رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)

مساحة إعلانية

مقالات

267

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

التقسيمات غير القانونية للوحدات السكنية

01 فبراير 2026 , 12:27ص

يشهد سوق الإيجارات في قطر ارتفاعات متواصلة أثقلت كاهل الأسر والمقيمين وأصحاب الأنشطة التجارية، حتى أصبحت الإيجارات في الدولة من الأعلى في المنطقة، رغم توفر بنية تحتية متقدمة ومشاريع تطوير ضخمة ومعروض عقاري واسع. وبرغم أن الزيادة السكانية وتوسع المشاريع التنموية أسهما في تعزيز الطلب على الوحدات السكنية والتجارية، فإن الارتفاعات الحالية في كثير من الأحيان تتجاوز المنطق الاقتصادي ما يجعلها محل نقاش دائم لدى المجتمع.‬‬

ومن أبرز الظواهر المصاحبة لارتفاع الإيجارات لجوء بعض الوافدين إلى السكن المشترك داخل وحدات سكنية مقسمة من الداخل صممت في الأصل لعائلة واحدة، وهو وضع يخالف نظام السكن المعمول به ويتسبب في ازدحام داخل المباني وضيق المرافق وازدياد الضجيج والضغط على مواقف السيارات والخدمات العامة، مما يثير قلق الأسر ويؤثر على الطابع الهادئ للمناطق السكنية.

وتُعدّ ظاهرة التقسيمات غير القانونية داخل الوحدات السكنية من القضايا البارزة في الأسواق العقارية، لما تترتب عليها من آثار قانونية واجتماعية واقتصادية تؤثر على كل من الملاك والمستأجرين، وعلى استقرار التخطيط العمراني والمجتمع المدني. ومع تزايد الطلب على السكن وارتفاع تكاليف الإيجار، أصبح من الضروري التعامل مع هذه الظاهرة من خلال تشريع فعال وسياسات تنظيمية متكاملة توازن بين حقوق الأطراف المختلفة واحتياجات السوق.

أولًا: جذور الظاهرة والسياق الواقعي:

يمكن ربط انتشار هذه الممارسة بعدة عوامل، أبرزها ارتفاع أسعار الإيجارات وندرة الوحدات السكنية ذات التكلفة المعقولة، مما يدفع بعض الملاك والمستأجرين إلى تقسيم الوحدات القائمة لاستيعاب عدد أكبر من السكان. وغالبًا ما يتم ذلك دون الحصول على التراخيص اللازمة، وبما يخالف المعايير الفنية والهندسية، ما يؤدي إلى مشكلات تتعلق بالسلامة والصحة العامة، ويزيد الضغط على البنية التحتية والخدمات الأساسية، ويخلق بيئة سكنية غير مناسبة.

إضافة إلى ذلك، فإن غياب التوثيق الرسمي للعقود الإيجارية الناتج عن هذه الممارسات يضع الأطراف في مواقف قانونية هشة، ويحد من قدرة الجهات المختصة على الرقابة والتنظيم، كما يزيد من صعوبة حل النزاعات العقارية عند نشوبها.

ثانيًا: الإشكاليات القانونية: 

تشمل المشكلات القانونية الناتجة عن هذه الظاهرة عدم تسجيل عقود الإيجار وفق الأطر القانونية المعمول بها، وهو ما يضع المستأجر والمالك على حد سواء في موقف غير محمي قانونيًا. كما أن هذه الممارسات تقلل من شفافية السوق وتضعف البيانات التي تعتمد عليها الدولة في التخطيط العمراني ووضع سياسات الإسكان والتنمية الحضرية. وفي ظل غياب التسجيل الرسمي، تصبح العقود غير قابلة للتطبيق الكامل أمام المحاكم، ويزيد احتمال نشوء نزاعات معقدة تستغرق وقتًا وجهدًا كبيرين لحلها، ما يؤكد الحاجة إلى إيجاد حلول تنظيمية وقانونية فعالة.

ثالثًا: الحلول التشريعية والتنظيمية:-

لا يمكن التصدي لهذه الظاهرة بمجرد فرض الجزاءات أو العقوبات، بل يستلزم تبني حلول متكاملة تتناول الأسباب الأساسية للظاهرة. من أبرز هذه الحلول تدخل الدولة في خفض سقف الإيجارات ضمن إطار قانوني واضح، بحيث يحقق التوازن بين حماية المستأجر وضمان حقوق المالك، ويحفز الاستثمار المنظم في قطاع العقارات.

كما يشمل الحل تمكين المستثمرين من إنشاء وحدات سكنية اقتصادية مخصصة للعمالة المصحوبة بعائلاتها مقسمة مسبقًا ومهيأة للسكن وفق معايير السلامة والهندسة المعتمدة، او إنشاء مجمعات سكنية منخفضة التكلفة ومتكاملة الخدمات مع الالتزام بالاشتراطات الفنية والقانونية منذ مرحلة التصميم. هذا النهج يوفر وحدات سكنية مناسبة من حيث التكلفة، ويقلل من الحاجة إلى التعديلات العشوائية، ويحد من انتشار المخالفات القانونية في تقسيم الوحدات ويخفف الضغط عن الأحياء السكنية ويعزز التنظيم العمراني.

رابعًا: التعديل التشريعي المقترح: 

في هذا السياق، وافق مجلس الوزراء الموقر مؤخراً على مشروع قانون لتعديل بعض أحكام القانون رقم (4) لسنة 2008 بشأن إيجار العقارات، وأحال المشروع إلى مجلس الشورى لمزيد من الدراسة. ويهدف التعديل إلى الحد من التقسيمات غير القانونية، وتشجيع تسجيل عقود الإيجار، مع تخفيض الرسوم المقررة على التسجيل، بما يعزز الالتزام بالقانون ويزيد الشفافية في السوق العقاري.

ويعمل هذا المشروع على معالجة الاختلالات القانونية المرتبطة بالعقود غير المسجلة، ويساعد الجهات الرسمية في الحصول على قاعدة بيانات دقيقة، مما يسهل التخطيط العمراني ورسم السياسات العقارية المستقبلية بشكل علمي ومدروس.

خامسًا: فوائد الحلول المقترحة: 

تتجلى أهمية هذه الإجراءات في قدرتها على تقديم بدائل عملية تستجيب لاحتياجات المستأجرين والمستثمرين على حد سواء، مع الحفاظ على السلامة العامة واستدامة التخطيط العمراني. إذ يضمن تنظيم الإيجارات والتراخيص المسبقة للوحدات السكنية تقليل المخاطر المرتبطة بالتقسيمات العشوائية، ويحفز السوق العقاري على الالتزام بالقواعد، ويخلق بيئة أكثر استقرارًا لجميع الأطراف.

يمكن القول إن معالجة ظاهرة التقسيمات غير القانونية تتطلب رؤية متكاملة تجمع بين التشريع، والتنظيم، وتوفير البدائل القانونية والعملية، مع رفع مستوى الوعي لدى الملاك والمستأجرين على حد سواء. فالتنظيم الفعال لسوق الإيجارات لا يقوم على العقوبة وحدها، بل يعتمد على سياسات عملية توفر خيارات سكنية مناسبة، وتضمن التزامًا قانونيًا واضحًا، وتحافظ على استدامة التنمية العمرانية وسلامة المجتمع. هذا المنهج يضمن تحقيق المصلحة العامة، ويعزز الاستقرار القانوني والاجتماعي، ويحد من الأضرار الناجمة عن الممارسات غير النظامية.

مساحة إعلانية