
رغم سيطرة الحوثيين، وهم الحلفاء المدعومون من إيران مادياً وعسكرياً، أعطى للإيرانيين فرصة جديدة وتواجداً ونفوذاً في اليمن، فإن الكلفة العسكرية والاقتصادية والسياسية الجديدة على الإيرانيين ليست بقليلة، خصوصاً مع انخفاض أسعار النفط الذي أثر على الميزانيات العامة لإيران بما يخفض الدعم عن حلفائها في الخارج، أضف إلى أن تغول الحوثيين وتبعيتهم الدينية وتشيعهم أدى إلى تحرك مضاد سُني قبلي بما يرفع منسوب الطائفية في اليمن إلى حرب أهلية جديدة ستكلف إيران وحلفاءها الحوثيين بشكل كبير، فهل إيران وقعت في مصيدة العقدة اليمنية؟
ورطة الولايات المتحدة:
لقد مررت الولايات المتحدة بشكل كبير حل المبادرة الخليجية بالموافقة والضمانات الدولية، لكنها وبشكل تكتيكي كانت تنتقي ما تراه أنه يخدم مصالحها في إيجاد سلطة قادرة على محاربة «القاعدة» في اليمن، وتضمن سلامة الممرات البحرية، ومن عام 2009م والاتصالات بين الولايات المتحدة وأطراف حوثية مستمرة، كان من نتائجها إيقاف الحرب السابعة من الدولة على الحوثيين، واعتبار الحوثيين رغم استخدام القوة والسلاح جماعة سياسية محلية وليست إرهابية، مروراً بسقوط عمران وصنعاء، ولكن التصريحات الأخيرة للأمريكيين بعد تطورات المشهد اليمني والانقلاب على «هادي» من قبل الحوثيين، أكدت أن العلاقة بين الأمريكيين والحوثيين أكثر عمقاً، إذ اعتبرت الولايات المتحدة أنه لا يوجد ما يجعل الحوثيين لهم صلة بإيران، رغم المعلومات المؤكدة عند الأجهزة الأمنية في الولايات المتحدة خلاف ذلك.
لقد أرادت الولايات المتحدة أن تحقق من خلال صمتها وتجاوزها عن الحوثيين أن يكونوا الأداة المتمكنة لمواجهة «القاعدة» وتأمين الممرات البحرية في إطار تفاهمات شاملة مع الإيرانيين، ولكن الأمريكيين في ورطة، لأن الحوثيين لا يستطيعون أن يحققوا لهم ما يريدون، ولأن الحوثيين يعرفون أن حربهم ضد «القاعدة» ستنتقل عاجلاً أو آجلاً إلى صعدة، حيث إن «القاعدة» تنظيم قادر على أن يصل ويقوم بعمليات في عمق صعدة نفسها.
كما أن الحوثيين وهم مقبلون للتمركز والتمكن في الدولة لن يقوموا بهذه المهمة بشكل مطلق، لأنهم لا يريدون أن يتحولوا إلى معركة احترابية طائفية تفقدهم شرعية التواجد السياسي والأمني في الدولة؛ لذا فالحوثيون مترددون حول هذا الموضوع رغم الفرقعات السياسية والإعلامية.
لذا فإن تمركز الحوثيين يعطي قوة لإيران ونفوذاً في القرار الاستراتيجي لمنطقة تعتبرها الولايات المتحدة منطقة مهمة، وبالتالي فإن الولايات تورطت في الصمت عن تمكن الحوثيين الذين هم أقرب للإستراتيجية الإيرانية في حوارها مع الولايات المتحدة بشأن النووي وورقة رابحة للضغط في هذا الملف.
الحل:
ولأن الجميع في ورطة في اليمن، فإن المشهد السياسي يتجه نحو استئناف الثورة، وحشد الشوارع، وإسقاط الثورة المضادة المسلحة، لتعود الأوضاع من جديد إلى حالة الحوار والاستقرار، وأنه لن ينفع أحداً التغول على الدولة اليمنية وشعبها.
الشقيقة الكبرى السعودية في عهد جديد
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); الشقيقة الكبرى "المملكة العربية السعودية" يبدو أنها استعادت المبادرة بشكل إيجابي من جديد،... اقرأ المزيد
1198
| 28 مارس 2015
نحتاج مبادرة قطرية خليجية
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); أطلقت تركيا على أحد الشوارع الرئيسة في مدينة أنقرة اسم «قطر»؛ تكريماً للعلاقة... اقرأ المزيد
1319
| 01 يناير 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8907
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4830
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3555
| 23 سبتمبر 2026